حين تقدم المدارس العلم والمعرفة فانها بذلك تصنع التاريخ الذي تنسجه شخصيات كانت ذات يوم فوق مقاعد الدراسة كي تتسلح لمعركة الحياة بعلوم العصر وفنون البشرية. وكالأفراد وحركتهم المعروفة في الازمان والعصور فان للمدارس ايضا دورها فيما تصنعه ـ رغم ثباتها الظاهري ـ في محيطها اذ تلعب دورا مؤثرا فيما وفيمن حولها يجعلها هي الاخرى صاحبة تاريخ لا ينفصل مطلقا عن تاريخ وحركة مجتمعها. حول المدارس ذات التاريخ والاثر والمكانة والدور نلتقي لنطالع تلك الملفات القديمة لـ «مدارس لها تاريخ». كان للبحرين تميزها الثقافي والعلمي منذ القدم. فقد شهدت عدة حضارات انسانية منذ مطلع التاريخ، وكان دخول البحرين في الاسلام مبكرا كما تحكيه الوثائق هو أحد المتغيرات الاساسية لتأصيل العلم وطلبه، حيث يحضنا ديننا الحنيف على طلب العلم ورفع قدر العلماء، وبالعلم تبني الأمم مجدها وحضارتها ورقيها بشكل دائم. وقد كان للمساحة الواسعة من الاحتكاك الثقافي بين حضارات البحرين والحضارات الاخرى أثره في تعميق البعد الفكري والثقافي والرغبة في البحث والاطلاع من خلال طلب العلم. وكغيرها شهدت البحرين من الدول العربية والإسلامية، سواء في الحضر أو البادية أو الريف أنماطا تقليدية من التعليم على يد معلم وتلاميذ أو عالم ومريدين أو الاسلوب الشائع في الكتاتيب لتعليم القرآن الكريم ومبادئ القراءة والحساب. ثم عرفت البحرين بدايات التعليم النظامي المدرسي مع نهاية القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين من خلال مدارس الارسالية الامريكية للبنين والبنات. ومع رحلة العلم للبحث عن كيانات قوية مستقلة في كافة مناحي الحياة السياسية والاقتصادية والثقافية وضرورة تأكيد الهوية على أساس علمي وتعليمي منتظم، وخاصة بعد الحرب العالمية الاولى بدأ أهل البحرين يفكرون جديا في نظام تعليم مدرسي منظم، وفي عام 1919 تبلورت الفكرة لدى مجموعة من وجهاء البحرين والأعيان والتجار بمباركة من حاكم البحرين آنذاك الشيخ عيسى بن علي آل خليفة الذي استجاب للفكرة وشجع على المضي في تنفيذها. حجر الأساس وكان يوم 16 نوفمبر 1919 يوما تاريخيا حيث تم وضع حجر الاساس لأول مدرسة نظامية في البحرين وهي مدرسة الهداية الخليفية وذلك في احتفال مهيب حضره حاكم البحرين وتابعها الشيخ عيسى بن علي آل خليفة وأبناؤه، كما حضره الأعيان والتجار ولفيف من المواطنين، وتم تشكيل مجلس للمعارف برئاسة الشيخ عبدالله بن عيسى آل خليفة، وضم المجلس في عضويته عددا من الشيوخ والأعيان والعلماء. ويروي جيل الرواد ممن حضر ميلاد مدرسة الهداية الخليفية وتتلمذ فيها ـ أطال الله أعمارهم ـ ان افتتاح مدرسة الهداية عام 1919 مثل نقلة نوعية للتعليم في البحرين، حيث اختلف اسلوب التعليم فيها عن الاسلوب النمطي التقليدي. وبدأت البحرين تستعير بعض مناهج الدول العربية المتقدمة تعليميا آنذاك، وكذلك استقدمت عددا من المعلمين من بعض الدول العربية مثل مصر وبلاد الشام. أول بعثة للخارج وبدأ جيل جديد من الطلاب البحرينيين ينخرط في الدراسة من أنحاء البلاد وأثمرت مدرسة الهداية أول بعثة تعليمية للخارج عام 1928 الى الجامعة الامريكية في بيروت ولا يزال عدد من افراد هذه البعثة على قيد الحياة، ويحكي جيل الرواد من تلاميذ مدرسة الهداية ان المنظومة الدراسية في ذلك الوقت بدأت بشكل جاد توازى مع تعطش الطلاب للعلم واخلاص المديرين والمعلمين الذين شكلوا بدايات تاريخ التعليم النظامي في البحرين وعزز من هذه الصورة المشرقة المتابعة الحثيثة من حاكم البلاد ومن مجلس التعليم. وكان الطلبة لا يدرسون المناهج التقليدية فقط، بل كانت الانشطة التربوية تأخذ حيزا مهما في مساحة اليوم المدرسي. ولا يزال جيل الرواد يتعاطى