لا تخلو حياتنا تقريباً من ذلك العرض النفسي المعروف بالخوف، فقد يعصف اليأس بنا خوفاً من أمر تفزع له النفس، وقد يداهمنا الشعور بالخوف لكنه مع ذلك رد فعل تلقائي لمواجهة أي تهديد نتعرض له أو بالأحرى أحد مقومات حياتنا السوية، وبعض مخاوفنا رغم مرارتها تكون بمثابة تنبيه. مع هذا العارض النفسي أي الخوف نتساءل: مم يخاف أبناؤنا طلبة مدارسنا؟ وكيف الطريق لنزع عوامل الخوف من نفوسهم؟ يقول الطالب أحمد محمد أبو رحمة بالصف الأول الثانوي: ان النفس البشرية بفطرتها موزعة على مشاعر متعددة منها الحزن والفرح والخوف وهذه الأحاسيس غير إرادية ولا دخل للانسان فيها، فنحن أحيانا نشعر بالخوف والتوتر كما في أيام الامتحانات مثلاً، ويكون ذلك حرصاً منا على النجاح والتفوق والأفضل دائماً، وكذلك الخوف، بل نسعى لتعزيز النزعة الايمانية في نفوسنا، والتقرب إلى الله سبحانه وتعالى وأن نفعل ما يرضيه ونبتعد عن وساوس الشيطان مؤكداً ان من يكون مع الله سيكون الله معه دائماً في كل خطوة من خطوات حياته. الخوف من الرسوب ويؤكد الطالب عبادة عبدالرحمن بالأول الثانوي أنه يشعر بالخوف دائماً لأن ذلك من صفات البشر ولأن الخوف يجعله في مراقبة دائمة لكل عمل وقول يصدران منه طمعاً في رضوان الله تعالى وخوفاً من عقابه، فإن هذا الخوف يكون في حقيقته طاعة للخالق. ويتابع قائلاً: هناك أيضاً الخوف من الرسوب الذي يجعل الطالب يذاكر ويجتهد، مؤكداً انه لكي يعيش المرء آمناً من الخوف مطمئناً في حياته عليه ان يكون مؤمناً صادقاً ذاكراً لله عملاً بقوله تعالى: «ألا بذكر الله تطمئن القلوب». ويقول الطالب محمد مصطفى جمعة بالأول الثانوي ان الانسان يشعر بالخوف في بعض الأحيان، ومن ذلك ان استصعب كطالب مادة دراسية ما فأشعر بالتوتر عند تسلمي ورقة امتحانها وأتصور انني لن أستطيع الاجابة عن فقرات أسئلتها، وقد يكون سبب ذلك عدم المذاكرة جيداً. وأضاف: ان الطالب قد يفتقر إلى الاهتمام في بيته وبين أسرته مما ينعكس سلباً على عدم توفير بيئة صالحة للدراسة والتحصيل والتفوق وحينها يخشى على نفسه من الرسوب، مؤكداً ان علاج تلك المخاوف يتم من خلال ثقة الطالب بنفسه وقدراته وتبسيط الأمور. الخوف من المجهول ويقول الطالب حمزة الخطيب بالثاني علمي: يجتاحني الخوف أحياناً كثيرة حينما أتعرض لخطر أو أمر لم آلفه من قبل أو يعتريه بعض الغموض، وقد أضاف من المجهول أحياناً الذي لا أدري كنهه وماهيته وما يمكن ان يؤدي إليه. ويستطيع المرء على حد قوله ان يزيد خوفه بإيمانه القوي بالخالق عز وجل وبمحاولة تحدي المخاطر التي تجابهه، مشيراً إلى ان تعرض الانسان لحدث داهم قد يتحول خوفه لحظتها إلى شجاعة نادرة. ويؤكد الطالب أيمن إبراهيم خليل انه يشعر بالخوف من الله، ومن المستقبل مشيراً إلى انه من الممكن ازالة هذا الخوف من النفس من خلال تقوية الإيمان بالله عز وجل، والقناعة التامة بأن الله سبحانه بيده مقادير العباد من نجاح في الدراسة وتوفيق في الحياة