مما لا شك فيه ان اختلاف الآراء ووجهات النظر بين الفتيات من جهة والآباء والامهات من جهة اخرى هو امر طبيعي لا يمكن منعه او تفاديه لأن لكل جيل ظروفه البيئية التي تؤثر فيه وتترك بصماتها عليه ولكن التواصل الفكري والمسلكي بين الاجيال امر يحتاج منا الى قدر كبير من التفهم والصبر والمعالجة المتأنية. يقوم جيل الامهات والآباء تجاه الابناء لمحاولة استثمار هذا الاختلاف لمد جسور من التواصل المستمر بين الاجيال وتخطي هذا الصراع بأمان وسلام ومحبة وهنا لابد ان تتضافر جهود جميع المؤسسات من اسرية ومدرسية ومجتمعية لايجاد بيئة صحية لاستيعاب هذا الاختلاف ومعالجته بحكمة وروية. الدكتورة فاطمة محمد سعيد الفلاسي خبيرة التدريب بوزارة التربية والتعليم والشباب خلال مشاركتها في مؤتمر الفتاة الاماراتية بين مؤتمرات دخيلة وطموحات جادة لتحقيق الذات تؤكد على دور التعليم الهام والريادي في تنمية الوعي الثقافي والاجتماعي لدى جميع افراد المجتمع بشكل عام وبالنسبة للفتاة في الامارات وبقية الدول العربية بشكل خاص حيث شكل العلم نقلة نوعية كبيرة فانخراط الفتاة في سلك التعليم النظامي قد يكون له تأثير تراكمي وأكبر منه عند الفتى حيث يساهم في تغيير نظرة الفتاة الى دورها التقليدي المحدد وتشير الدراسات المسحية الى انه كلما توسعت دائرة المميزات الشخصية للفتاة والتي تساهم بها في العلاقة الاسرية مثل درجة تعليمها وتجربتها العملية وتقارب مميزاتها الشخصية من مميزات بقية اسرتها كلما زادت نسبة تأثيرها ومشاركتها في القرارات الاسرية كما ان التعلم زود الفتاة بالمؤهلات المطلوبة التي تفتح امامها آفاقا جديدة للعمل وتحقق لها قدرا اكبر من الامان والرضى النفسي. وقد ادت الطفرة المادية التي شهدها مجتمع دولة الامارات العربية المتحدة والانفتاح على العالم الذي لا تقيده ولا تحده حدود من خلال وسائل الاتصال الحديثة المقروءة والمسموعة والمرئية الى ايجاد تغير سريع ومفاجيء طرأ على المجتمع وشمل كافة نواحي الحياة الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والتغير الذي قد يستغرق مئة سنة حتى يتم في مجتمعات غير المجتمعات الخليجية حدث هنا خلال عقدين فقط من الزمان وهذا التبدل المفاجيء للظروف خلال عشرين عاما ترك اثارا واضحة على كل افراد الاسرة. وتجدر الاشارة هنا ان التغيرات السريعة التي طرأت على افراد المجتمع هددت المفاهيم والقيم الانسانية وطالت تفكير الناس واهتماماتهم اليومية. كما ان رياح التغيير هذه لا شك انها طالت الفتاة فرغم توافر كل سبل المعيشة السهلة والامكانيات والفرص المتعددة الا ان شريحة واسعة من فتيات اليوم تجري وراء المظاهر الخادعة ولا تهتم الا بجمالها الخارجي ويشغل جل تفكيرها صرعات الموضة، بينما لا تدرك الدور الحقيقي المطلوب منها تجاه نفسها ومجتمعها مما يجعلها تعيش بعيدة عن قضايا مجتمعها حبيسة للأمور المرفهة والملهيات بشكل مبالغ فيه وفي الوقت ذاته نجد في الجانب الاخر عينة واعية من فتياتنا تعرف بالفتاة الملتزمة دينا وخلقا وسلوكا والتي تشارك بفاعلية وايجابية في دفع عجلة التطور والتقدم لمجتمعها وتسعى جاهدة لوضع قدمها على مسار عملية التنمية الشاملة. لذا تعتبر مرحلة المراهقة التي تمر بها