يعتبر العمل التطوعي سمة من سمات مجتمع الامارات في الماضي والحاضر حيث كان العرف الاجتماعي والعادات والتقاليد والقيم الدينية هي القواعد المنظمة له في الماضي أما في الوقت الحاضر فانه أصبح يخضع الى منظومة القوانين والتشريعات التي أصبحت تتحكم في تنظيم حياة المجتمع بعد قيام اتحاد دولة الامارات في ديسمبر من عام 1971م. كما يعتبر قانون الجمعيات ذات النفع العام أول اطار قانوني لتنظيم العمل الاهلي والتطوعي في الامارات، ويشير الدكتور عادل الكسادي ان التطورات الحديثة أدت الى تغير أنماط العمل الاهلي والتطوعي وشهد المجتمع بروز اشكال جديدة للممارسة الاجتماعية والبدايات الاولى لتأسيس الجمعيات التطوعية الأمر الذي تطلب تدخل الدولة لتنظيم العمل التطوعي وتقنينه، وكان ذلك باصدار قانون الجمعيات ذات النفع العام الذي نظم اسس تكوين الجمعيات وحدد الاهداف والاغراض التي تسعى لتحقيقها، كما حدد الاطر التنظيمية واختصاصاتها، ومصادر تمويل الجمعيات وحالات حل الجمعيات وغيرها من الامور التنظيمية الاخرى. وانطلاقا من اغراض القانون ظهرت العديد من الجمعيات النوعية في الامارات وكانت تعبيرا عن الاتجاهات الاجتماعية وتلبية لاحتياجات اكثر فئات المجتمع حيوية. وقال: لقد مضى ما يناهز ثلاثة عقود على اصدار قانون الجمعيات ذات النفع العام، وقد شهد مجتمع الامارات في تلك العقود تطورات ونقلات تاريخية في فترة قصيرة قياسا بغيره من المجتمعات، وبما انه جزء لا يتجزأ من المجتمع العالمي، فانه حري بنا ونحن نشاهد غمار المتغيرات الكونية، بأن نعتز ونفتخر بالمنجزات التي حققتها دولة الامارات في خضم كل تلك التحولات وان نعمل بشكل موضوعي على تقييم تشريعاتنا المنظمة للحياة الاجتماعية، وخاصة تلك المنظمة للمجتمع الاهلي، وان نجري عليها التعديلات اللازمة لتواكب تحولات العصر، وتوفير الشروط اللازمة والضرورية لتفعيل مساهمة القطاع التطوعي في التنمية وتأمين مزيد من المشاركة لافراد المجتمع في الحياة العامة. وفي دراسة حديثة يؤكد الدكتور سامي عصر مستشار التخطيط والتنمية ان التطوع في التعريفات المختلفة اضحى يحمل عناصر ومضامين جديدة ومتطورة حيث انه الى جانب كونه جهدا اراديا لتقديم خدمات للمجتمع وبذلها طواعية فقد اضحى ينطلق من مسئولية اخلاقية ومسئولية اجتماعية اي بدوافع تشجع وتحث على التطوع من اجل قيم التعاون والانسانية، كما يحمل التزاما ومسئولية اجتماعية ازاء مساعدة الآخرين لحياة افضل واذكاء للدور الايجابي الذي يجب ان يلبيه الفرد في المجتمع. ويقول الدكتور سامي عصر ان عملية دعم القطاع التطوعي تتطلب وجود مراكز للتوجيه سواء بالنسبة للجماهير او بالنسبة للمشروعات والاعمال التي يقوم بها المتطوعون، وعلى المؤسسات التطوعية ان تفتتح مثل هذه المراكز ضمن فاعليتها كتشجيع للحركة التطوعية وتنظيم لهذه الحركة، وقد حددت واجباتها بمجموعة من المهام وهي الآتية: تشجيع التطوع واشاعة المفاهيم المتعلقة به وفتح سجلات للتطوع وتحديد مجالات العمل التطوعي والتوجيه