المزاج الصعب والمتعكر آفة من آفات هذا العصر، وهو يضفي على صاحبه نوعا من الكآبة والقتامة التي تدفع بالآخرين الى التريث والانتظار كلما بدا لهم من بعيد خيال هذا الشخص وظهرت لهم ملامحه، حيث يؤثر هؤلاء الناس ان ينحرفوا ذات اليمين او ذات الشمال عن ناظريه اذا ما جمعتهم به الصدف او الظروف المفاجئة. وبطبيعة الحال فإن الامر يزداد سوءا اذا ما قدر للمرء ان يتعامل بصورة اجبارية مع شخص متعكر المزاج اذ ان البيئة التي تحيط بشخص محترف للتباكي والنحيب تكون بيئة عليلة تنتعش فيها الامراض النفسية وتعلوها الكآبة والقتامة مما يعني ان الاشخاص المفعمين بالنشاط والحيوية سيصابون بصدمة حقيقية جراء صحبتهم القسرية لشخص لا يرى في الحياة إلا اللون الاسود ويغض طرفه عن باقي الوانها الزاهية! وبالاضافة الى صعوبة التعامل مع شخص عكر المزاج فإن هناك نتائج غير سارة لا تقل اثرا عن الفتور الذي تسببه تلك الصفة في محيط العلاقات الاجتماعية!! من ذلك رداءة مستوى ادائه لعمله الموكل به فالروح المتأففة التي يحملها بين جنبيه تدفعه للتثاقل وقلة الاكتراث بالعمل الذي بين يديه حيث يؤديه بشعور بارد وبضجر ملحوظ!! ورغم ايماني الشخصي ان الاستياء من ضرورات التقدم إلا اني اجدني في حال المبالغة من هذا الاستياء والانغماس في ابراز السلبيات وتكبيرها وتكثيفها مع الاصرار على الاكتفاء بالعزف على هذا الوتر البائس دون اي محاولة لتحسين الظروف التي يشتكى منها او تقديم افكار لاصلاح الاوضاع الخاطئة التي يعتقدها ذلك الشكاء البكاء اجد في ذلك التشبث باللحن البكائي الحزين نوعا من التمرد على قوانين الحياة السليمة وخروجا غير موفق عن نواميس التعامل مع الاشياء وتجاوزا للمنطق الذي يلح على كل ناقد بأن يتحرك باتجاه الاصلاح وان يسعى جاهداً للتخفيف من الاخطاء واستدراكها. ولعل من اهم اسباب الجمود الذي يلف الكثير من الناس هو الاكتفاء بالشكوى والالتجاء اليها مع العلم ان التوقف عندها لا يعني إلا استنزاف طاقة ذلك الانسان الذي ألف مع مرور الزمن اداء هذا الدور واتقنه بكفاءة واقتدار بعد ان وجده غطاءً يستره من كشف ضعفه وكسله وهروبه المستمر من مواجهة اعباء الحياة وشروط النجاح فيها!! لقد وجد صاحبنا ان تلك الشروط ثقيلة وصعبة فاختار راضيا ان يلتحف بلحاف الشكوى وان يتدثر بدثار التبرم والضيق من الظروف والحظوظ! وهو الذي لو شاء ان يقلل من قسوة الظروف التي يدعيها لوضع لنفسه خطة عمل وبرنامج اصلاح ولتحرك وسعي لتغيير الواقع الذي تسبب في اتصافه بتلك الاوصاف السلبية التي الحقت به من الضرر الذي لا يعلمه الا الله وحده. ان الخاسر الاكبر من وجود هذه الروح المفرطة في التذمر والامتعاض هو ذات الشخص المتصف بها، وخسارته متعددة الاطراف فبعد ان حكم على نفسه دون ان يشعر انه غير قادر على التغيير الايجابي وغير قادر على التفكير الصحيح اذا بمن حوله ينفضون ايديهم منهم حتى المقربين منهم، فما جدوى الجلوس والمكوث امام شخص مختل التوازن يشعر ان الحياة تطارده بينما هو لم يحاول ان يقرأ السطور الاولى من سجلها المفتوح! ولعل افضل علاج يتخذه مثل هذا الشخص متعكر المزاج ان يواجه نفسه بصراحة ليسألها: هل حقا الامور كما اتصورها، ام انني انا الذي ابالغ في حكمي عليها؟ لو فعل صاحبنا وبذل جهده في فهم طبيعة الاشياء دون توتر وضجر فلسوف تتغير حياته باتجاه آخر، ذلك الاتجاه سيكون حتما في صالحه. مريم عبدالله النعيمي