قال الدكتور احمد عبدالملك المدير السابق للشئون الاعلامية بمجلس التعاون الخليجي، ان تفاوت الانظمة في دول الخليج من حيث اطلاق الحريات، سيجعل موضوع الديمقراطية من أصعب مشاكل دول الخليج مستقبلا، مؤكدا في الوقت نفسه على ان الحرية المتوفرة في الاعلام الخليجي أقوى بكثير من أقدم ديمقراطية موجودة في الدول العربية الاخرى. جاء ذلك خلال الندوة التي نظمها مركز زايد للتنسيق والمتابعة أمس الاول بعنوان «قراءة في بيان القمة الثانية والعشرين لقادة دول مجلس التعاون الخليجي». وشارك فيها كل من الدكتور احمد عبدالملك رئيس تحرير صحيفة الشرق القطرية، والدكتور خالد ناصر الوسمي العضو السابق في مجلس الامة الكويتي. واكد الدكتور احمد عبدالملك ضرورة التفريق بين القرار والاعتماد كما جاء في العديد من بنود البيان الختامي لمجلس التعاون، وبين التطبيق كمنهج عمل لكل دولة من دوله، وقال ان العديد من القرارات التي صدرت عن قادة دول المجلس لم تطبق أو طبقت بتفاوت في هذه الدول. وما تم بحثه واصدار قرارات بشأنه في المجال الاقتصادي كثير، خصوصا اعتماد الاتفاقية الاقتصادية الجديدة محل الاتفاقية القديمة الموقعة عام 1981، ولكن تظل قضية التطبيق مرهونة بسياسات ومصالح كل دولة، فهناك مواطنون ما زالوا لا يشعرون بالمواطنة الخليجية التي تبشر بها بيانات القمم الخليجية، نظرا لوجود اختلافات بين دولهم من حيث ممارسة المهن، وتملك العقارات، وفتح فروع للبنوك، مع الاشارة الى ان بعض الدول تؤكد ضرورة وجود كفيل محلي للمستثمر الخليجي، لذا لابد من نهج التضحية بجزء من أجل الكل. أما في شئون الإنسان والبيئة، فكل دولة لديها اجراءات كافية لتلك القضايا. وفي الشئون القانونية اعتمدت ستة قوانين ايجابية لكن القوانين المحلية متفاوتة في كل دولة. وان قرار تشكيل مجلس للدفاع المشترك جيد من المنظور الجيد، ولكن هل يحل محل اجتماع وزراء الدفاع السنوي، وما الجديد فيه؟ وقال ان المجلس في الشئون الامنية اعتمد قرارات وزراء الداخلية، وورد في النص «خاصة ما يتعلق منها بتعزيز جهود المجلس في مجال تسهيل اجراءات تنقل المواطنين، وانسياب حركة التجارة بين الدول الأعضاء» وهذا الموضوع قتل بحثا وبحت أصوات المواطنين تجاهه، لكن مازال المجلس يراوح في مكانه، رغم ان قمة الكويت قبل أربع سنوات بشرت بجواز خليجي موحد لم يطبق، لان دولة معينة لا تريد تحقيق هذا المطلب، وهذه احدى أهم العقبات التي تبعد المواطن عن المجلس. لقد أخفق البيان في تحقيق ما يريده المواطن الخليجي، نريد قرارا يؤكد على ان المواطن الخليجي يجب لا يعاني كثيرا عند الحدود، بينما الكلام الذي قيل كثيرا في البيانات هو للاستهلاك المحلي فقط. وأعرب عن اعتقاده ان الهيئة الاستشارية حكم عليها بالفشل منذ بدايتها، وانها جاءت كديكور شعبي لا يقدم ولا يؤخر فليس لديها صلاحيات فهي ترفع أبحاثها للقادة الذين يعيدونها بدورهم للوزراء، وقد كلفت مؤخرا ببحث قضية الاعلام التي درسها متخصصون واكاديميون ووزراء على مدى عشرين عاما. أما بالنسبة للمواضيع السياسية فقد كانت تقليدية من حيث بحث الحالة بين العراق والكويت، موضوع