للهيئات والمؤسسات التطوعية وفق الرغبات والخبرات المتاحة وتنظيم الدورات التدريبية للمتطوعين وتوفير الاطر المؤسسية للعمل التطوعي وتكريم المتطوعين والتنسيق بين الاعمال التطوعية ودعم اركان التطوع كقطاع ثالث. ثقافة التطوع: من المهم التوصل الى ثقافة التطوع كمعنى وسلوك يمتد ليشمل ظواهر عديدة في المجتمع، والقول بثقافة الشيء يعني وجود انماط وسلوك وعادات واعمال يتم تبنيها في المجتمع والهيئات ان الاحتفالات وحملات الحث على التطوع وتبيان اهمية التطوع ودور المتطوعين وما يبذل لتكريم المتطوعين والاشادة باعمالهم تخلق وعيا بالتطوع، ان العطاء والبذل ومعاني التكامل والتراحم في المجتمع تؤدي الى سلوكيات مقبولة ومحترمة تنمي ثقافة التطوع وتتشرب كل هذه المعاني بجزئياتها وعلى الاصعدة المختلفة سواء بالنسبة للاطفال والشباب وبين النساء. نقول باتساق القوانين والتشريعات وتهيئة المناخ المناسب للعمل التطوعي وتزكيته فيصير التطوع جزءا من الثقافة العامة في داخل المجتمع وهي مسئولية مشتركة للمتطوعين والمتصدين للحركة التطوعية وتعضيدها. مؤسسات التطوع: مع جو التطوع وتطور مفاهيمه ومع ثقافة التطوع التي يجب ان تنتشر يتسع النطاق ولابد من انعكاسه ايضا على مؤسسات التطوع. هذه المؤسسات ليست هي الصيغة الرسمية بمعنى مؤسسات العمل التطوعي الانساني والاجتماعي فقط كركائز أساسية للقطاع، ولكن لابد ان تمتد الى كافة المؤسسات الاخرى وكمجالات للتطوع ومنها: ـ الأسرة حيث البذور الأولى للمتطوع بغرس المعاني الطيبة. ـ المدرسة حيث المناهج الدراسية والهوايات وحيث فرقة النشاط الرياضي والثقافي وجماعات العمل الطلابي والكشافة والمرشدات وجماعات خدمة البيئة والمجتمع المحلي. ـ النادي وهو مجال خصب للعلاقات وتأدية الخدمات وشغل وقت الفراغ بما يفيد صحيا ورياضيا واجتماعيا. ـ الشباب والمرأة: لم يعد مقبولا ان يكون العمل التطوعي عملا رجاليا. فتاريخ المتطوعين من الرجال أكثر، وسنة التطور تقول بضرورة مشاركة المرأة في العمل التطوعي بأشكاله المختلفة ولابد من تهيئة المناخ لذلك. ليؤدي العمل التطوعي لمزيد من تمكين المرأة ومشاركتها في التنمية. كما ان العمل التطوعي رهين بمشاركة الشباب وتربيتهم على المجالات التطوعية وافساح المجال لهم للمشاركة في صنع القرار. ومن هنا تأتي أهمية ضخ دماء جديدة للتطوع والقيام بالأعمال الهامة التي تذكي الانتماء وتدفع لبذل الجهود لتلبية احتياجات المجتمع ولعل من المفاهيم الجديدة للتطوع ما يتيح للشباب الافادة والاستفادة. المهم هو اتساق الحركة واستثمار الجهد بشكل منظم. ـ الاطفال: لقد قلنا الأسرة والمدرسة والنادي وكونهما من مؤسسات العمل التطوعي فالمطلوب تنشيطها ومشاركة الاطفال منذ الصغر واجبة. ولعل من النماذج التربوية التي نراها في بعض الدول عن البرلمان الصغير ـ كما هو مطبق في امارة الشارقة ـ أو مجالس البلديات من الاطفال ما يشير بهذا التوجه ويعززه. ـ التدريب: التدريب عمل هام لرفع الكفاءة والوقوف على الجديد واكتساب