اختتمت امس ندوة البيئة والمتطلبات الاقتصادية والدولية التي استمرت يومين بفندق انتركونتيننتال أبوظبي تحت رعاية سمو الشيخ الدكتور سلطان بن خليفة آل نهيان عضو المجلس التنفيذي رئيس ديوان سمو ولي عهد أبوظبي ونظمتها ادارة البحوث والدراسات بديوان صاحب السمو ولي عهد أبوظبي بالتعاون مع جهاز شئون البيئة بمصر. وتوجه سمو الشيخ سعيد بن سيف آل نهيان مدير ادارة البحوث والدراسات بديوان صاحب السمو ولي عهد أبوظبي في الكلمة الختامية للمؤتمر بالشكر للمشاركين مؤكدا أن مداخلاتهم كان لها اكبر الاثر في اثراء العمل بالندوة منوها بالجهد الكبير الذي قام به فريق ادارة البحوث والدراسات بالديوان في اعداد وتنظيم اعمال الندوة والجهد الذي بذله المشاركون من جهاز شئون البيئة في مصر الذين كان لجهودهم اثر طيب في انجاح الندوة. وقد ناقشت الندوة امس ثلاث اوراق عمل على مدى جلستين حيث قدم ورقة العمل الاولى الدكتور حسين عبد الله حول موضوع «كيف يواجه النفط العربي قواعد تنظيم التجارة العالمية وتدابير حماية البيئة» اشار خلالها الى أن اهم التحديات تتمثل في محاولة الدول المستوردة للنفط استخدام احكام الجات التي تحظر وضع قيود كمية على سلعة التصدير لتقييد حرية الدول المصدرة للنفط في وضع سقف للانتاج دعما للاسعار او حفاظا على النفط من النضوب السريع والحاق الضرر بعامل الاستخلاص. واشارت الدراسة الى أن هناك فروقا بين ثلاث حالات حالة سوق المشتري عندما يتخم السوق بالنفط في مواجهة طلب ينكمش واسعار تتهاوى وحالة سوق البائع عندما تعاني السوق من شح او نقص في المعروض من النفط في مواجهة طلب متزايد وضغط من جانب الدول المستوردة لكي تقوم الدول المصدرة بارهاق حقولها تلبية لتلك الاحتياجات وحالة تتذرع فيها الدولة المستوردة للنفط بحجة حماية البيئة لكي تضع قيودا او عراقيل في وجه وارداتها من المنتجات النفطية المكررة في الدول المصدرة للنفط. ففي الحالتين الاولى والثانية تشير الدراسة الى أن في احكام جات ما يبرر قيام الدولة المصدرة للنفط بوضع قيود على الانتاج استنادا للمادة 20 من احكام جات التي تنص على انه «لا يوجد في هذه الاتفاقية ما يفسر على انه يمنع العضو من تبني او تنفيذ تدابير ترتبط بترشيد او الحفاظ على الموارد الطبيعية الناضبة اذا ما تم تنفيذ تلك التدابير الى جانب فرض قيود على الانتاج او الاستهلاك المحلي». واكدت الدراسة انه لا يغير من ذلك أن يكون وضع تلك القيود بعد او بدون التشاور مع دول مصدرة اخرى، اعضاء في اوبك اوغير اعضاء فيها مشيرة الى ان دستور اوبك يجعل قرارها ساريا فقط اذا تمت الموافقة عليه بالاجماع. ومعنى ذلك أن الدولة العضو تستطيع الخروج عليه متى شاءت وهو ما يجعل قرارها بتقييد الانتاج نابعا من سيادتها الوطنية على مواردها الطبيعية وهو حق مستقر ومعترف به من جميع الدول الاعضاء بالامم المتحدة واوضحت أن ما يؤيد ذلك أن الدول الصناعية الغربية تتشاور بل وتخطط بشكل جماعي للسيطرة على اسواق النفط، سواء بين حكوماتها مع شركاتها النفطية العملاقة، وقد اقامت لهذا الغرض العديد من المنابر الجماعية وابرزها وكالة الطاقة الدولية. واستعرضت الدراسة في هذا المجال، لمناقشات قانونية واقتصادية متعمقة للاحكام التفصيلية التي تنظم وتؤثر على حرية الدول النفطية في وضع وتنفيذ السياسات الانتاجية والتسويقية التي تخدم مصالح شعوبها موضحة انه في الحالة الثالثة التي تتذرع فيها الدول المستوردة للنفط بحجة حماية البيئة لوضع العراقيل في مواجهة