شهدت دولة الامارات العربية المتحدة في السنوات الأخيرة ظاهرة التوسع في انتشار الكليات الجامعية الخاصة كنتيجة مباشرة لزيادة اعداد الطلاب والطالبات الذين لم يجدوا مكاناً لهم في التعليم العالي الحكومي المحدود والمقصور على الطلاب والطالبات من أبناء الامارات فقط! ونتيجة لهذا التوسع والتعدد في الكليات الجامعية الخاصة اعتمدت بعض هذه الكليات نظام التعليم الجامعي المختلط (ذكور وإناث) وتضم هذه الكليات طلاباً وطالبات من الامارات وبعض الدول العربية والأجنبية، مما اثار العديد من التساؤلات حول هذه التجربة الجديدة لما لها من ايجابيات وبعض السلبيات ايضاً حيث ما زالت بعض الاسر من المواطنين تتحفظ بل وترفض مثل هذا النوع من التعليم بسبب الاختلاط وتداعياته ونتائجه الاخلاقية والاجتماعية وغيرها. ترى ماذا يقول الطلاب والطالبات أصحاب تلك التجربة في الامارات؟! «بيان المدارس والجامعات» التقى عددا منهم ليتعرف على بعض الآراء والافكار حول الاختلاط في الكليات الجامعية فكان هذا التحقيق: صعوبة في البداية الطالبة مايا أبوزيد بقسم ادارة اعمال بالكلية قالت: بالنسبة لي أجد ان الاختلاط في التعليم الجامعي عموماً وفي الكلية خصوصاً امر عادي وذلك لأنني قبل وبعد الجامعة وخلال دراستي الثانوية التقي بالأهل والأصدقاء والأقارب والجيران من الذكور والاناث، وبالتأكيد كان الأمر صعباً في البدايات حيث اصابني الخجل والتردد وأحياناً الخوف أو الرهبة عندما كان يتحدث الي احد الشباب خصوصاً من خارج نطاق العائلة كجار أو كصديق وقد استفدت كثيراً من تجربة الاختلاط في المرحلة الابتدائية وكان تعاملي مع الجنس الآخر اكثر سهولة وبتلقائية تصل حد البراءة ولهذا فإنني اشجع تماماً تجربة الاختلاط وأدعو لانتشارها وتعميمها في كل الكليات الجامعية لما لها من فوائد اجتماعية كثيرة حيث اننا وبعد سنوات قليلة معدودة سنتخرج من الكلية وننخرط في مجالات العمل المختلفة ولا أظن ان هناك جهة عمل واحدة سواء في الامارات أو غيرها ليس فيها هذا النوع من الاختلاط فلم الخوف والتحفظ والتردد؟ هذه الحالات لا معنى لها ويجب ان نتجاوزها وبسرعة خصوصاً في هذا العصر. أما الطالب احمد مصطفى بتقنية المعلومات بالكلية، فقال: رغم ان الجميع يفضل الاختلاط في التعليم الجامعي إلا ان أهم سلبياته من وجهة نظري ان «البنت فيه تفقد حياءها» وهذا أهم ما يميز الفتاة: الحياء والخجل لكنك في الاختلاط تجد الفتيات يضحكن ويقهقهن بصوت عال ويتحدثن مع الشباب في كل الموضوعات: الحب والعمل والزواج والطلاق وبشكل صريح وهذا يجعل الفتيات أكثر جرأة وقد تكون أكثر اقبالاً على حياة اللهو أو لا قدر الله الانحراف الأخلاقي حيث انني شاهدت في كليات كثيرة داخل وخارج الامرات مشاهد لا تليق بالعادات والتقاليد والقيم العربية نتيجة لهذا الاختلاط الذي احياناً ما يزيد عن حده ولذلك ترفضه الكثير من الأسر في الامارات، وباختصار فإن للاختلاط الكثير من السلبيات والتي تتصل مباشرة بالأخلاق! زيادة الاهتمام بالدراسة الطالبة أميرة سمير تحدثت عن مزايا الاختلاط فقالت ان الاختلاط يحفز الجنسين معاً على الاهتمام بالعلم والدراسة علاوة على انه فرصة لتبادل الآراء وتعدد وتنوع الأفكار والمقترحات خصوصاً في مجالات النشاط الجامعي الحر كعمل المجلات وتكوين نواد وإقامة الحفلات وغيرها من