المهارات لتأدية الأعمال بشكل مناسب. والتدريب في العمل التطوعي هام ايضا. ان وضع العمل التطوعي في اطار المؤسسة يدفع لعدم القيام به بشكل تلقائي أو عشوائي.. لذا يجب ان يستفيد القطاع التطوعي من مفاهيم الادارة والتنظيم والتخطيط الجيد والمحاسبة وكل ما يتعلق بادارة الأعمال. ـ البحث العلمي والمعلومات: وبالتدريب وبدراسة الجدوى وصياغة المشروعات لمقابلة الاحتياجات يأتي دور البحث العلمي للكشف عن الحاجات والاجابة على التساؤلات وبحث أسباب الظواهر وتداعياتها ويخدم البحث العلمي العمل وما يتم التوصل اليه من نتائج في أركان العمل التطوعي ويزكيه. ـ الاسهام الاقتصادي والاجتماعي: وكما سبقت الاشارة إليه فإن العمل التطوعي كقطاع يسهم ايجابيا في مجابهة الاحتياجات المتعددة ولابد له من التصدي لها ونعني بذلك ونكرر قضايا البيئة وتداعياتها. ويركز الدكتور سامي عصر هنا على ابراز مجموعة من العناصر اهمها: ـ تحليل الاوضاع المجتمعية بشكل متكامل اقتصاديا واجتماعيا. ـ تصميم المشروعات وفق الاحتياجات، وبحسب الاولويات. ـ دراسة جدوى المشروعات، وتوقع أثرها قبل البدء في التنفيذ. ـ ترشيد النفقات في كل مناحي العمل. ـ استثمار المكان او الاماكن التي تملكها الجمعية، او تعمل من خلالها. ـ استثمار طاقات العاملين بشكل فعال. ـ تسعير الخدمات بشكل يتناسب مع الفئات المستهدفة. ـ حسن اختيار العاملين بحسب معايير معينة. ـ استثمار الوقت. ـ تبني بعض المشروعات ذات العائد على جهود المستفيدين. وغير ذلك من العناصر كثير، بل انه يمكن القول: ان المشروعات الاجتماعية في مجملها يمكن ان تخضع للتسويق، ويجب ان يبرز مفهوم جديد لتسويق القضايا الاجتماعية، بجانب الدعوة لها وترويج المشروعات الاجتماعية. التمويل ان الهيئات الخيرية لم تعد تقتصر فقط على الجانب الرعائي الذي يوجه للحالات الخاصة من رعاية الايتام او المعاقين وذوي الاحتياجات الخاصة، ولكن يتلازم معها ذلك البعد التنموي الذي يسعى الى تنمية القدرات البشرية وتنمية المجتمع ككل، ان الاعمال التنموية هي عمليات مجتمعية قد يستمر امدها وتظهر نتائجها على المدى البعيد، وليست بالشكل الجذاب لمحبي الخير والساهرين عليه، فعمليات التدريب، ورفع الكفاءة للقوى البشرية، والتعليم والصحة كخدمات استثمارية، ناهيك عن الحفاظ على البيئة او النهوض بالمجتمع من خلال العمليات التنموية المختلفة، هي امور تحتاج الى وقت طويل حتى تظهر نتائجها. ومن هنا يصبح التمويل قضية هامة وأمراً لابد من توفيره لهذه الاعمال الايجابية والجادة. تحذيرات ويحذر الدكتور سامي عصر من الاعمال التي قد تقع فيها الجمعيات الخيرية وتبرز منها على السطح: ـ عدم الدخول في مشروعات دون دراسة جدواها وعائدها حتى لا تفقد الجمعية ما تنفقه عليها. ـ الاستفادة من الامكانات المتاحة بشرية كانت أم مادية. ـ النجاح يولد النجاح وان في توثيق التجارب والاعمال ما يشجع على تنفيذ اعمال جديدة، او كسب ثقة ممولين وخيرين جدد. ـ توظيف عناصر الخبرة في الجمعية الخيرية