اتصلت بي هاتفيا من المدرسة وأبدت رغبتها في زيارتي لأمر هام، وحينما استقر بنا المجلس بادرتني قائلة: هناك طلب أريده منك، وتشاركني فيه مديرة المدرسة ونائبتها، قلت لها: خيرا ان شاء الله، وأرجو ان أوفق في تلبية الطلب. أجابت: نريد منك دورة تدريبية حول صفات المعلمة الفاعلة. ولم تمهلني في التفكير والنظر في هذا الطلب الذي يحمل نبرة الالحاح والتوكيد. لقد واصلت حديثها الذي يبدو منذ بدايته انه ذو شجون قائلة: هناك ملاحظات على بعض المعلمات وترغب الادارة في استدراكها واحلال صفات اخرى ايجابية بدلا عنها. سألتها: وما هي نوعية تلك الملاحظات؟! أجابت: بعض المعلمات عفا الله عنهن لا يلتزمن بآداب الحديث من حيث الاحتشام في اللفظ والنقاوة في الكلمة، حيث ان بعضهن عفا الله عنهن لا يترددن أبدا بالقاء بعض العبارات الجارحة على مسامع بعض الطالبات!! ثم أضافت قائلة: انت تعلمين ان المعلم قدوة فكيف تصدر مثل تلك الالفاظ الجارحة عمن يعتبرن الرمز والقدوة وينظر اليهن على انهن المربيات وصانعات الاجيال؟! ابتسمت بهدوء محاولة امتصاص ذلك الغضب البادي على محيا صديقتي وودت التخفيف عنها ومساندتها في هدفها النبيل بأية صورة، ثم قلت لها محاولة تشخيص الحالة ومعرفة العدد الفعلي لمن تصدر منهن مثل هذه المواقف: هل عددهن كبير؟ اجابتني بلغة معاتبة: ولماذا تسألين عن العدد، ألست معي ان هذا التصرف خاطئ بغض النظر عن حجمه وانتشاره خاصة وان أمامنا مسئولية عظيمة حيث لا خيار أمامنا غير الالتزام بالدور المطلوب منا تجاه الطالبات. لقد تملكني شعور غامر بروعة هذا الانتماء لبيئة عملها وهذا الفخر بالدور الكبير الذي أنيط بالمعلمين والمعلمات، ولم أستطع أن أكتمها اعجابي الشديد وسروري بهذه الروح الخلاقة التي تحملها بين جنبيها. إن الدم ليتدفق حارا غزيرا كلما رأى الانسان أو شاهد نماذج فاعلة في هذا المجتمع تتحرك بشعور الواجب تجاه المؤسسة التي تنتمي اليها وتتطلع لخدمة مجتمعها والاضافة اليه، يملؤها الشعور بالاحترام لذاتها ووظيفتها وبالغيرة على العمل الذي تؤديه وفق نظرة شاملة تتبنى العمل الجماعي وترفض العمل الفردي، وتشعر ان القوة الحقيقية في التأثير تنبع من خلال استدراك العيوب وتلافي الأخطاء ولهذا فهي لا تفتأ تنشد الاصلاح وتسعى للارتقاء بذاتها أولا وبمن حولها ثانيا. إنها تأبى العزلة وترفض ان تغمض عينيها على التقصير أو الزلل، تحب زميلاتها وتغار عليمن من الخطأ، وبدافع من هذا الانتماء تجتهد لاستدراك الأخطاء يحدوها الشعور بأن النجاح لا يأتي من التستر على العيوب أو القفز فوقها انما تسعى جاهدة لتقول كلمتها وتدلي برأيها وتطلب المشورة والمساعدة ممن تثق فيهم وتراهم أهلا لذلك. في الحقيقة لقد ملأني الحماس وأصبت بنفس الأعراض التي بدت على هذه المدرسة المتألقة فحددت لها موعدا لتقديم الدورة التي طلبت، وفي اليوم المحدد ذهبت الى هناك ووجدت ان روحا جادة تسري في تلك المدرسة، ومع الدورة كانت هناك عدة مناشط تهدف الى ذات الغرض. ولم يطل الامر كثيرا ولم يتأخر الرد فبعد مرور شهرين اتصلت بصديقتي لأسألها عن آثار تلك الفعاليات والبرامج، أجابتني وبصوت تعلوه نبرة الانتصار والظفر: يا صديقتي لقد بدأ التغيير، وبدأنا نقطف ثمرات جهدنا مع الزميلات. وحدهم القادرون على تحمل مسئولياتهم بكفاءة واقتدار هم الذين يحملون شعلة التغيير ويضيئون الطريق لمن حولهم! مريم عبدالله النعيمي