الأنشطة الطلابية وهذا في حد ذاته يثري العلاقات الاجتماعية ويزيل الحواجز النفسية عند الشباب ولدى الفتاة كي ينطلق كلاهما للعمل والدراسة والمرح معاً دون حساسيات أو خوف أو تردد يؤدي في النهاية الى ضعف في الشخصية والدليل على صحة هذا الرأي اننا وفي الكلية وخلال السنتين الماضيتين حدثت حالات زواج وخطوبة بين الطلاب والطالبات بلغت سبع حالات وقد تزيد خلال هذا العام اي ان الاختلاط يحل الكثير من المشكلات الاجتماعية ويساهم في التعارف والتقارب وإقامة حياة اجتماعية افضل لأنه ثبت عكس ذلك بالنسبة للكثير من الفتيات والشباب الذين يتزوجون دون المرور فقط بعملية الاختلاط في الجامعة أو العمل أو المدارس الثانوية فإن معظم هذه الحالات أو نسبة كبيرة منها تفشل اجتماعيا في التماسك والتطور وما إلى ذلك! الطالبة ريما عز الدين بقسم ادارة أعمال قالت ان الاختلاط في مرحلة التعليم الجامعي أو أي مرحلة أخرى لا غبار عليه وذلك لأنه الأمر الطبيعي، فالمجتمع في السوق والحدائق ومراكز التسوق والحدائق ودور السينما وأماكن العمل وغيرها الكثير مجتمع مفتوح فيه الرجال والنساء وهذه هي الحياة فلماذا نريد ان نجعل منهامشكلة اذا ارتبط ذلك بالدراسة في الكليات الجامعية؟ إن اهم فوائد الاختلاط في التعليم الجامعي هي اتاحة الفرصة للكثير من الطلاب والطالبات للدراسة معاً لأن هناك كما تعرفون في الامارات كليات طب وصيدلة وإعلام وغيرها خاصة بالبنات فقط وهذا ظلم كبير للبنين الذين يريدون الالتحاق بمثل هذه الكليات سواء في جامعة زايد أو بعض الكليات الجامعية الخاصة لذلك جاء الاختلاط كحل أمثل لهذه المشكلة وصحيح ان الاختلاط الجامعي في الامارات فرضته ظروف المكان لكن هذه الظروف خدمت الطلاب والطالبات في آن واحد. محاباة للضد لكن الطالبة نيفين سمارة لها بعض الملاحظات على عملية الاختلاط فتقول ان المعلمات «الأساتذة» يميلون أكثر لمساعدة الطالبات وأحياناً كثيرة ينصفن الطالبات على حساب الطلاب حتى في منح الدرجات والعلامات أو التساهل معهن في الامتحانات على اعتبار ان الجنس اللطيف هو الأضعف ويحتاج للمساعدة أكثر وإذا اعتبرنا ذلك من سلبيات الاختلاط فإن ذلك يرجع الى ان هذا الاختلاط في التعليم الجامعي جديد على الطالبات والطلاب وعلى أعضاء هيئة التدريس أيضاً لكن مع مرور الوقت ستزول حتماً هذه السلبية!! وأما الطالب زياد أبوعون فله رأي معاكس تماماً حيث يقول ان ما ألاحظه في الواقع مخالف تماماً للرأي السابق اذ تتعاطف المعلمات من هيئة التدريس مع الطلاب أكثر من الطالبات أو بمعنى آخر هناك ما يعرف في علم النفس بالميل الى الجنس الآخر أي ان المعلمات يفضلن التعامل مع الطلاب أكثر من الطالبات والعكس صحيح أيضاً فالأساتذة أيضاً يميلون للتعامل بلطف مع الطالبات وهذا الأمر غير ملحوظ أحياناً إلا للذين يتابعونه بدقة وهذه التعاملات تختلف من استاذ لآخر ومن أستاذة لأخرى كما تختلف أيضاً من طالب لطالب ومن طالبة لأخرى ولكن يجب ألا تكون هذه المحاباة فيها ظلم لأحد لأن مثل هذه العلاقات لا يمكن ان تحدد بقوانين ونظم! الطالب سعد الله العابد من قسم ادارة الاعمال يقول: ان الكثيرين من الطلاب والطالبات وخصوصاً الذين لم يسبق لهم الاختلاط في المدارس يفهمون الاختلاط بطريقة خاطئة تماما فمثلا منهم من يقع في الحب من أول نظرة ومنهم من يهمل دراسته