لصالح جمعيات ومنظمات اخرى، وذلك من خلال تقديم تدريب للآخرين في المجالات التي تتميز بها الجمعية. ـ المساعدة في تطوير اعمال الجمعيات الاخرى في مجال المعلومات او تسويق الخدمات، اي ان تكون بيت خبرة. ـ بيع النشرات والوسائل التعليمية. ـ تبني مشروعات مولدة للدخل مع عدم المغالاة، فليس الهدف هو الربح، ولكن توفير الخدمة ـ ولو بتكلفتها ـ مع هامش ربح بسيط للادارة. ـ تسويق المنتجات الخاصة بالمشاريع واذا كانت الجمعية تتولى مثل هذا الجانب، وما يصاحب ذلك من اقامة المعارض والاسواق الخيرية. ـ الاستفادة من المناسبات لجمع المال محليا للاسهام في تحقيق اهداف الجمعية. ـ ربط الصلة مع السلطات الوطنية للحصول على الدعم المادي او الفني. ـ التبرع ليس بالمال فقط، ولكن بالاماكن والمعدات. ـ ربط الصلة مع الشركات ومع رجال الاعمال لتعزيز رسالة الجمعية واهدافها. ـ مساعدة الحكومة والسلطات في تنفيذ بعض الاعمال بأسلوب طوعي، على ان توفر للجمعية عناصر التكلفة. مفاهيم جديدة يمكن القول ان التطوع والمتطوعين لم تعد مجرد شعارات او اعمال تلقائية. بل يشكل التطوع والاعمال التطوعية قطاعا ثالثا له مسئولياته ويقف في المجتمع مع نظامين اساسيين هما الحكومة والقطاع الخاص، ومن ثم فهذا القطاع يكمل مثلث العمل لنهضة المجتمع وتقدمه. ان مفهوم العمل التطوعي قد تطور واكتسب مفاهيم وابعادا جديدة جعلته يمتد لعرض الحياة وجوانبها وتأثرت المفاهيم بمدى التقدم المحرز في نمو المجتمعات. واعطت المفاهيم الجديدة ابعادا جديدة للعمل التطوعي ومجالات كثيرة له، واصبح الدارس لهذا القطاع يتبع مداخل لفهم طبيعة الاعمال والتعرف على كنهها. كما ان هناك مسئولية ملقاة على عاتق القطاع هي التزام وأخلاق، انه ضمير المجتمع والمحافظ على توازناته. المهم ان تكون في كل مجتمع استراتيجية متكاملة وسياسات شاملة للعمل التطوعي وامساك بمفاهيم العمل التطوعي، وما يصاحبه من تطور وتجديد، كما انه لابد من وجود حوار بل حوارات مع القطاعات الاخرى واعمال تتعدى الشراكة والتنسيق بين هذه القطاعات. التطوع هو نبض الجماهير والمعبر عن احتياجاتها وكذا المبتكر لاسلوب مقابلة هذه الاحتياجات وتلبيتها. هو المبادر بالحركة والاستجابة ومد يد الشراكة والتنسيق. والمتطوعون هم الجماهير صاحبة المصلحة الحقيقية الراغبة في خدمة نفسها ومجتمعها والساعية للحاق بركب التطور والتقدم. اما عن تنمية الموارد فهي الشغل الشاغل للقائمين على العمل الخيري والانساني حيث يظل المال هو العنصر الفاعل، ويكمله بل ومن قبله العنصر البشري الذي يعتبر اداة التنمية وغايتها، ففي رفع كفاءته ايما استثمار وتنمية. وان لتنمية الموارد اساليب كثيرة والمعروض وما سوف يعرض يوضح مجالات عدة لتنمية الموارد، وهي حقل للابتكار والتجديد. كتب السيد الطنطاوي:
التطوع سمة أساسية لمجتمع الامارات، قانون جمعيات النفع العام أول إطار قانوني لتنظيم العمل الأهلي والتطوعي، دراسة حديثة تؤكد أن التطوع تعزيز للدور الايجابي للفرد في المجتمع