الفتاة وهي ما زالت تدرس في المرحلة الثانوية والجامعية من اكثر المراحل حرجا عند الانسان لذا يجب على الآباء او الامهات والهيئات التدريسية بضرورة الاهتمام بهذه الفئة ومشكلاتها ومحاولة ايجاد جسور قوية من التواصل حتى يستطعن السيطرة على تصرفاتهن السلبية والتي تدل على انعدام الاتزان او الاستقرار في هذه المرحلة العمرية. شخصية سوية متوازنة وتشير موزة احمد العبار رئيس قسم الارشاد الاجتماعي بوزارة العمل والشئون الاجتماعية في ورقتها خلال المؤتمر الى ان مرحلة المراهقة التي تبدأ من سن الثانية عشرة حتى سن الثامنة عشرة مرحلة حساسة للغاية اذ يتجه النمو الجسمي الى التكامل وتظهر ملامح الانوثة لدى الفتاة وفي هذه المرحلة المهمة تظهر علامات من مرحلة الطفولة الماضية وأخرى من عنفوان الانوثة وهنا تظهر هاتين المرحلتين في آن واحد وهذا ما يزيد العبء والعناء على الوالدين والمؤسسات الاجتماعية في توجيه الفتيات في هذه المرحلة. فالفتاة اثناء مرحلة المراهقة تشعر بأن الوالدين وبقية افراد الاسرة لم يعودوا يفهمونها كما كانوا من قبل بعد ان تغيرت الفتاة وخرجت من مرحلة الطفولة واصبح لها تفكيرها الخاص بها. وتقسم رئيس قسم الارشاد الاجتماعي بوزارة العمل والشئون الاجتماعية الفتيات الى مجموعتين رافضة لوجهة نظر الآباء نحو بناء الجيل الجديد ومجموعة اخرى تؤيد توجهات نساء الامس وتبدي اعجابها بما حققته امهات الماضي قديما وحديثا. فالجهة الرافضة من المراهقات ترى الوالدين يتابعون كل حركة وكل زيادة وكل هاتف خوفا على ابنتهم وخشية ألا تحسن التصرف وبدافع من الخوف عليها يقيدون حريتها ويحجرون على تصرفاتها كذلك هناك مشكلات اسرية تعاني منها الفتاة المراهقة وتؤثر على عملية بناء الشخصية السوية لديها ومنها الانشغال الدائم للوالدين في العمل وترك عملية التربية بشكل كبير للمدرسة او المؤسسات الانسانية والمعروف ان الدراسات العلمية اثبتت حاجة الانسان الى اختيار نوع الدراسة التي يفضلها والعمل الذي يريده والسؤال هنا هل تتاح لفتياتنا اشباع هذه الرغبة؟ المتغيرات الاجتماعية وتؤكد لطيفة خميس اخصائية اجتماعية في مدرسة فاطمة الزهراء بالشارقة ان الشائع والمعروف تربويا ونفسيا ان يكون لكل مرحلة عمرية من المراحل التي يمر بها الانسان سمات وخصائص ومتطلبات تفرض على التربويين والآباء التعامل وفقا لها، ففتاة اليوم لم تعد ابنة الامس، والتعليم الوافر الذي حظيت به والنقلة الحضارية المشهورة قد اكسبتها جرأة وطموحا وقدرة على المواجهة وابداء الرأي والاختيار بمحض ارادتها وعلى رب الاسرة ان يتقبل ابنته وألا يفرض عليها رأيه دون ان يوضح لها ويشرح اسبابه ودوافعه، فالمراهقة اذا ما عوملت بأسلوب القمع والاجبار تشعر بأنها مظلومة وبأنها تعيش حالة من الصراع بين الاجيال، وتعتبر نفسها ضحية والجلاد هو اقرب الناس لها لذا تفرض مرحلة المراهقة ونظرا لحساسيتها اسلوبا معينا في التعامل سواء من الاصل وحتى المدرسة والمعلمات. صدامات دائمة تقول الطالبة سارة خليل جيل آبائنا يعتقد خطأ ان التطوير يعني الانحلال فيرفضون كل ما هو جديد لذا انا دائمة الاصطدام مع والدي الذي يريدونني ان اعيش حبيسة افكارهم وتصوراتهم وأنا اريد ان أواكب عصري وأعيش