ويتغيب عن المحاضرات رغم وجوده في الكلية ليبحث عن طالبة ليقضي معها الوقت في السوالف وعمل علاقات خاصة على حساب الدراسة وهذه أهم سلبيات الاختلاط لدرجة ان البعض يأتي للكلية لهذا الهدف فقط خصوصا الميسورين والأغنياء الذين لا يفكرون في الرسوم والتكاليف الباهظة التي ينفقونها في سبيل اكمال تعليمهم كما ان البعض من الطالبات وكذلك الطلبة أيضاً يواجهون مشكلات من نوع آخر في البيت عندما تتصل أو يتصل زميل بزميله أو العكس وتبدأ المشاجرات مع الأهل بسبب هذه الاتصالات ثم يأتون للكلية ليبحثوا هذه المشكلات وكيفية التخلص منها فتتوجه الاهتمامات إلى موضوعات ومشكلات جانبية بعيدة تماماً عن الدراسة، بل معوقة للعملية التعليمية. ويتحدث الطالب حمد سعيد عن قضية أخرى، فيبين ان الغالبية العظمى في التعليم المختلط من الطلاب أو ما تصل نسبته إلى 70% والاناث نسبة 30%، ويضيف ان المعروف في مجتمع الامارات زيادة عدد الطالبات عن عدد الطلاب في معظم الكليات وحتى في المدارس، فالاقبال على التعليم من قبل الاناث أكثر من الذكور لكن يبدو ان الاختلاط في التعليم الجامعي جعل الكثيرات أو أولياء أمورهن يرفضن الحاقهن بمثل هذه الكليات الجامعية، لذلك نجد او نلاحظ مثل هذه السلبيات التي أثارها بعض الزملاء، وفي الوقت الذي يصبح فيه التعليم الجامعي المختلط متوازناً في العدد تقريباً ستنتهي معظم مشكلات التجربة ويصبح الأمر عادياً لأن الجميع بصراحة سواء من الفتيات أو الشباب يفضلون الاختلاط، وفي داخلنا نحن ضد العزل ولكن الأهل هم الذين يفرضون علينا ذلك بدعوى الحرص والمحافظة على الأخلاق والسلوكيات النظيفة! ويثني الطالب بسام نادر على فكرة الاختلاط ويؤكد بأنها تؤهل الاناث والذكور لاستقبال الحياة العملية بروح التفاؤل والأمل وهي تجربة جديدة في الامارات، لكنها جيدة وتعبر عن روح المجتمع المعاصر والمفتوح على كل التجارب والجنسيات والشعوب، فمثلاً تجد في الكلية طالبات وطلاب من الامارات ومن العرب ومن الأجانب أي اننا شريحة تمثل المجتمع بكل دقة فلماذا التردد أو الخوف من معايشة مثل هذه التجربة؟ ان الحياة بشكل عام هي مشاركة للرجل والمرأة معاً في كل مناحي الحياة، لذلك فإن هذا الاختلاط تطور اجتماعي طبيعي جداً في الامارات وليس ضد أية عادات أو تقاليد لسبب بسيط جداً هو ان هذا الاختلاط ليس أمراً مفروضاً ولكنه اختبار، وللطالب أو الطالبة أو ولي الأمر حرية الاختيار كل حسب ثقافته وتعليمه وآرائه ومعتقداته لكن عجلة الحياة تدور ولا يمكن لأي أحد ان يوقفها!! تقوية العلاقات الاجتماعية ويدعو الطالب فراس سعيد إلى تعميم فكرة الاختلاط في التعليم الجامعي ويقول بأن فيها حلاً للكثير من المشكلات التعليمية والتربوية والاجتماعية وهي خطوة حضارية لابد لنا ان نعيشها ونتعايش معها دون ان نحملها مالا تطيق، فالناس تلتقي في كل مكان رجالاً ونساء، والاخلاق وما إلى ذلك أمر حيوي ومهم ومطلوب سواء في الجامعة أو خارجها ولا يجوز لنا ان نفصل النساء عن الرجال في الحياة العامة بسبب الخوف من الانحراف أو ما إلى ذلك من مبررات فقد حدثت بالفعل عدة حالات للزواج أو الخطوبة في الكلية وهذا أمر ايجابي ومفيد ومثمر ويحل الكثير من المشكلات ويقوي العلاقات الاجتماعية في المجتمع! آراء الأساتذة وأولياء الأمور الدكتورة دلال هلالات من جامعة الغرير تؤكد