بيان المدارس: من الفكر ينطلق الرأي فيثري ساحات العمل ومجالات البناء ويمنح أهل الميدان خبرات أوسع ورؤى أشمل هي حصاد علم أو معرفة، وخلاصة تجارب وممارسات قد تمتد لسنوات وسنوات. ولأننا نؤمن بأن الرأي اسهام في البناء، وسعي نحو التطور، وتوجه نحو العطاء فإننا نفرد على صفحات ملحقنا سطوراً تخدم واقعنا التربوي وان كانت «مجرد رأي». سؤال يتبادر الى البال، ويلح على صاحبه وهو يطلق العنان لاحاسيسه ومشاعره، وهو: الى اي مدى يفترض بالانسان ان يهذب صورة تلك المشاعر والاحاسيس والتطلعات لتبدو مقبولة عند الآخرين؟ وهل يسهم تهذيب المشاعر في ابراز صدقها ام انه يحيطها بغشاوة تخفي الكثير من حقائقها؟ حين يغوص الواحد منا في صميمه والحديث في الصميم صعب عسير، سيجد لاشك صورا مشرقة كثيرة وسيجد الى جانبها صورا قاتمة قد تصل الى كونها سوداء مفرقة في السواد. ومع ذلك فخلائق المرء لابد وان تظهر على حقيقتها ان عاجلا أم آجلا مصداقا لقول الشاعر: ومهما تكن عند امريء من خليقة وان خالها تخفى على الناس تعلم لذا فان ابراز المشاعر والطباع على حقيقتها هو الصواب بعينه فقد يصادفك انسان يحكي ويحكي، وانت على الرغم من قوة حجته تجد نفسك مشككا في صدقه، وتجد نفسك مع انسان آخر مقتنعا مصدقا على الرغم مما يسوقه من حجج قد تبدو ضعيفة واهية.. انها الفراسة وفراسة المؤمن لا تخيب.. انه الصدق.. انه حديث القلب، وحديث القلب يخرج من القلب ليدخل دون استئذان في القلوب صادقا واضحا دون مواربة او خداع. فخير حديث اذا حديث الصدق وخير صديق من صدَقك لا من صدّقك. ألا انطلقي ايتها المشاعر واخبرينا بما لديك.. ان المشاعر وحدها لا تشكل الكائن البشري فالكائن البشري روح ونفس وجسد، والروح من امر ربي قال تعالى: «يسألونك عن الروح قل الروح من امر ربي وما اوتيتم من العلم الا قليلا» فدعوا الروح لخالقها، وهو جل وعلا كفيل برعايتها وهبنا اياها حين شاء، ويقبضها حين يشاء، ويقبض كل شيء «له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير». اللبنة الاهم في المجتمع ويبقى الصراع مع الحياة من خلال جسد ونفس وفلسفة الجسد لاتحتاج في فهمها الى كثير عناء فالجسد يحتاج الى ما يشبع رغباته وقد هيأ الله في هذا الكون البديع ما يحقق للانسان ذلك فجاءت العلاقة السامية من خلال الزواج لتنظم التكاثر والاستمرار والحياة الطيبة، وقد جرب البشر في عصورهم المتعاقبة ارتباطات متنوعة ومختلفة وخلصوا الى ان الاسرة هي اللبنة الاسلم في بناء المجتمع القوي لذا عززت الراوبط الاسرية، وتوج التكاثر بالزواج الذي حقق للناس السكينة والمودة والرحمة ثم اشبعت الرغبات الاخرى من خلال الطبيعة فكان الطعام اشكالا وضروبا وألوانا وكان الشراب العذب والماء الزلال ومكن الله سبحانه وتعالى الانسان من تسخير كل ما يحيط به لخدمته «وعلم الانسان مالم يعلم». اما النفس فلها حكاية اخرى فهي اما ان تكون راضية مرضية، او ان تكون خبيثة او ان تكون لوامة. وفي الاخبار يقولون: فلان سولت له نفسه ان يفعل كذا... حدثته نفسه بفعل كذا... وفلان كان اقدر على محاربة هواجس النفس، فالنفس قضية، وهي في الوقت نفسه مشكلة، وفي النفس الطموح وفيها التقاعس ومعها تكون القناعة: والنفس راغبة اذا رغبتها واذا ترد الى قليل تقنع وللنفس عادات، والعادات مكتسبة، والموروث قد يصعب تغييره، اما المكتسب فيمكن تعديله، وكثيرا ما تهذب العادات وترقى بصاحبها، وقد تسيطر عادات سيئة على انسان ما فتسقطه من اعين الآخرين والقرناء. واذا ما اردت لحديث النفس وشجونها الا يطول اخلص الى ان مشكلة المشكلات ما يصيب النفس من احباطات قد تؤثر عليها مدى الحياة. ولعل معظم احباطات النفس وعقد نقصها تعود الى الاسرة او المدرسة او المجتمع. والمرء وليد مدرستين، مدرسة الاسرة التي تتسع لتضم مدرسة الحياة، والمدرسة النظامية التي يتلقى فيها الى جانب التربية العلوم والمعارف، فدور المدرسة النظامية دور مزدوج ومبرمج، ودور مدرستي الاسرة والحياة كبير وواسع وعريض، والواحد منا تصنعه المدرستان تصنع طباعه وسلوكه واتجاهاته، وتسير بفطرته نحو السلب او الايجاب، فاذا ما لقينا انفسنا امام مشكلات نفسية او سلوكية فمردها الى هاتين المدرستين، وما اكثر المشكلات التي يعاني منها البشر في هذا الكون!! ان العالم متفاوت، ففي الوقت الذي تنمو فيه العلوم وتتصاعد في الغرب تتراجع في الشرق وتخبو.. هم مجددون ونحن مقلدون، وشتان ما بين المجدد والمقلد ولكن كيف استطاعوا ان يكونوا على ماهم عليه وما الذي حولنا الى ما نحن عليه؟ وقديما كان الشرق منبع الحضارات وهو ارض الرسالات، فهذا القانون قد عرفه الفراعنة منذ القديم وجدده حمورابي بعدئذ، وكذا مختلف العلوم ولم يكن للغرب انئذ في دنيا العلوم حديث يذكر وفي الوقت الذي كان يعيش فيه المسلمون عصورهم الذهبية كان الغرب يرزح تحت وطأة الجهل وكابوس العصور الوسطى فكيف انقلبت الآية؟ وتحولنا من مصدرين للعلم الى مستوردين؟ واصبحوا هم المصدرين له؟ ليس في الامر لغز ابدا فقد اعمل الغربيون بصائرهم في الاشياء وتلقفوا العلوم من هنا وهناك لقد اخذوا علومنا وهي علوم الشرق وحضارته بهنده وصينه، وعلوم مصر وبابل والفينيقيين وبلاد ما بين النهرين اخذوا علوم المسلمين فترجموها وتعرفوها وجعلوها اسس حضارتهم واستطاعوا بها اشادة حضارة راسخة في وقت كنا فيه نتفرج ونلهو ونعبث، نتصارع على السلطة ونكيد لبعضنا بعضا في وقت نسينا فيه حقائق الاشياء وتغافلنا عما يحيط بنا فغفلنا وداهمنا نعاس طال اجله وكلما حاولنا نفض غبار النوم عن كواهلنا وحاولنا ان نقف على اقدامنا شدتنا حبال الخيبة الى الوراء واجبرتنا على السقوط من جديد. هو ليل ولكن أليس لهذا الليل الطويل من نهاية؟ ولابد بعد الليل من صبح ولابد من انبثاق فجر جديد.