كغيري من الفتيات وعندما افكر في عمل شيء فإنهم يرفضون سماع ما اريد قوله او طرحه. وتشير الطالبة خلود ناصر الى اهمية الوصول الى صيغة من التفاهم بين الاهل وابنتهم المراهقة حتى تستطيع الفتاة أن تعيش وقد منحت مساحة من الحرية، الحرية التي حددتها الاسرة بما يتلاءم مع القيم والعادات المألوفة وعلى الفتاة أن تصون ثقة أهلها فيها. وتعتقد ديالا حمد ان تعامل الاهل مع الفتاة في سن المراهقة ـ وهي أخطر الفترات في حياة الانثى ـ يجب أن يكون حذرا ومدروسا لان النتائج ستكون سلبية اذا ما تعامل الاهل بالقسوة والقوة وبالنسبة لي فانني أدرك ان والدي لديهما خبرة واسعة في الحياة واذا رفضوا شيئا اريده فانما يكون ذلك بناء على ما يرونه هم وما لا أراه أنا لذا أقبل بما يقولونه دون أن أناقش أو أرفض. لغة الحوار وتؤكد الطالبة ايمان عمر من مدرسة رقية الثانوية بالشارقة انها راضية تماما عن علاقتها بوالديها حيث تتوافر فرص النقاش حول كل شيء بدءا بدقائق الامور الى أعظمها وبصورة عامة أنا سعيدة لان والدتي تحثني دوما على العلم والاستقلالية وتوضح لي انه يجب أن تكون لي آرائي الخاصة. وتقول منار سعيد طالبة في المرحلة الثانوية ان الام هي الاقرب الى قلب ابنتها وهي مستودع أسرارها بحكم العلاقة الأزلية بين الام والبنت. وترى ان هذا العصر يفرض طرقا واساليب جديدة على الآباء والامهات واتباعها مع أبنائهم بعيدا عن اساليب التأنيب والقسوة لانها لم تعد ذات بال في هذا الوقت. وتؤكد شريفة اسحق على اهمية دور الام في حياة المراهقة اذ يقع على عاتقها مهمة كبيرة في احتوائها والتقرب لها ومعرفة مشاكلها ومحاولة ايجاد الحلول والتعامل من منطلق الام الحنون. وتشتكي شريفة من بعض الاهالي الذين يفرضون نوعا من الحياة على بناتهم المراهقات ولا يسمحون لهن بابداء آرائهن أو حتى اختيار طريقهن في المستقبل مؤكدة ان هذا النوع من التربية قد انتهى منذ زمن وأصبح الحوار هو لغة التعامل بين البشر لا سيما أبناء العائلة الواحدة. رؤية الآباء حملنا مطالب وملاحظات الفتيات المراهقات الى أولياء الأمور فكانت آرائهن كالآتي: يقول سمير الشيخ حسين مدير تحرير مجلة «المنبر» الجامعي التي تصدر عن جامعة الشارقة ومسئول الاعلام الجامعي فيها ان مسئولية رعاية الفتاة المراهقة تقع على الام بالمقام الاول، مع قليل من الاسناد التربوي من الوالد، وذلك لان كثيرا من التبدلات الفسيولوجية والسيكولوجية تطرأ على الفتاة عندما تدخل سن المراهقة أو تعيشها، وهذه التبدلات تدخل في نطاق الخصوصية التي تسر بها الفتاة لأمها، وهنا المرحلة الخطرة الأولى إذ يتحتم على الأم ان ان تعمد فورا الى تغيير طبيعة علاقتها مع ابنتها التي كانت بالأمس طفلة تقفز وتلعب هنا وهناك لترتقي بهذه العلاقة الى مستوى من الجدية والمسئولية التي تكتنفها مشاعر الود والصداقة الحميمة وان تستمع الى كل ما يعتلج في صدر ابنتها من عواصف الافكار والمشاعر والاحاسيس وان تنزلها جميعها منازل الاهتمام وحسن التقدير وان تشعر هذه الابنة بأهميتها في محيط العائلة، وبشدة محبة الآخرين لها من اخوانها وصديقاتها واقاربها، وان تشعرها بأن ـ أي الام ـ هي الصدر الحنون الذي يسع كل همومها ومشاكلها، تلك التي تعتقد الفتاة المراهقة أحيانا بأنها عصية على الحل، أو انها تجد نفسها وحيدة في مواجهتها، وغير ذلك من المشاعر والانفعالات، وعلى الام ان تلجأ الى الأب في كثير من القضايا للتشاور معه في قضية من القضايا التي تجدها هامة من قضايا ابنتها وان «تتآمر» معه أحيانا على ان يقوم بتصرفات وديعة أو عنيفة ـ تبعا للوضع المطروح ـ مع ابنته كلما دعت الحاجة الى ذلك على ألا تدرك الفتاة ان تصرفات أبيها ناجمة عن قضية أسرت بها الابنة لأمها وقامت هذه الأم بتوصيلها لأبيها بمعنى ان يتصرف الاب بطريقة توجيهية ايحائية تحتمها مكانة الاب كسلطة يصعب التمرد عليها، وتكمن اهمية هذا الدور بل وخطورته، في ان الام والاب اذا استخفا بمشاعر ابنتهما المراهقة، وأهملا ما يحدث في حياتها وروحها وجسدها من تبدلات، فان هذه المراهقة سوف تلجأ إلى أول من يفتح صدره لها وغالبا ما تكون صديقة لها أو أكثر، ولان هذه الصديقة سوف تكون غالبا بنفس عمرها، فان خبرتها وتجربتها في هذا الشأن سوف تكون محدودة، واذا قدمت لها الحلول فان هذه الحلول ستكون ضحلة غير شافية وان لم تكن خطيرة تؤدي الى منزلقات تتوالد عنها مشاعر عنف وتوتر تكون غالبا شديدة وتخلف شخصية ضعيفة ومتمردة تشعر بكل ألوان الاحباط والاحساس بالوحدة والعزلة. ويضيف حسين: أما اذا لم تستطع ان تقدم لها الحلول التي تنسجم مع توثباتها النفسية لسبب أو لآخر فان المراهقة سوف تلجأ بلا شك الى غيرها وخاصة من يكبرنها سنا، وفي هذه الحالة وفي احسن الظروف سوف تتلقى هذه المراهقة التوجيهات التي تنسجم مع طبيعة من يتطوع بالتوجيه وليس مع طبيعة النشأة التربوية التي تربت عليها الفتاة في كنف أسرتها ووالديها وهو أمر قد يعمق الاحساس بالوحدة والعزلة لدى المراهقة وينجم عنه كثير من عناصر العنف والتمرد الذي قد يصل بالفتاة الى حدود الخطر. ويتابع سمير الشيخ ان أشجار اليوم هي شجيرات الامس بمعنى ان فتاة اليوم التي حظيت عند طفولتها بالرعاية التربوية المناسبة، والتي نشأت في كنف أسرة مترابطة تعطي الأولوية المطلقة في حياتها لحسن تنشئة أفرادها، لن تتعرض للأخطار مستقبلا لانها ستنعم بدفء العائلة المهتمة أولا وتوجيهها ثانيا وبصورة ما باتجاه جملة القيم والمعايير التي نشأت عليها في محيط هذه الاسرة ولا توجد خشية على مراهقة نشأت هكذا من ان تنزلق الى منزلقات خطرة ما لم يكن هناك طارئ ما طرأ على هذه الأسرة في مرحلة ما من مراحل تكوينها. رقابة صارمة ومن جانبها تؤكد سلمى عكاش أم لثلاثة فتيات ان التغيرات التي نشهدها على الساحة من تطور في وسائل الاتصال كالانترنت والفضائيات أثرت على أخلاق المراهقات «الفئة الأكثر تأثرا» وانسياقا وراء ما تروجه هذه القنوات، لذا وجب على الأهل فرض رقابة صارمة على بناتهن وتوعيتهن بالطريق الصائب دون تعصب أو اجبار لان «كل ممنوع مرغوب» وهذا ما لا نريده لبناتنا أملنا وزهراتنا التي تكبر ويكبر معها حلمنا. ويتساءل رائد محمد وهو أب لابنة واحدة كيف يمكن ان نتعامل مع أبنائنا بصورة ترضي الطرفين فالأبناء يعتقدون ان علينا اطاعة مطالبهم وتنفيذها واذا لم نفعل كنا مثالا للديكتاتورية والتسلط انها مسألة صعبة تحتاج الى حزم في التعامل مع اعطاء الأبناء حقهم في القول والتعبير عما يريدونه. نورا الامير