مع الذكريات الأثيرة عن تلك الايام الجميلة، حيث يذكرون انشطة الخطابة والاذاعة والصحافة والمسرح المدرسي وغيرها من الانشطة التي توازت مع المنهج من اجل تحقيق التكامل في بناء شخصية الطالب، وهذا هو النهج الذي تسير عليه احدث النظم التربوية حتى الآن. تعليم البنات وكانت الصورة المشرقة للبداية القوية لمدرسة الهداية الخليفية، باعثا على ضم حبات أخرى لعقد التعليم في الربع الاول من القرن العشرين وشهد عام 1928 مولد أول مدرسة للبنات في البحرين وتوالى بعد ذلك انشاء المدارس النظامية في انحاء البلاد لتكون البحرين بذلك أول دولة في المنطقة تشهد مبكرا مولد التعليم النظامي المدرسي. مدرسة من غرفتين أما مدرسة الخميس الابتدائية للبنين فتأسست في البحرين سنة 1926 وكانت تقع في الجانب الشمالي الغربي من البلاد، وقد سميت بهذا الاسم لجوارها من السوق الشعبي الذي كان يقام في يوم الخميس من كل اسبوع ويسمى «سوق الخميس». يقابل المدرسة من جهة الشمال مسجد الخميس الاثري الذي يرجع تاريخ بنائه الى عهد الدولة الاموية، وكانت المدرسة في بداية تأسيسها تسمى المدرسة المباركية العلوية واشتملت في البداية على غرفتين للدراسة تفصل بينهما غرفة الادارة، وعلى واجهة الغرف رواق يمتد من الشرق الى الغرب وكانت خالية من المرافق ودورات المياه، أما ماء الشرب فكان يجلب من عين أبو زيدان القريبة من المدرسة حيث كان يوضع في أوان كبيرة من الخزف الفخار تسمى الزير أو الجحلة حتى تم حفر بئر فيها. المدرسة التي كانت تضم عددا من الطلاب من مختلف القرى ومدينة المنامة لا يتجاوز الخمسين طالبا كان أول مدير لها هو عبدالكريم بن جمعة بن منصور، هو عراقي. بين الزنج والعين في الذكرى السادسة والخمسين لانشاء هذه المدرسة أصدرت ادارة المدرسة كتيبا خاصا تناولت في جانب منه تاريخ المدرسة، ومما جاء في الموضوع بعنوان «نبذة عن تاريخ المدرسة»: «والخميس» هي الجهة الغربية من البلاد القديم التي تمتد من الزنج شرقا حتى عين أبو زيدان غربا وقد صنفت المدرسة حسب التنظيم الجديد للعناوين كالآتي (البلاد القديم، الخميس، حالة السوق، المالغة) وقد سميت ببلاد القديم لانها كما يقال أقدم منطقة سكنية هي وجد حفص في هذا الجزء من جزيرة المنامة، وكانت تحفل بالعلماء والأدباء وبالمدارس الدينية الخاصة التي تعقد في بعض المساجد مثل مسجد الشيخ ناصر الدين ومسجد العمار بالاضافة الى مسجد الخميس وكانت جد حفص هي الأخرى تزخر بالعلماء والأدباء منذ القدم (المقصود بالعلماء علماء الدين) كما كانت بها مدارس للعلوم الدينية مثل مدرسة الشيخ داود بن شافيز ومدارس آل الصادق فبفضل ووعي هؤلاء المثقفين ومن بينهم وجهاء البلد وبتوجيه ومساندة حكومة المرحوم الشيخ حمد بن عيسى بن علي آل خليفة حاكم البحرين. وبعد ان اصبحت تلك المدارس الدينية في خبر كان أنشئت مدرسة الخميس «المباركية العلوية» باشراف دائرة معارف حكومة البحرين، وهي ثاني مدرسة نظامية بعد مدرسة الهداية الخليفية التي تأسست عام 1919 للميلاد. علم وخبز بعض الذين عايشوا تأسيس المدرسة ذكروا ان عدد الحصص في المدرسة كان اربعا لكن الطلاب والمدرسين لم يتقيدوا بها ولم تكن هناك فسحة بالمعنى الصحيح، وكانت الحكومة توفر الخبز بالمجان للطلاب بسبب شح الاغذية أثناء الحرب العالمية الثانية، أما المواد التي كانت تدرس فمنها القرآن الكريم واللغة العربية والحساب والرياضة، والطريف ان المدرس في ذلك الوقت لم يكن يتقيد بحصص معينة ولا بمواد معينة فهو يدرس الدين والقرآن والحساب وقد يدخل جميع حصص اليوم الدراسي، أما طريقة الامتحانات فكانت شفوية وأمام الموجه ومدير المدرسة وولاة أمر الطلاب. اعداد الاعلام التربوي بوزارة التربية والتعليم بدولة البحرين