اكدت دراسة قانونية حديثة ان المشرع الاماراتي وضع افضل التدابير العلاجية لاعادة تأهيل الحدث مما يجعل القانون رقم 9 لسنة 1976 الصادر في شأن الاحداث الجانحين والمشردين متفقا مع احدث التشريعات العالمية في مجال اعادة تأهيل الاحداث فضلا عن الحزم والشدة في مواجهتها، ويتبقى فقط انشاء محكمة ونيابة خاصة بالاحداث وذكرت الدراسة التي اعدها محمد عبدالعزيز غنيم المفتش الاداري بدائرة التفتيش القضائي بوزارة العدل والشئون الاسلامية والاوقاف «قطاع العدل وحول الاحداث الجانحين والمشردين» بالدولة. ان القواعد التي وضعتها الشريعة الاسلامية لمسئولية الاحداث من اربعة عشر قرنا هي نفس القواعد التي تقوم عليها مسئولية الاحداث في القوانين الوضعية الحديثة كما يتضح ان قواعد الشريعة من المرونة ما يؤهلها لان تسبق كل القوانين وما يساعدها على الاخذ بكل ما اظهرت التجارب او العلوم من وسائل الاصلاح والتهذيب المفيدة للاحداث بصفة خاصة وللجماعة بصفة عامة. وتناولت الدراسة تعريف الجنوح حيث اشارت الى ان جنوح الاحداث هو التعبير الذي درج عليه علماء القانون والاجتماع للتعبير عن جرائم الاحداث وهؤلاء هم الذين جنحوا وخرجوا عن جادة الصواب وعمدوا الى سلوك غير مشروع يتمثل في السرقة والسلب والاعتداء على الانفس والاموال وادمان المخدرات والتسول مشيرة الى ان الاحصاءات القضائية الصادرة عن دائرة التفتيش القضائي بوزارة العدل اظهرت ان اعداد المتهمين الاحداث الذين تمت محاكمتهم امام محاكم الدولة الاتحادية والشرعية عام 2000 بلغ 2336 حدثا مقارنة مع 2112 حدثا عام 99 ونحو 1913 حدثا عام 98 موضحة انه باستثناء جريمة الاقامة غير المشروعة من جرائم الاحداث لان تلك الجريمة في واقع الامر تقع على عاتق الاباء وليس الابناء فان باقي الجرائم تركزت بصورة شديدة في قضايا السرقة والشروع فيها ثم جرائم الاعتداء على الاشخاص واتلاف ملك لغير وهي جرائم عنف ثم جرائم دخول منازل الغير وادمان المخدرات وجنح ومخالفات المرور ثم باقي الجرائم الاخرى المنصوص عليها في القوانين الجزائية وهذه الجرائم الاخرى المنصوص عليها في القوانين الجزائية وهذه الجرائم تتطلب التصدى لها بكل حزم من الجهات المسئولة ومن رجال الاجتماع والقانون والدين والتربية. واوضحت الدراسة ان لجنوح الاحداث عالميا اسباب عديدة لعل اهمها على الاطلاق الثالوث الرهيب الفقر والجهل والمرض ورفقاء السوء واقلام العنف والرعب وعمل الام الذي قد ينتج عنه الانهيار العائلي في بعض الاحيان وهجرة الاب في احيان اخرى وترك اولاده دون عائل او رعاية بالاضافة الى الطلاق وحرمان الحدث من احد والديه مشيرة الى ان العوامل التي تؤدي الى انحراف الاحداث عديدة ومنها عوامل تتصل بالبيئة الاجتماعية وهي التصدع الاسرى المتمثل في الطلاق تعدد الزوجات فقدان احد الوالدين او كليهما، غياب التوجيه الابوي والزواج من اجنبيات، واهمال اسرة الحدث وعدم مراقبته في المدرسة وخارجها وارتفاع عدد افراد الاسرة وغياب دور الام ودور الاب والمشاكل الاسرية المستمرة وكثرة الاخوة غير الاشقاء ونقص الوعي التعليمي لدى الاباء. وهناك عوامل تتصل بالاصدقاء مثل تقليد الحدث لغيره تقليدا اعمى وفقدان رقابة الاهل وتلعب الصحبة دورا بارزا في الانحراف اذا حرم رعاية الاب كما تلعب وسائل الاعلام دورا كذلك من خلال ما تعرضه من افلام العنف والمصارعة والكراتيه ومحاولة تقليد الحدث لها ومشاهدة الافلام الممنوعة نتيجة انتشار اجهزة الدش وقراءة الكتب الجنسية والالعاب الالكترونية وعدم قيام وسائل الاعلام بدورها في التوجيه والارشاد وانتشار اندية الفيديو واماكن اللهو وضعف الرقابة عليها والسماح لبعض المحلات بعرض الجرائم بصورة قد تشجع على الانحراف. واشارت الدراسة الى عوامل اخرى تتصل بالبيئة المدرسية مثل عدم التعاون بين البيت والمدرسة وعدم الاهتمام بالوضع المدرسي والدراسي للحدث والمعاملة السيئة من جانب المدرسين وصعوبة المناهج الدراسية وسوء الاحوال التربوية وعدم تقبل النصح من المدرسين وضعف سلطة بعض الادارات المدرسية وعدم قدرتها على معالجة انحراف الطلاب وعدم وجود ارشاد وتوجيه تربوي كما ان معظم المعلمين غير مؤهلين تربويا اضافة الى عوامل تتصل بالحدث كاضطراب علاقات الحدث بالاب والام مثل الرعاية الزائدة من الام والكراهية تجاه الاب وعدم الرضى عن النفس والشعور بالوحدة والانطواء وعدم المحافظة على اداء الصلوات وضعف الوازع الديني والاتكالية والسلبية. وشددت الدراسة على المستوى الاقتصادي لاسرة الحدث كأحد اهم العوامل وراء عملية جنوح واعتراف الاحداث حيث اشارت في هذا الصدد الى الفقر وعدم اشباع حاجات الفرد ويفقد الدخل تأثيره اذا ارتبط بتفكك الاسرة. وذكرت ان الشريعة الاسلامية اول شريعة في العالم ميزت بين الصغار والكبار من حيث المسئولية الجنائية تمييزا كاملا وأول شريعة وضعت لمسئولية الصغار قواعد لم تتطور ولم تتغير ولكنها تعتبر احدث القواعد التي تقوم عليها مسئولية الصغار في عصرنا الحاضر وبالرغم من مضى اربعة عشر قرنا عليها وقد بدأت القوانين الوضعية تأخذ ببعض المباديء التي وضعتها الشريعة الاسلامية لمسئولية الصغار بعد الثورة الفرنسية ثم اخذت تتطور باستمرار بتأثير تقدم العلوم الطبية والنفسية ولكن القوانين الوضعية بالرغم من تطورها تطورا عظيما لم تأت بعد بجديد لم تعرفه الشريعة الاسلامية مشيرة الى اننا لانستطيع ان نتصور مدى فضل الشريعة الاسلامية الا اذا عرفنا ما كانت عليه حالة الصغار في القوانين القديمة التي كانت تعاصر الشريعة عند نزولها واهم هذه القوانين القديمة هو القانون الروماني اساس القوانين الاوروبية الحديثة ولكنه لم يميز بين مسئولية الصغار والكبار الا الى حد محدود فقد كان يميز الطفل في سن السابعة وما بعدها ويجعل الصغير مسئولا جنائيا اذا زاد سنه عن سبع سنوات ولا يجعله مسئولا اذا قل سنه عن سبع سنوات الا اذا كان قد ارتكب الجريمة بنية الاضرار بالغير ففي هذه الحالة يكون مسئولا جنائيا عن عمله. واوضحت الدراسة ان القوانين الوضعية كافة تأخذ بما اخذت به الشريعة من حيث اختلاف مسئولية الاحداث باختلاف اعمارهم والرأي الغالب في هذه القوانين هو تقسيم الاحداث الى انواع بحسب السن وان الحدث يمر بثلاثة ادوار مميزة عن بعضها تمييزا كافيا ولو انه يصعب تحديد كل منها تحديدا دقيقا ففي الدور الاول يكون الطفل صغيرا ويفترض فيه عدم قدرته على فهم ماهية العمل البنائي وعواقبه ومن ثم فلا مسئولية عليه اطلاقا وقد حدد القانون الاماراتي هذا الدور بسبع سنوات اعمالا لنص المادة 6 من قانون الاحداث وكذلك الحال في مصر وانجلترا والهند وفي ايطاليا يعتبر الحدث غير مسئول اذا قل سنه عن تسع سنوات. واضافت ان بلادا كثيرة اخذت بهذه القاعدة اي اعتبار الطفل غير مسئول حتى يبلغ سنا معينة وفي الدور الثاني يستطيع الطفل ان يعلم بأن ما يفعله محظور ولكنه لم يبلغ من يعلم والتجربة ما يكفي لفهم موقعه ازاء القانون وتقدير نتائج اعماله حق التقدير ولهذا فقد اجمعت القوانين الوضعية على ان تعاقب الصغار في هذا الدور بعقوبات تتلاءم مع حالتهم وهذه اما ان تكون عقوبات خاصة تتلاءم مع حالة الاحداث واما العقوبات العادية المخففة والنهاية القصوى للدور الثاني ست عشرة سنة في الامارات اعمالا لنص المادة 7 من قانون الاحداث وخمس عشرة سنة في مصر واثنتا عشرة سنة في الهند والسودان واربع عشرة سنة في انجلترا وايطاليا وست عشرة سنة في فرنسا. وفي الدور الثالث يكون الطفل قد بلغ من العمر ما يؤهله لفهم موقعه ازاء القانون ومن ثم يكون مسئولا عن اعماله مسئولية تامة ويعاقب عليها بالعقوبات العادية الا ان بعض القوانين كالقانون الاماراتي والمصري لا يعاقبه بالعقوبات المفرطة في الشدة وهي الاعدام والاشغال الشاقة وهذا الامتياز مقر، لمن لم يبلغ سنهم ثماني عشرة سنة في القانون الاماراتي والمصري اما من بلغ هذه السن فيعاقب بكل العقوبات العادية وتجعل القوانين الوضعية الحدث مسئولا مدنيا عن افعاله كلما كان مسئولا جنائيا ولو عوقب بغير العقوبات العادية وكذلك فهو مسئول مدنيا عن افعاله ولو لم يكن مسئولا جنائيا اذ ليس ثمة تعارض بين اعفائه من العقوبة لعدم بلوغه سن معينا وبين الحكم عليه بتعويض الضرر الذي تسبب فيه بخطأه. وقالت الدراسة ان الدعوى الجزائية لا تقام على الحدث الجانح الذي لم يبلغ من العمر سبع سنين كاملة ومع ذلك يجوز لجهات التحقيق والمحاكم ان تأمر في جميع الاحوال باتخاذ الاجراءات التربوية او العلاجية المناسبة لحالة هذا الحدث اذا رأت ضرورة لذلك وكذلك تقام الدعوى اذا ارتكب الحدث الذي اتم السابعة ولم يبلغ السادسة عشرة من عمره جريمة يعاقب عليها في قانون الجزاء او اي قانون اخر جاز القاضي ان يحكم بما يراه من التدابير. واذا ارتكب الحدث الذي اتم السادسة عشرة جريمة معاقبا عليها في قانون الجزاء او اي قانون اخر فان للقاضي ان يحكم باتخاذ ما يراه من التدابير المنصوص عليها في هذا القانون بدلا من العقوبات المقررة. ودعت الدراسة الى ضرورة ايجاد السبل الكفيلة بعدم عودة الحدث للجنوح حيث يجب الاهتمام به ورعايته داخل المؤسسة او مركز التدريب الحكومي الذي صدر حكم المحكمة بايداعه به صحيا وثقافيا وتعليميا ومهنيا وترفيهيا والاهم هو متابعته بعد قضاء مدته وخروجه ومحاولة محو كل الاثار التي قد تكون علقت بنفسه جراء الاخطاء التي ارتكبها وساعدته للتخلص من هذه الاثار وايجاد عمل مناسب للخبرة التي اكتسبها داخل مركز التدريب المهني وتوجيهه التوجيه السليم حتى يجتاز تلك المرحلة وينخرط في المجتمع مرة ثانية. ابوظبي ـ ممدوح عبدالحميد: