عندما يتحدث عالم من العلماء في الزمان القديم او المعاصر فان روحا ما تسري في كلماته لتتسرب معانيها الى ضمائر المتلقين وعقول المستمعين فتدفعهم الى الاحساس بعظمة تلك الكلمات والى الانسجام والتفاعل معها. وبقدر مكانة ذلك العالم في النفوس وبقدر انجازاته تكون كلماته جسرا موصلا بين افكاره والناس، تلك الافكار التي تصنف على انها افكار ناضجة لانها نابعة من شخص له قيمته ووزنه واحترامه بين الناس، ومن الطبيعي انه كلما علا قدر الانسان الذي يطلق افكاره كلما كان استحسان الناس وتقبلهم ملحوظا ولافتا. ويحلو لنا احيانا ان نقلب في صفحات الدفاتر ونصغي لصرير الاقلام التي تروي بعضا من تلك الكلمات ذات الاشعاع الخاص والالق المتميز. من تلك العبارات الفريدة التي احب ان اضعها بين ايدي المعلمين والطلاب على حد سواء رأي العالم الدكتور فاروق الباز في مسألة الروح المطلوب توفرها في طالب العلم حيث عبر عن رأيه في هذه المسألة بصورة واضحة وصادقة ومفعمة بالحب لميدان العلم والمعرفة حين قال: انني مررت على كثير من الدول العربية وطلبت منهم ان يؤسسوا مراكز بحثية في دراسة الصحراء التي تمثل البيئة الطبيعية لكثير من الدول العربية، ولكنني مع الاسف صادفت كثيرا من الناس ممن يسألني هذا السؤال: وماذا سنستفيد من دراسة البيئة الصحراوية وما هو المردود المادي الذي سيعود الينا من تلك الابحاث؟!! ويعلق العالم العربي على تلك الردود قائلا: ان العلم يستحق ان يطلب لذاته بغض النظر عن اي مردود آخر ولو لم يكن للعلم من فضل سوى انه يرفع الجهل وينير العقل بالمعرفة والفهم لكفى بذلك سببا وشافعا لطلبه والحرص عليه!! هذا الكلام المتلأليء بالحكمة والوعي يتقابل ويتفق مع تلك الاجابة التي نطق بها الامام احمد بن حنبل منذ قرابة الاربعة عشر قرنا لمن سأله يوما: يا امام هذا العلم الذي جمعته هل جمعته لله؟ فاجابه على الفور الامام ابن حنبل: «اما لله فعزيز ولكنه امر حبب الي فجمعته» اي انه يقول من الصعب ان اجيب ان هذا العلم الكثير الذي نلته كان خالصا لله وذلك من شدة تواضعه وورعه رضي الله عنه ولكن الذي تطمئن اليه نفسي انه امر حبب الي فجمعته. وغني عن البيان ان الامام احمد رفض الدنيا حين اقبلت نحوه فاتحة له ذراعيها ورغب في العيش الزاهد والبسيط في ظل غناه الروحي والعلمي الذي هيأه له العلم والتحصيل. والذي لا يخفى على القاريء الكريم ان هناك اتفاقا كبيرا حول قيمة العلم في وجهتي نظر كلا العالمين العالم الجيولوجي فاروق الباز والعالم المحدث احمد بن حنبل حيث اتفق الاثنان معا رغم الفارق الزمني الكبير بينهما على ان العلم يستحق ان يطلب لذاته بعيدا عن اي حسابات اخرى. ويعبر الحسن البصري العالم الفذ عن رأيه في هذه المسألة في هذه الكلمات المركزة قائلا: «لو كان للعلم صورة لكانت صورته احسن من صورة الشمس والقمر والنجوم». انني اضع هذه الكلمات المتلألئة بين يدي الاساتذة والتربويين لاسألهم لماذا غاب هذا المعنى عن ادراك الكثير من الطلاب والطالبات فباتت العلاقة بينهم وبين العلم مبتورة وواهية تعبر عنها صور تمزيق الكتب وتقطيع الاوراق بعد انتهاء اختبارات نهاية الفصل طالما انهم في امان من العودة الى تلك الكتب مرة اخرى؟!! سؤال حائر لماذا يحدث هذا في كل عام؟ وهل هناك من يجتهد في دراسة اسباب الظاهرة ويحرص على عدم تكرارها في الايام المقبلة؟!! مريم عبدالله النعيمي