وارداتها من المنتجات النفطية المكررة في الدول النفطية، فقد حسمتها هيئة فض المنازعات المنبثقة عن منظمة التجارة العالمية وذلك في المنازعة التي اقامتها فنزويلا ضد الولايات المتحدة وصدر الحكم فيها لصالح فنزويلا. وتناولت فكرة الريع النفطي موضحة التوزيع المجحف بنصيب الدول المصدرة للنفط، وأن هذا النصيب يتوقف على مستوى سعر النفط الخام والذي يتوقف بدوره على مدى ما تتمتع به الدول النفطية من قوة تفاوضية وحرية ارادة في مواجهة الضغط الذي تمارسه عليها الدول الصناعية المستوردة للنفط. كما استعرضت الدراسة التغيرات المتوقعة في السوق العالمية للنفط، وتقدم تقديرات للعرض والطلب العالمي على النفط خلال المستقبل المنظور، موضحة أن ست دول فقط من اعضاء اوبك سيكون لديها القدرة على توسيع طاقتها الانتاجية لمواجهة الطلب العالمي المتزايد بحلول عام 2020. وهذه الدول الست هي السعودية والامارات والكويت والعراق وايران، ثم فنزويلا. ومن مقتضى ذلك ارتفاع درجة التركز الاحتكاري في جانب العرض وهو ما يثير قلق الدول الصناعية الغربية التي يتوقع أن يبلغ اعتمادها على منطقة الخليج والشرق الاوسط للحصول على نحو 76% من وارداتها النفطية بحلول عام 2020. وتطرقت الدراسة الى ما يدور من مفاوضات داخل لجنة التجارة والبيئة المنبثقة عن منظمة التجارة العالمية وتوصي الدول النفطية بالمشاركة الجدية في تلك المفاوضات حماية لمصالحها قبل أن تتحول توصياتها الى احكام ملزمة ومؤثرة على صناعة النفط مشيرة الى اهم النتائج التي توصلت اليها دراسة تفصيلية اصدرتها منظمة التجارة العالمية في اواخر 1999 واكدت فيها ضرورة التوفيق بين الامور التجارية وتلك المتعلقة بحماية البيئة، كما اكدت ايضا انه لا يوجد في الاساس تعارض بين الجانبين وأن المواءمة بينهما امر طبيعي وسهل. وقدم الدكتور ابراهيم عبد الجليل سيد رئيس جهاز شئون البيئة ورقة عمل حول بروتوكول كويتو ومسئولية الدول الصناعية اشار خلالها الى أن قضية تغير المناخ تعد من اهم التحديات التي تواجه البشرية خلال القرن الجديد مما استلزم اتفاق المجتمع الدولي على ضرورة التعاون من اجل مواجهتها والعمل على الحد من اخطارها. واوضح انه في عام 1992، واثناء مؤتمر قمة الارض في ريو دي جانيرو وقع ممثلون عن نحو 160 دولة على الاتفاقية الاطارية لتغير المناخ والتي هدفت الى تثبيت انبعاثات غازات الاحتباس الحراري عند مستويات امنة خلال فترة زمنية تسمح للنظام البيئي بأن يتكيف مع تغيرات المناخ، كما اقرت تلك الاتفاقية مبدأ «المسئولية المشتركة ولكن المتباينة» والتي تحتم أن تاخذ الدول الصناعية موقع الصدارة في التصدي لتلك الظاهرة حيث انها كانت، تاريخيا، المتسبب الاكبر لها، كما انها تملك حاليا الامكانات والقدرات اللازمة لذلك. وفي عام 1997 تم اقرار بروتوكول كيوتو الذي يلزم الدول الصناعية بالعمل على خفض انبعاثاتها من غازات الاحتباس الحراري بنسب محددة تبلغ نحو 5% على المستوى الكلي وذلك خلال الفترة من عام 2008 الى عام 2012. واستعرض في ورقته اهم الابعاد السياسية والاقتصادية والبيئية المتعلقة بقضية تغير المناخ، وما هي الاليات الممكن استخدامها للوفاء بمسئوليات الدول الصناعية في مواجهتها، مع الاخذ في الحسبان بضرورة تمكين الدول النامية من أن تلعب دورا فعالا في التعاون الدولي اللازم لتلك المواجهة. وقدم الدكتور مصطفى كمال طلبة رئيس مجلس ادارة المركز الدولي للبيئة والتنمية ورقة اشار خلالها الى أن تركيب الغلاف الجوي للكرة الارضية عبر العصور الجيولوجية خليط من غاز الازوت «النيتروجين» بنسبة حوالي 80% وغاز الاوكسجين بنسبة حوالي 20% بالاضافة الى عدد كبير من الغازات النادرة التي توجد بكميات ضئيلة يصل بعضها الى بضع اجزاء في الالف مليار. ولكن دورها في الكون والحياة اضخم بمراحل من نسبتها في الغلاف الجوي. ولعل اهم هذه الغازات غاز الاوزون الذي يتكون ويتحطم على ابعاد مختلفة من سطح الكرة الارضية. فالاوزون القريب من سطح الارض المسمى بالاوزون التروبوسفيري يعتبر عنصرا ضارا بالحياة وينتج عن تفاعلات بين انبعاثات السيارات والصناعة وبين اشعة الشمس. اما الاوزون الموجود في الطبقات العليا من الجو على ارتفاع يتراوح بين 25 و 40 كيلو مترا عن سطح الارض فهو حيوي لحياة كل كائن حي على الارض. والاوزون في الطبقات العليا المسمى بالاوزون الاستراتوسفيري والذي لا يزيد تركيزه على 10 اجزاء في المليون بالحجم فينشا طبيعيا من جزيئات الاكسجين ويعمل كمرشح للاشعة الضارة فوق البنفسجية القصيرة ويحتجزها ولا يسمح لها بالمرور الى الأرض الا بالقدر الذي يسمح باستمرار الحياة. واوضح أن الاوزون الاستراتوسفيري يبقى الحامي للحياة في حالة توازن بين الانتاج والتحطم الى أن تتدخل قوة خارجية، الكيماويات والانشطة، في الاخلال بهذا التوازن موضحا أن القلق حول الموضوع بدا في اواخر الستينات عند ظهور جيل من الطائرات سرعتها اسرع من سرعة الصوت. ثم جاء الاكتشاف العلمي أن غاز الكلورفلورو كاربون يؤدي الى الاخلال بتوازن الاوزون الاستراتوسفيري. من هنا بدات البرامج العلمية لمتابعة الموضوع. وعندما اثبتت النماذج الرياضية والبحوث العلمية أن تفاعل هذا الغاز مع الاوزون يؤدي فعلا الى تحطم جزيئات الاوزون، برزت قضية أنه ليس هناك على سطح الارض من يستطيع أن يحمي نفسه من نتائج انهيار الاوزون في طبقات الجو العليا. وفي ذات الوقت برزت النتائج العلمية التي تؤكد أن نقص الاوزون وبالتالي زيادة الاشعة فوق البنفسجية القصيرة تؤدي الى امراض انسانية جسيمة كسرطان الجلد والكاتاراكت الذي قد يؤدي للعمى ونقص المناعة على نحو مماثل لما يحدثه مرض الايدز. كذلك اتضح انه ليست هناك دولة، مهما عظمت، تستطيع أن تحيط نفسها بحوائط تمنع عنها الأخطار. واوضحت ورقة العمل أن الاعلام العالمي والمنظمات غير الحكومية اهتمت بانحسار طبقة الاوزون وطالبت باتخاذ الاجراءات الكفيلة بحماية البشر من هذا الشر المستطير وبدات المفاوضات بين دول العالم قاطبة للوصول الى حلول عملية مشيرة الى أن المفاوضات اصطدمت بقضيتين اساسيتين الاولى تتعلق بالدول المسببة والدول المتضررة من انحسار طبقة الاوزون والى حد كبير دول الشمال ودول الجنوب والثانية تتعلق بالنواحي الاقتصادية والسياسية التي يمكن أن تنشا عن تطبيق اي اتفاقية دولية في هذا الشأن. وذكرت انه لوضوح الرؤية لا احد يستطيع أن يفلت من المشاكل الناجمة عن انحسار طبقة الأوزون وبذلك تم التغلب على الصعاب واقرار اتفاقية دولية تعتبر حتى الان مثالا يحتذى في الاتفاقيات اللازمة للتعامل مع قضايا البيئة العالمية. ومع ازدياد المعرفة وتقاطر نتائج البحوث العلمية والصور التي اظهرتها الاقمار الصناعية لوكالة الفضاء الامريكية عن طريق الاشعة تحت الحمراء تاكد انحسار طبقة الاوزون وتتابعت تعديلات الاتفاقية التي اعتمدت في عام 1987 لمجابهة هذه المشكلة وحدثت تعديلات جوهرية في عام 1990 و 1993 اعقبتهما سلسلة من التعديلات الاخرى المتتابعة التي ما زالت مستمرة. أبوظبي ـ مكتب «البيان»: