من الفكر ينطلق الرأي فيثري ساحات العمل ومجالات البناء ويمنح أهل الميدان خبرات أوسع ورؤى أشمل هي حصاد علم أو معرفة، وخلاصة تجارب وممارسات قد تمتد لسنوات وسنوات. ولأننا نؤمن بأن الرأي اسهام في البناء، وسعي نحو التطور، وتوجه نحو العطاء فإننا نفرد على صفحات ملحقنا سطوراً تخدم واقعنا التربوي وان كانت «مجرد رأي». يواجه العالم العربي في القرن الحادي والعشرين تحديات على كافة الأصعدة والمستويات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية. هذه التحديات بعضها داخلي والبعض الاخر خارجي ومن هذه التحديات الداخلية ما يواجهه التعليم في الوطن العربي بشكل عام والتعليم الجامعي بشكل خاص من تحديات علمية وتطبيقية منها على سبيل المثال طرق واساليب التدريس. حيث لم يعد المعلم او المدرس هو مصدر المعلومات الوحيد، بل اصبح هناك الاف المصادر المعلوماتية التي يتفاعل معها الطالب سواء داخل قاعات الدرس او خارجها وذلك بفعل الثورة التكنولوجية وتقدم وتطور اساليب الاتصال في الوقت الحالي. أقوى مصادر المعرفة ورغم ذلك التطور فما زال المعلم هو المصدر الاقوى للمعلومات خاصة في مراحل التعليم الالزامي، كما ان المعلم «المبدع» الذي يواكب العصر يعتبر من أهم عناصر العملية التعليمة في الوقت الراهن. وكثيرا ما نجد ان ابناءنا شغوفون بعلم من العلوم او مساق من مساقات الدراسة او العكس، ويحاول الاهل او الاباء معرفة اسباب ذلك ويندهشون عندما يعرفون ان السبب الحقيقي هو المعلم او المدرس، فحب الطالب للعلم ينبع من حبه لمعلمه واعجابه بشخصيته وطريقته في شرح المادة العلمية باسلوب بسيط وبلغة سلسلة وبطريقة سهلة تجعل الطالب يتقبل المعلومة ويفهمها بأعمال للعقل والقدرة على الخيال. ولذلك يثار جدل بين المحللين وعلماء النفس والاجتماع والمهتمين بقضايا التربية والتعليم حول محددات النجاح المهني ومعاييره بالنسبة للمعلم او الاستاذ الجامعي فيذهب البعض الى القول بأن انجاح المعلم او الاستاذ الجامعي في التدريس وتوصيل المعلومة الى طلابه انما هي عملية تتطلب مهارات وقدرات خاصة. وذهب اخرون الى ان نجاح المعلم او الاستاذ في التدريس موهبة من عند الله سبحانه وتعالى يمنحها لمن يشاء من عباده. واشار فريق ثالث الى انها عملية تخضع لاعتبارات علمية بحتة ومن ثم فهي تتطلب تدريب وتأهيل مستمر باتباع منهج علمي واساليب علمية متطورة. الموهبة والتدريب والصقل ونحن نعتقد ان المعلم الناجح هو الذي يمتلك كل هذه المقومات اي يملك قدرات ومهارات خاصة ولديه موهبة ثم يصقل هذه الموهبة بالتدريب والتأهيل المستمر باتباع الاساليب العملية الحديثة والمتطورة، ان المعلم الناجح هو ذلك الذي يستطيع تحقيق المعادلة الصعبة والتي مفادها ان الطالب لابد ان يحبه ويحترمه ويخشاه في نفس الوقت اي لابد للمعلم من حب تلاميذه واحترامهم له وصداقتهم له بشرط ان يحافظ على هذا الخيط الرفيع الذي يفصل بين الطالب والمعلم بحيث لا يتخطاه الطالب او المعلم وحتى تتحقق هذه المعادلة الصعبة. ان الاديب والمفكر والعالم والمعلم نتاج لظروف مجتمعه بأنساقه ونظمه الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية والتربوية في مرحلة تاريخية معينة وهو يؤثر فيها ويتأثر بها. ولذلك فان النجاح في التدريس او الوصول الى المدرس والمعلم «المبدع» الذي يواكب العصر يتطلب اعادة النظر في بعض القضايا التي من أهمها: 1ـ طريقة اختيار المعلم او عضو هيئة التدريس: ان طريقة التعيين او التكليف من الممكن الا تأتي بأفضل أو أحسن العناصر لأنها تقوم على أساس تعين الاوائل الذين حصلوا على اعلى الدرجات، واذا علمنا ان معظم النظم التربوية في اغلب الاقطار العربية تحرص وتركز على الحفظ والتلقين اكثر من حرصها على الفهم والتفسير فان كثيرا من الاوائل يكون من الذين لديهم القدرة على الحفظ وليسوا من المبدعين الذين لديهم القدرة على اعمال العقل والفهم والنقد والخيال. لذلك يجب ان يكون هناك محك اخر بجانب اعلى الدرجات مثل «الفهم والتأمل والنقد والابداع اضف الى ذلك ضرورة الاتزان النفسي والوجداني ونمط الشخصية من حيث التشويق وجذب الاخرين لان هناك اشخاصا يحصلون على أعلى الدرجات ولكنهم لا يصلحون لمهنة التدريس على الاطلاق. زيادة مخصصات اعداد المعلم 2ـ طريقة اعداد المعلم او المدرس الجامعي: ان ضعف الموارد المالية المخصصة لمؤسسات التعليم في بعض الاقطار العربية يجعل هذه المؤسسات بعيدة عن آليات التطور واعداد المعلم وتهيئة الكوادر المتخصصة لمواكبة تحديات القرن الحالي، كما ان نقص الموارد المالية يفوق هذه المؤسسات على استيعاب التزايد المستمر في اعداد الطلبة الراغبين في التعليم سنويا، كما ان كثيرا من الاقطار العربية التي تعاني نقصا في اعداد المعلمين تعوض هذا النقص بتعيين اعداد كبيرة من الحاصلين على مؤهلات جامعية من كليات ومعاهد علمية مختلفة للعمل كمعلمين لسد هذا النقص، وغالبا ما يكون هؤلاء غير مؤهلين للقيام بهذه المهمة نظرا لتخلف برامج التدريب وفقرها عن مواكبة التطويرات العالمية الحديثة وبعدها عن الواقع العملي ومن احتياجات المجتمع وتركيزها على الجوانب النظرية عكس ما هو موجود في المجتمعات المتقدمة حيث يتم اعداد المعلمين والباحثين اعدادا علميا يركز على تدريبهم على كيفية الحصول على المعلومات بأفضل الطرق في الوقت المناسب، فالحصول على المعلومة المطلوبة بالسرعة المطلوبة في الوقت المحدد ربما يكون اهم من المعلومة لان من يمتلك المعرفة والمعلومة يمتلك كيفية الحصول عليها في الزمن المحدد يستطيع ان يمتلك كل شيء. الامارات واستقطاب الكفاءات 3ـ طريقة تقييم المعلم او الاستاذ الجامعي: في كثير من المجتمعات العربية يتم تقييم اداء المعلم او المدرس بأساليب تقليدية كالترقي في الوظيفة او الحصول على درجة علمية اعلى او نشر عدد من الابحاث ويغيب عنا تقييم المعلم او الاستاذ من خلال تلاميذه من حيث ارائهم في طريقة تدريسه واسلوبه في الشرح ومعلوماته واسلوب توصيلها ومصادرها اضافة الى دوره في خدمة المجتمع واسهاماته في انشطة، وحل مشكلاته ونستثني من ذلك بعض المجتمعات العربية التي قطعت شوطا كبيرا في مجال تطوير التعليم والتي حققت انجازات قياسية في اعداد وتأهيل كوادر متخصصة تواكب العصر مثل دولة الامارات العربية المتحدة التي تعتبر رائدة في تنفيذ مشروعات اكاديمية وتطبيقية مثل وضع ضوابط ومعايير علمية صارمة لاستقطاب الكفاءات التدريسية المتميزة وكذلك الاساليب الحديثة في تقييم اداء الاستاذ الجامعي من خلال اراء الطلاب ومدى اسهامات الاستاذ في خدمة المجتمع البنية وكذلك اسهاماته في تطوير المساقات وتطوير طرق التدريس.