عبر السنوات والمراحل يرتقي الانسان علما وفهما وادراكا في مجالات متعددة قد تتباين في نوعياتها أو أساليب ممارساتها لكنها تتفق في انها ـ جميعها وبلا استثناء ـ تستند إلى قاعدة من العطاء الذي قدمه اناس لا تزال بصماتهم الاولى ذات أثر في حياة المرء مهما تقدم او ارتقى. وحين يتوقف الانسان لتقييم مسيرة حياته وما قطعه من مراحل او بلغه من مواقع فان بوصلة الذهن تتجه دائما نحو أولئك الذين غرسوا في النفس ما انتج اطيب الثمرات ووضعوا اللبنات الاولى على مدارج العمر لتكون للحياة قيمة وللعطاء معنى. وهنا نتوقف كل اسبوع لنقرأ معا رسالة الى هؤلاء فهم اساتذتنا في الحياة. نبدأ مع الدكتور محمد الزحيلي عميد كلية الشريعة والدراسات الاسلامية في جامعة الشارقة والذي قال: نحن نتذكر دائما قول رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام «من لم يشكر الناس لا يشكر الله» لذلك كان الاعتراف بالفضل لأهله وشكرهم عليه من الادب والاخلاق السامية، وهناك المثل العربي الذي يقول: «من علمني حرفا كنت له عبدا» فالمعلم هو المثل الاعلى في حياة الناس لأنه استاذ ومصلح ومرب، وهو ضياء ونور ومرشد للخير والفضائل، وهذا ما أكده المعلم الاول للبشرية محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم عندما قال «انما بعثت معلما» فقد أخرج الناس من الجاهلية الى النور، ومن الامية الى ذروة العلوم والحضارة، وبين الاحكام عن ربه وتمثل به الشرع الحنيف، وتجسدت فيه الاخلاق الانسانية والمعلم مرآة يرى الناس فيه مواقفهم في الحياة، وقربهم من الصراط، وهو ميزان يقيّم أعمالهم، ويراقب افعالهم ليحاسب كل منهم نفسه. ان المعلمين والمدرسين والاساتذة لكل طالب كثر، وبعضهم يترك أثرا مميزا على شخصية الطالب، حتى يصل بالتلميذ ان يتقمص شخصية احدهم ويحاكيه في اعماله وتصرفاته وحركاته، ويتبعه كظله وخياله، ليكون له القدوة والأسوة وكثيرا ما يكون تأثير المعلم باعثا لتحبيب الطالب بتخصص معين او منهج خاص في الحياة وفي الدراسة، ليقتفي اثره، ويتبع خطاه، ويكون امتدادا لشخصيته وعلمه. تأثير علمي وشخصي ويتابع الزحيلي ان اساتذتي كثر في كل مرحلة دراسية مررت بها من الابتدائية وحتى الجامعية والدراسات العليا وهؤلاء اعترف بفضلهم، وأعتز بالتتلمذ على أيديهم والاستفادة من فضلهم وعلمهم وتوجيههم وكثير منهم له تأثير مباشر ومميز ولكن هناك واحد من اساتذتي جمع بين التأثير العلمي والشخصي والعاطفي والعائلي، وقد لازمته في الحياة الشخصية والعائلية منذ نعومة الاظفار مرورا بالطفولة والشباب وحتى الشيخوخة، ولا أزال انهل من معينه، واقتبس من فكره وعلمه ومواقفه ولذلك رأيت من الواجب ان ابدأ بكتابة هذه الرسالة، تقديرا ووفاء، واعترافا بالفضل، وبيانا للواقع، وحبا واخلاصا، واجلالا واحتراما، ألا وهو شقيقي الاكبر الاستاذ العلامة الفقيه المفسر الاصولي الدكتور وهبة الزحيلي، وكثيرا ما يشتبه الناس فينا ويظنون اننا شخص واحد، بل كثيرا ما تأتي الرسائل والمكاتبات تحمل الاسمين معا في آن واحد وقد يشتبه بعض الناس في التفريق بين الاصغر والأكبر، بين الطالب والاستاذ فيكون جوابي باستمرار: انه شقيقي الاكبر واستاذي في البيت. صفات الريادة ويواصل رسالته قائلا: بدأ تأثير شقيقي وأستاذي وتوجيهه بين أفراد الاسرة، ثم امتد الى مجالات الحياة الاجتماعية، والعلاقات العامة، ثم الروابط العائلية والشخصية فكان متميزا وفريدا، وطموحا في الحياة فلا يرضى الا بالقمم، وكان منظما في اعماله تنظيما دقيقا، ورائدا وموجها داخل الاسرة الصغيرة والكبيرة، ويتصرف باعتباره قدوة لغيره، وأسوة لمن حوله، ومن يحيط به، ويتمتع بظاهرة القيادة والريادة في كل لقاء. ويتابع الدكتور الزحيلي: لقد انقطع التأثير العلمي المباشر بيننا بعد ايفاده للدراسة بالقاهرة ثم عاد الى كلية الشريعة بجامعة دمشق ليعمل استاذا فيها عندما كنت في السنة الثالثة، ودرسني ايامها اهم العلوم الشرعية وأدقها في الفقه والاصول في السنتين الثالثة والرابعة، ثم صار عميدا ورئيس قسم الفقه الاسلامي ومذاهبه، وانقطع التأثير ثانية عند ايفادي للدراسة في الازهر الشريف، ثم تجدد التأثير والافادة عندما حصلت على الدكتوراه، وعدت مدرسا الى كلية الشريعة، فكان رئيسا لقسم الفقه ومتألقا في التدريس والاشراف والاجتماعات والمشاركة في الندوات والمحاضرات. ويوجه حديثه الى شقيقه قائلا: اليك شقيقي واستاذي كل التقدير والاجلال والمحبة والاحترام، انني نقطة في صحائف عملك وأثر من انتاجك الوفير وامتداد لعطائك أدام الله فضلك وعزك، وحقق الخير على يديك، وجعلك هاديا مهديا، لتبقى علما شامخا مع سائر العلماء المخلصين لهذه الامة حاملا مشعل النور ورسالة الاسلام. من عمق الذاكرة ويقول سمير الشيخ حسين مدير تحرير مجلة «الجامعية» في جامعة الشارقة من عمق ثلاثين عاما ونيف استوقفتني الذاكرة ومضت تقلب في الذكريات ذكريات المعلم الذي كاد ان يكون رسولا انه استاذي ابراهيم حيدر الذي اعتاد ان يقول لي في بداية كل درس للغة العربية التي كان يعلمني اياها في المرحلة الثانوية «سمير اخرج وابدأ الدرس» فاخرج وبيدي دفتر المذكرات الصغير، أقف أمام السبورة السوداء كعهدي كل يوم، أفتح الدفتر وأقرأ مشاعر الأمس وخواطره، ويسافر استاذي في عواصف مشاعره الى حدود العمر ولا يعود منها إلا على اعناق البكاء والألم، حبات من الدموع تتفجر على أعتاب أحداقه، فأحفظ الدرس اذ لا درس اعظم من الصدق ولا صدق الا الذي يشيعه القلب. دروس الجمال ويخاطب استاذه بقوله: أي استاذي المبجل هاأنذا أتذكرك بعد ثلاثين عاما وأكثر لا أدري ان كنت لا تزال تسعى على هذه الأرض الفانية تملأها أشجارا وغراسا، أحتاجك بعد هذا العمر الطويل السقيم احتاج الى درس صدق من حنايا نفسك وعظيم روحك درس أواجه به عصف الحياة وشح الجمال، أحتاج لذلك الدرس الرئيسي الذي علمتني اياه في التعرف على الجمال ورصده والاحساس به حتى ولو كان ذلك في قاع بئر، ذلك الدرس الذي قرأته على رأسي كما قرأت أمي على رأسي الفاتحة: «كن جميلا تر الوجود جميلا»، احتاجك اليوم وبعد هذا الشأو العميق في لحم الزمن لتعيد تأهيلي فلم أعد اشعر بأني جميل، لأني لم أعد أرى الوجود جميلا، فقصيدتي ثكلى ومشاعري ساخطة بينما ذكراك هي ما امتلك اليوم. المعاني الرائعة وتشير عائشة الحويدي موجهة خدمة اجتماعية في منطقة الشارقة التعليمية وعضو في المجلس الاستشاري ان رسالتها لأستاذها في الحياة موجهة الى اخيها الذي لم يبخل عليها بوقته وعمله وماله فقد كان مثالا للعطاء وتقول: سطوري هنا اوجهها الى اخي الذي جسد كل المعاني الرائعة في نفوس من عرفوه وقد علمني ان من تواضع لله رفعه. وتضيف الحويدي: انها كلمة صدق أقولها فكل ما حققته من نجاحات في هذه الحياة كان بفضل من الله سبحانه وتعالى ثم بدعم اخي الفاضل الذي يعد مثالا رائعا في العطاء والوفاء دون انتظار المقابل. فجزيل الشكر الى أخي الذي دعمني معنويا ونفسيا وجعلني على ما أنا عليه الآن. نورا الأمير