بيان المدارس: «ابن الوز عوام».. مثل شعبي متداول في كل مجتمعات الدنيا وتتناقله الاجيال جيلا بعد جيل حتى يكاد هذا المثل البسيط ان يصبح حقيقة بعد ان صاغه اهلونا من تشابه لمسوه واقعا بين الابناء والاباء ربما لعبت الوراثة دورا بارزا في اذكائه وتجسيده، واقعا، فيما يذكر لنا التاريخ بين صفحاته ما يدعم مثلنا الشائع بأمثلة متباينة برزت في مجالات متعددة تؤكد ما نغرضه حتى وان لم تكن رائعة كالاصل او ربما لان الموهبة والعبقرية قلما تتكرران، او ربما لان واقعية واتجاهات وميول الابناء لها رأي اخر بحكم ظروف كل عصر وطبيعة اهله.

يقول جعفر الفردان مدير مدرسة السعيدية الاعدادية: هي مجرد مصادفات ان يكون «ابن الوز عوام» مثلا شعبيا مطابقا للواقع فلو حاولنا تطبيقه على بعض الشخصيات الرياضية او الفنية او الادبية فسيكون من الصعوبة بمكان ان يكون الولد وريثا لأبيه في الموهبة والفن والابداع، ويكون صعبا على الجمهور كذلك ان يتقبل بسهولة بديلا للفنان الذي سكن النفس والروح حتى لو كان ذلك البديل ابنه وغالبا ما يسقط القناع ويفشل ذلك الابن لان شهرة وجماهيرية ابيه وبالا عليه مشيرا الى ان بيليه اسطورة كرة القدم وأفضل هداف في تاريخ العالم والبرازيل لم يستطع ابنه حارس المرمى ان يجد كلمة اطراء في اية صحيفة او وسيلة اعلام،وابن الاسطورة الهولندي كرويف كان لاعبا عاديا، وهذا اسطورة الكوميديا العربية اسماعيل ياسين شق ابنه لنفسه طريقا آخر وان كان في المجال الفني والامثلة على ذلك كثيرة، فبيكاسو نجم الرسم والتشكيل والفن العالمي واحد لا يتكرر وانشتاين ايضا وكل المواهب التي سطعت في تاريخ الدنيا لم نجد لها وريثا.

  • مواهب سطعت

ويؤكد الفردان ان كل المواهب التي سطعت في تاريخ الدنيا لم نجد لها وريثا فالموهبة على حد قوله لا تورث لانها تحتاج الى الكثير كما ان الوقت والزمن لا يعودان الى الوراء، والذوق العام للجماهير والمتذوقين يختلف من زمن الى آخر متسائلا: «هل لو عاد عبدالوهاب سلطان الطرب الى الوجود ثانية سيجد من يسمعه من شباب هذا الجيل اللاهث خلف الموسيقى السريعة، ولو عادت ام كلثوم هل ستجد اغنياتها صدى كما كانت ذي قبل؟ ولو عاد بيليه بموهبته الآن صغيرا كما كان، هل سينجح ذلك النجاح الباهر في ظل التكتيكات الدفاعية والكرة العلمية التي تسير على منهج وعلم ودراسة فبالتأكيد كل الموازين ستختلف.

وتابع قائلا: على الصعيد الشخصي لي ثلاثة اخوة استطاعوا العوم رياضيا الى حد الابداع وأكملوا ما بدأته ووضعوا بصمة رائعة في تاريخ الكرة الطائرة الاماراتية ومثلوا منتخب الامارات افضل تمثيل وأحرزوا البطولات المتعددة مشيرا الى انه سيحاول تغيير مجرى حياة ابنه الرياضية ليلعب كرة القدم مؤكدا انه لو «مشيت مع الابن» سيكون بذلك قد شق طريقه نحو المستقبل الرياضي وسيكون طريقه الاول والاخير حيث ستضع موهبته وميوله ورغباته حملها.

واستعرض الفردان امثلة استثمرت موهبة الاب فلاقت صدى عالميا مثل ليلى ابنة الملاكم العالمي محمد علي كلاي مشيرا الى ان نجاحها يكمن في الفكر الامريكي التجاري الذي يسعى لرسم صدى لتلك الشخصيات ويحاول استثمارها تجاريا واعلاميا. ويتساءل اين المتنبى الابن واين ابناء عنترة بن شداد والرازي وابن سينا؟ وأين العباقرة الاخرين؟ واين ورثتهم مع انهم تزوجوا وكانت لهم ذرية وأبناء وأحفاد، فكل المحاولات اليائسة مجرد خروج من عباءة العبقرية لكنها لا تبقى كبقاء الاصل مشيرا الى ان صورة وابتسامة الموناليزا رسمها كثيرون وقلدها آخرون لكن بقيت الروعة في الصورة الاصلية.

  • لكل قاعدة استثناء

ويقول عدنان كزارة موجه اللغة العربية بتعليمية دبي: من المعلوم بداهة أو عرفا ان لكل مثل شعبي اصلا اجتماعيا أو قصة أو حقيقة يستمد منها شرعية ولادته، ومن ثم حياته على مر الدهور والأزمان، وحين صاغ الناس أو حكماؤهم المخضرمون المثل الشائع (ابن الوز عوام) لتتناقله الاجيال جيلا بعد جيل (وهو بالمناسبة مثل يستخدم في مقام المديح والاعجاب) فإنهم استقرأوا الواقع فوجدوا ان معظم الابناء يشبهون آباءهم في تصرفاتهم ومهاراتهم وابداعاتهم، فاستنتجوا هذا المثل أو القاعدة تتويجا للاستقراء أو تلخيصا جماليا على طريقتهم في التعبير عن الحقائق والمفاهيم بالتصوير الحسي الذي يفهمه العامي والمثقف، الغني والفقير بلا فوارق ثقافية أو طبقية، ليصبح ملك الأمة جميعا.

ويضيف كزارة: كما ان لكل قاعدة استثناء، فإن لكل مثل شواذ، لأن الاستقراء في الأصل وإن كان استقراء علميا لا يكون تاما، أي يستعرض جميع أفراد الظاهرة بلا استثناء، بل هو ـ في الغالب ـ يطوي تحت جناحيه الأغلبية لا عموم الأفراد، ومن هنا ليس عجيبا ان نرى بعض الابناء لا يشبهون آباءهم شذوذا عن القاعدة، فإذا كان كثير من المبدعين أو الموهوبين أو العباقرة قد تركوا من خلفهم ذرية يحملون مورثاتهم من الموهبة أو العبقرية، فان بعضا منهم كان نسيج وحده، وحين رحل عن الدنيا الفانية لم يختص بميراثه من الابداع احد من بنيه أو حفدته، وانما جعله مشاعا للناس ولسان حالهم يستشهد بحديث رسول الله صلوات الله وسلامه عليه «نحن ـ معاشر الانبياء ـ لا نورث ما تركناه صدقة».

  • الوراثة أم البيئة؟

ويؤكد كزارة ان الجدل ظل قائما في علم النفس التربوي حول أيهما أكثر تأثيرا في سلوك الكائن الحي، الوراثة ام البيئة، وخلصت اهم الدراسات في هذا المجال الى ان الوراثة اقوى تأثيرا، وان اثر البيئة هو الارتقاء بالخصائص الوراثية وصقلها، وهو ما يدعم مثلنا الشعبي ويقيم دعائمه على أرضية من العلم المعزز بالملاحظة المنظمة والتجريب.

واستنادا الى ما سبق يرى كزارة ان كل موهوب أو مبدع لابد ان يورث ذريته خريطة وراثية (جينيوم) تحمل مزاياه أو بذورها الصالحة للنمو. اما قضية بروز هذه المزايا وتجسيدها في الابناء والاحفاد فمسألة اخرى تدخل فيها اعتبارات عدة على رأسها الميل والدافعية، وتلك عوامل تتأثر بالجانب النفسي، والجانب الاجتماعي «السوسيولوجي».

فمثلا اذا احس ابناء الموهوبين او المبدعين بالضريبة الباهظة التي يدفعها آباؤهم ثمنا للموهبة او الابداع، لترك هذا الاحساس اثرا سلبيا في نفوسهم عزفوا من جرائه عن التأسي بالآباء أو السير على هداهم رغم وجود البذرة الصالحة والارض الطيبة فيهم التي تؤهلهم للابداع والتميز.

ويزيد الامر تعقيدا ما يتعرض له هؤلاء الآباء الموهوبون من جحود ونكران في اوساطهم الاجتماعية يولد لديهم ردود افعال سلبية تجعلهم حريصين على عدم تكرار التجربة في ابنائهم، بل تحفزهم لتجنيب ابنائهم دروب الشقاء التي مروا بها رغم الشهرة التي جنوها. ويتابع كزارة قائلا: بالرغم مما تقدم فان الموهبة او العبقرية تأبى إلا ان تطل برأسها من خلال الابناء والاحفاد بشكل أو بآخر تأكيدا لصحة مثلنا الشعبي (ابن الوز عوام).

وحين اقول بشكل أو بآخر فانني أعني ان هذه الموهبة قد لا تتجلى بشكل مطابق وانما باشكال مقاربة، فاسماعيل ياسين الممثل المعروف الذي تربع على عرش الكوميديا في الخمسينيات والستينيات لم يخلف ممثلا على غراره، وانما مخرجا سينمائيا هو ابنه ياسين اسماعيل. ولا يخفى على اللبيب علاقة الاخراج بالتمثيل.

ومثال آخر نأتي به من الشعر، حيث ان الشاعر الكبير نزار قباني لم يورث شاعريته باللغة العربية وانما ظهر من آل بيته من ينظم الشعر بالانجليزية (ابنته رنا). يصدق في الفنون كثيرا ويغلب في اعتقاد كزارة ان المثل الشعبي موضوع الحديث يصدق كثيرا في مجال الفنون التي هي منحة ربانية أكثر مما يصدق في مجال العلوم التي تعتمد بشكل أساسي على المثابرة والجهد المتواصل، أي على الاكتساب لا على الوراثة، وان كانت الصفات الشخصية المكتسبة من صبر وجلد وفضول علمي، وطموح للانجاز مما ينتقل من الآباء الى الأبناء كما اثبتت الدراسات الحديثة، لكن تجليات هذه الصفات في هذه المهارة او تلك، في هذا المجال أو ذاك فأمر يدخل فيه التطور التقني والاجتماعي ولا سيما في عصرنا هذا الذي يشهد تقدما تكنولوجيا مذهلا ترك آثاره الكبرى في المهن والصنائع والاتجاهات نحوها، بل وفرض تحولا شبه دائم بين الاعمال والوظائف بما يسمى اعادة التأهيل. فلا عجب ازاء هذا ان نجد ابن مصلح وابور الكاز ميكانيكيا او ابن البلاط مهندسا معماريا أو ابن المحاسب خبيرا اقتصاديا، فتلك سنة الله في خلقه، وذاك منطق الحياة الذي لا يعرف ثباتا.

  • النشأة مؤثرة

وتقول منيرة صفر رئيسة قسم الانشطة الكشفية والارشادية بوزارة التربية والتعليم والشباب: حقا ان «ابن الوز عوام» مثل شائع لكنه لا ينطبق على الجميع، فالامر متعلق بالنشأة الاولى داخل الاسرة، فاذا كان احد الوالدين يتمتع بموهبة ما في اي منحى من مناحي الفنون مثلا كالموسيقى او الرسم او الشعر أو الكتابة أو التأليف أو غيرها فلا شك ان تلك الموهبة التي يتمتع بها احد الوالدين ستنعكس على الابناء وستجد من يرعاها وينميها من الوالدين انفسهما وبالتالي ستنعكس ايجابا عليهم وستولد احساسا عاليا لديهم. مشيرة الى انه اذا كان الاب موسيقيا فنانا مثلا او الام كذلك، واقدما على ان يتجه احد الابناء نفس اتجاههما من خلال ما يتمتعان به من حس موسيقي في هذا الجانب ونجح الابن في ذلك فلا شك ان مثلنا «ابن الوز عوام» يصبح واقعيا حقا وهكذا في مختلف مناحي الحياة مؤكدة انه ربما يتفوق احد الابناء على والديه.

وعلى النقيض ترى منيرة صفر انه قد تكون اتجاهات الابناء على العكس من ذلك ويستشعرون مللا من طرق وممارسات الوالدين تجاه ما يتمتعون به من ملكات وهوايات موسيقية مثلا او في مجالات العمل الاخرى فيتجهون الى هواية مغايرة يحبونها ولا يجدونها في محيط اسرتهم وربما يجدون معلمهم في مدرستهم اقدر على تجسيدها وتأكيدها لديهم فيتجهون اليه، وهنا يصبح الابن غير عوام! وتؤكد فاطمة ماجد السري المنسقة الاعلامية بجمعية النهضة النسائية بدبي ان «ابن الوز عوام» مثل شعبي واقعي مشيرة الى انه في أغلب مراحل الحياة نجد بعض الابناء صورة طبق الاصل من آبائهم لا سيما الابناء الناجحين في مجالات العمل المختلفة.

وتضيف قائلة: عندما يكون الاب قدوة وناجحا في عمله كالطب أو العلوم او الآداب أو غيرها يسعى ابناؤه بدورهم لمحاكاته وتقليده والتعلم منه مما يكون له الاثر الايجابي في نجاحهم والسير على خطاه، وحينئذ يكون المثل واقعا ملموسا ويفخر الاب بما غرسه في ابنائه وما وصلوا اليه من نجاحات ضاربة المثل بوالدها الذي تلقى تعليما نظاميا في دولة الكويت الشقيقة وكان يتمتع بحب جارف للعلم والمطالعة مؤكدة انها سارت على نفس نهجه واحبت العلم ومطالعة كل جديد متأثرة به في ذلك.

  • صواب في بعض الاحيان

ويؤكد الفنان عبدالرحيم سالم نائب رئيس جمعية الامارات للفنون التشكيلية ان المثل يصيب في بعض الاحيان الهدف مؤكدا انه غالبا ما يكون صائبا مشيرا الى انه من خلال معرفته بمجموعة من الفنانين والادباء داخل الدولة وخارجها لاحظ ان ابناءهم يسيرون على نفس خطاهم أو لديهم بوادر للسير في نفس الاتجاه. وفيما يتعلق به كفنان تشكيلي اكد سالم ان معظم ابناءه يحملون ما يتمتع به من سمات وصفات بدون فرضه عليهم مشيرا الى تلك الاهتمامات النزوعية في علم النفس تجاه الاب ومحاولات الابناء المختلفة لتقليده الى ان يصلوا الى مرحلة يتخلو فيها عن ذلك مؤكدا ان اتجاهاتهم تلك غالبا ما تتم في اطار حب الاستطلاع والاكتشاف. وبعد.. فآراء من التقيناهم تؤكد ان المثل الشعبي «ابن الوز عوام» يبقى سائدا ولكنه ليس قاعدة.