بأن هذه الخطوة في مجتمع الامارات هي خطوة حضارية بالفعل وتنسجم مع معطيات المجتمع الاماراتي المفتوح على عادات وتقاليد وقيم وأفكار كل شعوب العالم، وتؤكد بأن الاختلاط تطور طبيعي وحتمي في المؤسسات والمعاهد والكليات الجامعية لأن فيه الحل للكثير من المشكلات وعلى رأسها وجود الحرم الجامعي أو المبنى الذي يتسع لأعداد الطلاب والطالبات والذي يعتبر مكلفاً بالنسبة للكثير من الكليات الجامعية الخاصة التي تضطر لاعتماد التعليم المختلط للتغلب على مشكلة المكان ورغم هذا الظرف الاضطراري فإن النتائج العلمية والعملية للتعليم المختلط تثبت تفوقها وأفضليتها لأن هذا النوع يمنح الطلاب والطالبات فرصة أكبر للتنافس في المجالات العلمية والذهنية ومجالات الأنشطة وغيرها. وتضيف: انني لا أقول هذا الكلام بصفتي أستاذة جامعية فقط، ولكنني أم لطالب يدرس في كلية الطب وفق نظام التعليم المختلط، ووجدت الكثير من الآثار الايجابية تظهر عليه كاهتمامه بنفسه وبتفوقه والانفراج الكبير الذي حدث في شخصيته نتيجة لهذا الاختلاط حيث انه لم يخضع لمثل هذه التجربة في مدارس التعليم العام ورغم انني كنت أخشى عليه إلا ان ذلك أفاده كثيراً على المستوى السيكولوجي والتحصيلي والشخصي بوجه عام، وهذا يؤكد بأن الاختلاط ضرورة حضارية لابد منها سواء في الامارات أو غيرها وعلى كافة مراحل ومستويات التعليم هي أفضل بكثير! سنة ثانية اختلاط أما الدكتورة هلا قصير من وزارة التربية والتعليم فقالت بأن الاختلاط مفيد لأن له جدوى اقتصادية مهمة وعموماً ورغم انني أم لطالب جامعي يدرس في كلية مختلطة أرى انه يجب ان يتم الاختلاط ولكن بشروط عديدة أولها ألا يكون من السنة الأولى بالكلية، ولكن في السنة الثانية كي يتم بالتدريج وان تكون هناك أساليب رقابية تحافظ على التجربة من الانحراف أو الاباحية خصوصاً في الرحلات الخارجية التي يخاف منها الأهل عادة في هذا النوع من التعليم والاختلاط أمر حيوي ومهم في اكتساب خبرات اجتماعية وسلوكيات حضارية وثقافية لأنه يمكن القول ببساطة ان محور الكرة الأرضية «رجل وامرأة» لهذا فإن الاختلاط أفضل من العزل حيث تنمو فيه وتتصاعد الآراء والأفكار، فيكون الاختلاط بمثابة دافع وحافز قوي للتعلم ونحن نوافق على الاختلاط كأولياء أمور لأبنائنا في البعثات الخارجية ببريطانيا والولايات المتحدة حيث يتعرفون على الأجانب ويعودون لأوطاننا بأفكار ونظرات وابداعات ننظر لها على انها قدوة وعمل متميز فلماذا نفرض هذا الحظر على الاختلاط في جامعاتنا ومجتمعاتنا ان المبدأ لا يتجزأ ولهذا نحن مع الاختلاط بشرط عدم البعد عن القيم والمثل والعادات والتقاليد. وتضيف قائلة: لقد تأثر ابني سلبياً في السنة الأولى من التعليم الجامعي بسبب الاختلاط، وتطلب الأمر مني ومن والده اهتماماً خاصا حتى تجاوز هذه المرحلة الصعبة واستطاع ان يندمج بشكل طبيعي لا يؤثر على تحصيله العلمي، ولهذا فإن العملية تحتاج إلى تقبل الأهل خصوصاً في كليات مثل الاعلام الذي لا يجب فيه لأي طالب أو طالبة ان تكون منطوية على ذاتها، كما لا يغيب عن بالنا ان مجالات العمل في الحياة لا تقتصر على جنس واحد، فلماذا نلجأ إلى التعليم من وراء ستارة ان التغيير الاجتماعي مرتبط وتابع للتغير الثقافي والذي يحتاج لمزيد من الوقت حتى يتأصل في المتجمع وما علينا إلا ان ننتظر!! مسعد النجار