والعمل، وشفاء من الأمراض والنصر على الأعداء. ويقول الطالب خالد محمد حيدر بالثاني علمي: أشعر أحياناً بالخوف عندما أفكر في تقصيري في أداء بعض الفرائض، وأتذكر يوم القيامة وعذاب القبر مؤكداً ان الخوف من عذاب الله تعالى أمر مطلوب لأن لك مؤمن عليه ان يخاف الله كون ذلك يبعده عن المعاصي ويجعله يداوم على أداء الواجبات والفرائض. ويضيف خالد: أحياناً أخرى أخاف عندما يتغيب أحد أفراد أسرتي وخوفي حينئذ يكون بدافع ان يكون لا قدر الله قد حدث له مكروه، وحين ذلك اقرأ آيات من الذكر الحكيم فتستريح نفسي مؤكداً انه للقضاء على الخوف من نفوسنا علينا التقرب أكثرإلى الله سبحانه وتعالى والتفاؤل خيراً، كما يقال: تفاءل بالخير تلقاه. الخوف من الله ويؤكد الطالب قصي سعيد ان كل انسان له مخاوفه الخاصة، مشيراً إلى ان المخاوف التي تنتابه تتمثل في الخوف من الله وخشيته في الدرجة الأولى وكذلك الخوف من المجهول ويأتي متسللاً في دخوله إلى نفسي ويبدأ بالتفكير العميق فيه ثم القلق، فالخوف منه، اضافة لخوفي من الأحلام المزعجة فهي تخيل لي أشياء مخيفة غير حقيقية ولكنها تبدو لي حقيقية، وأخاف كذلك من الأماكن المرتفعة. ويرى قصي ان السبيل الوحيد للقضاء على الخوف هو مواجهته مؤكدا ان ثقته بالله أولاً ثم نفسه تجعله يبتعد عما يتعرض له من مخاوف. ويقول الطالب محمد عبدالرحمن محمد بالثاني علمي: لدي مخاوفي الخاصة التي تشغلني وتؤرقني ومن أهمها الخوف من الفشل في الحياة، وهو بالنسبة لي كالوحش الثائر الذي لا يرحم أبداً، لذا أقوم باتباع طرق خاصة في محاولة مني لابعاده عني من أهمها المواظبة المستمرة على الدراسة والاستماع جيداً لآراء أهل الخبرة في الحياة. مخاوف متباينة وتؤكد سناء عبدالعظيم فرغلي الاختصاصية النفسية بتعليمية دبي ان أحداً منا لا يخلو تقريباً من ذلك العارض النفسي المعروف بالخوف، فنحن نقلق غالباً على كل شيء في حياتنا العملية سواء كان هذا الشيء كبيراً أم صغيراً، فالأم تخاف على طفلها إذا ارتفعت درجة حرارته وتتوقع أسوأ الاحتمالات، أو تخاف الزوجة على زوجها عندما يتأخر في العودة إلى المنزل خشية ان يكون قد أصابه مكروه، وغير ذلك من أمثلة توضح ان الخوف قد يكون حقيقياً أي يتعلق بشيء خارجي في البيئة أو يكون نزوعياً والذي ينشأ داخل الفرد مرتبطاً بالغريزة، فالخوف من وجودنا في مكان مظلم وموحش هو خوف حقيقي، أما الخوف من المرض مثلاً ونحن في أتم صحة فهو خوف نزوعي، وهكذا نرى ان الخوف في حدوده الطبيعية هو أحد مقومات حياتنا السوية حيث يفيدنا بيولوجياً في شحذ الانتباه لسرعة إدراك الخطر وتداركه فيطلق الطاقة اللازمة لمجابهة الموقف واتخاذ الاحتياطات والقرار المناسب في الوقت المناسب. وتضيف سناء: بالرغم من ان حياتنا لا تخلو بوجه عام في لحظة من اللحظات من الخوف بدرجة أو بأخرى إلا ان بعض المراحل العمرية تتميز بأنواع شائقة من المخاوف، فالأطفال صغار السن مثلاً يخافون من الحيوانات أو الحشرات أو الظلام، وهي أشياء مادية محسوسة. أما الأفراد في المرحلة العمرية من 15 إلى 18 سنة أو ما يقابل دراسيا المرحلة الثانوية فيغلب على مخاوفهم الميل إلى التجريدية والبعد عن المادية فهم هنا أقل خوفاً من الحشرات أو الحيوانات كالأطفال، ولكن مخاوفهم تنصب إلى حد كبير على ما يرتبط بالنواحي الاجتماعية والانفعالية، فالفتيات مثلاً يصبن بالخوف على مظهرهن الخارجي، وهل يتمتعن بقوام رشيق أو مظهر مقبول، ومدى تأثير هذا المظهر على الآخرين، كما تتجه مخاوفهن نحو النواحي المستقبلية والمرتبطة بالتعليم أو العمل أو الزواج ومدى نجاحهن في تلك الجوانب، كما تخاف الفتيات في هذه السن من الأقاويل أو الشائعات التي قد يروج لها البعض وتوقعات الآخرين حول تصرفاتهن أو افعالهن وتشير إلى ان مخاوفهن كذلك قد تأخذ طابعاً اقتصادياً حول امكانية توفر المتطلبات المادية كالملابس الأنيقة أو أدوات الزينة وغيرها، والتي تشكل اهتماماً خاصاً لدى الفتيات في هذا السن. التخطيط المستقبلي وتؤكد الاختصاصية النفسية بتعليمية دبي انه يجب علينا مساعدة الفتيان والفتيات في التخطيط المستقبلي لحياتهم بما يتناسب مع قدراتهم وميولهم، كذلك فإنه من المفيد ان نتيح لهم (سواء الفتيان أو الفتيات) فرصة ممارسة الرياضة البدنية التي تساعد على تحقيق مستويات عالية من اللياقة وتعينهم على التمتع بمظهر جسمي لائق ومقبول، كذلك ينبغي أن ندرك ان توفير المتطلبات المادية لهم بصورة معقولة ومقبولة سيقلل من مخاوفهم أو قلقهم بشأنها، وأهم ما في الأمر ان نجعل التحاور البناء والهادف هو وسيلتنا في التعامل مع الأبناء في هذا العمر وان نتأكد من ان اشعارهم بالتقبل والتفهم والتعاطف والتقدير هي مفاتيح أساسية لاستقرارهم النفسي والابتعاد بهم عن المخاوف أو القلق أو غيرهما من المشاعر السلبية التي قد تضر حياتهم أكبر الضرر. الامتحانات .. خوف جزئي وحول خوف الطلبة من الامتحانات وكيفية التعامل معه والحد من مضاعفاته تقول الباحثة التربوية مريم عبدالله النعيمي: نلاحظ دائماً انه عندما يقترب موعد امتحانات نهاية الفصل في كل عام تسود حالة من الخوف والرهبة حياة الطلاب، وتلقي بظلالها على الأجواء المحيطة بهم. فتنقلهم من حالة الهدوء النسبي التي كانوا يعتبرونها في الشهور السابقة إلى حالة من التوتر والرهبة نتيجة الشعور انهم يقبلون على اختبار نهائي يحدد مستواهم الحقيقي ويكشف عن قدرتهم الحقيقية على الاستيعاب والتحصيل. وترجع النعيمي اسباب الخوف من الامتحانات إلى عوامل نفسية متعلقة بالطالب واخرى متعلقة بالبيئة المحيطة به، اسرية ومدرسية، وذكرت ان من العوامل النفسية المتعلقة بالطالب، ضعف ثقة الطالب بنفسه وشعوره بالاحباط نتيجة تجارب دراسية سابقة، وتراخى الطالب في الاهتمام بدروسه منذ مطلع العام الدراسي وحتى اللحظة التي يبدأ فيها مؤشر عقارب الساعة في الايذان بدنو ساعة الامتحان مشيرة إلى ان هذه الغفلة عن المواد الدراسية تتسبب في اصابة الطالب بالخوف والرهبة، فما ان يفتح الكتاب المدرسي حتى يشعر ان هناك غربة بينه وبين صفحات الكتاب، فالمعلومات كأنه يقرؤها لاول مرة والدروس يشعر بها جديدة تماماً كأنها لم تقرع اذنيه من قبل ولم يعرضها احد عليه من قبل!! وتتابع قائلة: هذه الغربة المعرفية التي يشعر بها مثل هذا الطالب تتزامن مع اللحظات التالية التي تطل برأسها لتذكره بقرب لحظة اللقاء مع اختبارات نهاية الفصل، وما ان يقلب الطالب الصفحات فإذا بموضوعات الكتاب كثيرة ومتشابكة مما يجعله يشعر بهول الموقف، فإن كانت لديه بقايا حرص واهتمام بدأ في محاولة قاسية لتعويض ما سبق وجمع اكبر قدر ممكن من المعلومات خلال السويعات القليلة المقبلة التي تفصل بينه وبين لحظة الامتحان! وما ان يدخل في اليوم الاول ويجلس على طاولة الاختبار ليجيب عن الاسئلة حتى ينكشف امامه الموقف، فالذاكرة التي اودعها منذ ساعات يسيرة كما هائلاً من المعلومات اذ بها تخذله وتخونه!! فالمعلومات تبخرت والاجابات تبعثرت والافكار طارت في الهواء وهو الذي حرص على جميعها في الايام القليلة الفائتة، ولكن هيهات فقد خابت ظنونه منذ اليوم الاول للاختبار النهائي، واذ به يتراجع القهقري خطوات وخطوات بعد ان تكشف له الحقائق، فالذاكرة بطبعها لا تحتفظ بالمعلومات الحديثة ما لم يكن هناك سابق توثيقي لها من المراجعة والتكرار والتنظيم والاستذكار. مقترحات لتعامل ايجابي وتقدم النعيمي بعض المقترحات للتعامل الايجابي مع فترة الامتحانات ومنها مبادرات يقوم بها الطالب: ان يتقي بنفسه ويطمئن إلى توكله على الله ثم اخذه بالاسباب وهما عدته الحقيقية التي يحقق بها امنياته وعليه ان يكون واثقاً من قدراته التي لا تقل عن الآخرين من زملائه. كما ان عليه ان يبدأ في التحضير للاختبار دون ابطاء وعدم الاستناد إلى مفاهيم مغلوطة او الاتكاء على افكار فاسدة مثل القاء اللوم على الحظ العاثر الذي يعاند هذا الطالب، وعلى الاقدار التي لا تبتسم له بينما هي تصافح سواه وتختار غيره وتنتقي من هم دونه في القدرة والاستعداد. وتابعت مشيرة إلى مبادرات اولياء الامور ومنها: الكف عن اثارة اجواء التوتر والامتناع عن شحن البيت بمشاعر القلق والضيق، وعلى اولياء الامور ان يكفوا عن تصوير الامتحانات بآنها غول قادم او شبح جاثم او خطر قريب، فهذا الاسلوب أكل الدهر عليه وشرب وهو يضر اكثر مما ينفع، وهو ما يدعونا إلى ان نطلب من اولياء الامور ان يعيدوا نظرتهم إلى قضية الامتحان فاذا انصاعت المفاهيم لديهم بات من السهل عليهم ان يروجوا للنجاح بدلاً من الترويج للفشل. وعن مبادرات المدرسة ذكرت منها: استخدام وسائل واساليب تحفيزية قادرة على اطلاق طاقة الطالب وتحريره من مشاعر الخوف والذعر وتهيئته للدخول في الامتحانات النهائية باجواء هادئة ومواتية، وتعريف الطلاب بالوسائل والطرق العملية المنتجة فبدلاً من ترك الطالب يجري وسائل بدائية للاستذكار تقدم له الطرق السليمة القادرة على مضاعفة المردود التحصيلي وبالتالي رفع مستواه العلمي. يحيى عطية