ليس بغريب أن نرى دولة الامارات تقدر الدور النسوي مثلما تقدر دور الرجل في المجتمع. فتلك العادة الجميلة، والسنة الحسنة مكتسبة من صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله. إن سموه منذ أن تسلم مقاليد الحكم في امارة أبوظبي، وإلى أن تولى رئاسة دولة الاتحاد، يضع في حسبانه ان المرأة نصف المجتمع، وان الاهتمام بها يعني الاهتمام بالمجتمع، ذلك ان المرأة هي الأم التي ولدت مثل سموه، والمرأة هي الزوجة التي تتمثل في سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، حرم سموه، والمرأة هي الموظفة والعاملة في كل ميادين الحياة العامة في دولة الامارات اليوم. إذن إذا كان الاهتمام بتربيتها واجبا وطنيا، فان الاهتمام بدورها وانجازاتها واجب وطني آخر. لذلك فإن الدولة أنشأت جمعيات نسائية، وعلى رأسها الاتحاد النسائي العام الذي ترأسه حرم سمو رئيس الدولة. إن اهتمام سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك رئيسة الاتحاد النسائي العام بالجمعيات النسائية، ورعاية سموها لدورها جعلت المرأة في كل مكان تنشط للقيام بواجبها تجاه المجتمع. وإن تكريم سموها لسمو الشيخة جواهر بنت محمد القاسمي، حرم صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم الشارقة لأكبر دليل على النشاط النسائي العام الملموس في مختلف امارات الدولة، وهو في الوقت نفسه مؤشر بارز بأن الأيام المقبلة ستشهد ريادات نسوية أكثر، وفي مختلف الميادين. فبعد أسابيع سوف ترعى سمو الشيخة هند بنت مكتوم آل مكتوم حرم الفريق أول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع المسابقة المحلية للقرآن الكريم، فرع النساء. وسوف تشهد بنفسها الحفل الختامي للمسابقة، وتوزع الشهادات على المتسابقات بنفسها. وفي عجمان تترأس سمو الشيخة فاطمة بنت زايد آل نهيان حرم صاحب السمو الشيخ حميد بن راشد النعيمي عضو المجلس الأعلى للاتحاد حاكم عجمان جمعية أم المؤمنين النسائية. كما انها ترعى فعاليات جائزة راشد بن حميد رحمه الله بنفسها، وتشهد الحفل الختامي، وتوزع الجوائز على الفائزات. وهكذا في رأس الخيمة وأم القيوين والفجيرة، مما يدل على ان المرأة أدركت دورها، وأصبحت تشعر بالمسئولية، شأنها شأن الرجل. ومن الملاحظ في وزارات الدولة الاتحادية والدوائر المحلية ان عددا كبيرا من النساء عاملات في القطاع الحكومي، ونشهد للكثير منهن بالدور الفعال. ففي وزارة التربية أصبحت المدارس الابتدائية مكتفية ذاتيا بالهيئة الادارية والهيئة التعليمية من المواطنات، وكادت المرحلة الاعدادية ان تكون كذلك، وفي يوم من الايام سوف تشهد المرحلة الثانوية مثل ذلك الاكتفاء الوطني الناجح. وفي قطاع الصحة هناك الكثيرات من الاداريات اللاتي يقمن بالدور الناجح في المجالات المختلفة، وأتمنى أن أرى في العهد القريب الكثير من الطبيبات والاستشاريات المواطنات. وأقول أتمنى لان معظم الخريجات يفضلن العمل الاداري، وذلك مرض منتشر على مستوى الذكور أكثر. إذن نزول المرأة إلى ميدان العمل واقع غير قابل للانكار. واذا كانت بعض النساء أثبتت وجودها في المجتمع أكثر من بعض الرجال فذلك حقيقة غير قابلة للانكار أيضا. من هنا نقول لابد من تقدير العمل الجيد والمتقن أينما وجد، ولا بد من تشجيع المحسن، وتكريم المخلص أينما وجد أيضا. ذلك ان الاتقان ليس صفة خاصة بالرجال فقط، كما ان التكريم ليس خاصا بهم فقط. ألا فالجنة لم تخلق للرجال وحدهم، كما ان النار لم تخلق للنساء وحدهن، ولكن كما قال الله تعالى (من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة) الآية: 97 من سورة النحل. والمثل يقول: هل جزاء الاحسان إلا الاحسان. نعم ان المرأة الاماراتية اليوم تعمل مع الرجال جنبا الى جنب، بل وتعين بعض الزوجات العاملات أزواجهن في الانفاق على البيت والأولاد، وليس صحيحا ان ما تحصل عليه المرأة من راتب تنفقه على العطور الباريسية والملابس ذات الثمن الباهظ. أقول وهب أنهن ينفقن رواتبهن على العطور والملابس، أليس ذلك يساعد الرجال أيضا في مسألة الانفاق واحتياجات الأسرة؟ إذ انهن لو ما صرفن على عطورهن وملابسهن لوجب على الازواج أن يشتروا لهن العطور والملابس. وبالمناسبة فان الازواج عندما يطالبون زوجاتهم بالتزين لهم يشتكون منهن دائما بأنهن مهملات، لا يتخيرن الملابس الأنيقة الجذابة لقلب الرجل، ولا يستخدمن العطور طيبة الرائحة التي تسيل لعاب الأزواج. ولكن عندما تطالب الزوجات أزواجهن باحضار تلك العطور الطيبة الرائحة، وتلك الملابس الجميلة يتعلل الازواج بأنهن مسرفات لا يعرفن كيف يقتصدن، وانهن مبذرات. آه منكم أيها الرجال تحبون الجمال، ولكنكم لا تقدرون الجميل، وتشتهون الاغراء ولكن لا تدفعون ثمنه. وكأنكم لا تعلمون ان جمال الحياة اليوم ليس ذلك الجمال الطبيعي الذي كان يتمثل في الكحل والماء والخضاب. إن الجمال اليوم بأشكاله المختلفة، وفي مواقعه المتعددة ما هو إلا ألوان ومواد ومواقف تباع وتشترى لمن يدفع أكثر. من هنا فان المرأة تعذر إذا قصرت في ادارتها للبيت لان جمالها لم يعد في كونها ربة بيت فقط، بل لكونها عاملة وموظفة، فهي تعمل في بعض شئون بيتها اذا اشتهت، أما في ميدان العمل خارج البيت فلا بد أن تعمل لانها تعمل مقابل المعاش، وكم من الزوجات يكرههن أزواجهن لانهن لا يعملن ولا يتسلمن المعاش آخر الشهر. هذا المعاش أصبح حقا لها، لانها تأخذه مقابل عملها، ولكنه ليس حقا خالصا لها، لانها تحصل عليه مقابل تخليها عن بعض ادوارها في البيت. من هنا فانها تشعر ايضا بهذا القصور، ولذلك لا مانع لديها من ان تصرف على البيت، لانه مسئولية مشتركة، ولو كانت ربة بيت لقلنا من واجب الزوج وحده ان ينفق. لكنني أرى من غير اللائق ايضا ما يفعله بعض الازواج، عندما يطالب زوجته منذ اليوم الاول ان تسلمه معاشه، او ان تتنازل عن علاوتها له، ليضيف ذاك الى رصيد راتبه شهريا، ثم يقطر عليها تقطيرا. ان مثل هذا الزوج لا يستحق مثل هذه الزوجة، لانه يريد أن يستغلها لا ان يستمتع بها وبجمالها وكم من العيب ان يمد الزوج عينه الى راتب زوجته، والزوج المنصف هو الذي يخصص لزوجته راتبا شهريا، لا الذي يستقطع من راتبها أو يستولي عليه. نعم اذا قامت الزوجة من تلقاء نفسها بالانفاق فلا بأس، لكن ان يطلب الزوج منها راتبها فذلك دناءة لا تقبلها الفطرة السليمة. ولعمري كيف يطيب له أن يأخذ معاش زوجته ويصرفه على ملذاته، وربما على زوجته الثانية. أعتقد ان على الرجال اليوم ان يفهموا دورهم في الحياة، ويقدروا دور الزوجات العاملات، والا ما قيمة انخراطهن في سوق العمل، اذا كن لا يملكن الا اللقمة التي يأكلنها. ان دستور الدولة ضمن حقوق الرجال والنساء، والدولة شجعت الجنسين على العمل البناء، والدور الايجابي في المجتمع. فلتكن المرأة شقيقة الرجل، ولتكن الزوجة صنو زوجها، ولتكن الحياة الزوجية سفينة محملة بالاماني والآمال، تصل الى بر الامان على يد الزوج والزوجة. ان لم تكن هذه النظرية نصب اعيننا فانه لا فائدة من عمل المرأة، ولا قيمة لتكريمها على المنصة أمام القنوات الفضائية، وهي مهانة في البيوت. وأقول لكل النساء ان تكريم سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك حفظها الله للنساء الرائدات ما هو إلا اشارة الى ان المطلوب الاتقان والعمل النافع، والدور الايجابي. إنها لا تريد من المرأة أن تزاحم الرجل في ميادين العمل لمجرد التخلص من جو المنزل، بل تريد منها ان تكمل المرأة الجوانب التي برزت في المجتمع، ولا يستطيع الرجل أن يكملها. إذن ليبارك الله جهود كل امرأة تعمل لترفع رأس وطنها عاليا. وليبارك الله كل من يقدر تلك الجهود ويشجعها. وليسلم الله أخيرا الحاكم والمحكوم في ظل اتحاد قائم، وأمن دائم، أليس كذلك؟