جزر الامارات، والقضية الفلسطينية. والجديد هو موضوع اليمن، لكن للأسف ما صدر عن جريدة الثورة اليمنية عشية انعقاد القمة، ونقلته وكالة الانباء اليمنية، كان كلاما قاسيا ضد الخليجيين حمل مفاهيم مغلوطة، ما كان يجب أن تصدر، أما بيان القمة فقد كان على العكس ايجابيا ومتزنا. وحول ظاهرة الارهاب انتقد عبدالملك ورود عبارة (القضاء على الارهاب بقيادة الولايات المتحدة) في البيان، فقد أعربت كل دول العالم عن نبذ الارهاب ودعم الجهود الدولية لمحاصرته، وان الاقرار بالقيادة للولايات المتحدة يضعنا دائما في موضع الضعف والانقياد. وقال الدكتور احمد عبدالملك: ان القمة الثانية والعشرين جاءت أفضل من غيرها من القمم، واعتبر بيان الامير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد السعودي اقوى بكثير من بيان القمة نفسها، حيث أشار في لهجة واضحة الى خطأ قادة الدول العربية بزرع الشكوك وسوء الظن، ومناشدة العون من الغريب ونسيان القريب. وأشار الى اهمية موضوع الوحدة، وأوضح ان المجلس لا يزال يسير ببطء شديد. ودعا عبدالملك لعدم تحميل المجلس أكثر مما ينبغي، وانه لابد ان نتعامل مع طروحات المجلس تماما كما نتعامل مع الطروحات المحلية داخل كل قطر، فالمشاكل كثيرة وفروقات القوانين موجودة، والمواطن مغيب عن القرار السياسي.. هناك توجه ايجابي في قمة مسقط، لكن لا نستطيع القول انها ستعيد التوازن للامة العربية. والمشكلة دائما تتمثل في صدق النوايا، ما يقوله الاعلام شيء، وما يجري في الكواليس شيء آخر. أما الدكتور خالد الوسمي، فقد رأي ان الحكم على أية مؤسسة هو بمعرفة الى أي مدى تستطيع تحقيق أهدافها، وبالنسبة لمجلس التعاون لدول الخليج العربية هو الى أي مدى يشعر الناس ان هذه المؤسسة تخدم متطلباتهم العامة والخاصة. وعلى هذا الاساس سوف يحاكم مجلس التعاون الخليجي ليس من خلال بيانه الختامي، وانما من خلال مسيرته التي مر عليها 20 سنة. ووصف كلمة الامير عبدالله بن عبدالعزيز ولي العهد السعودي بأنها تعبر عن حكمته في جزء منها حول ما كنا نطرحه في الثمانينيات والتسعينيات، وهذا موقف شجاع لأحد أصحاب القرار في هذا المجلس، وهو ما يدفع الى التفاؤل، ورغم ان ما قيل حول مجلس التعاون في كلمته لا يتعدى الصفحة الواحدة، إلا انه كلام مؤثر وشجاع لا يسعنا إلا ان نشد بأيدينا معه ليتحقق ذلك، ونقل عن الامير عبدالله قوله «اننا لا نخجل من القول اننا لم نستطع بعد ان نحقق الاهداف التي توخيناها حين انشاء المجلس، وما زلنا بعد اكثر من عشرين سنة من عمل المجلس، نسير ببطء لا يتناسب مع وتيرة العصر ... لم نصل بعد إلى السوق الواحدة، ولم نتمكن بعد من صياغة موقف سياسي واحد نجابه به كل الازمات السياسية ... ان اعطاء مجلسنا هذا قدرا أكبر من الصلاحيات لا يعني التنازل عن استقلالنا بقدر ما يعني دعم هذا الاستقلال وترسيخه وصولا الى وحدة عربية اسلامية في المواقف والتوجهات والاهداف. وأكد الوسمي ان مجلس التعاون ليس من مهمته الاساسية حل مشاكل الامة العربية، رغم ان المجلس الاعلى يريد حل مشاكله ولا يستطيع ـ البيت الداخلي أولى ـ لكن بالتأكيد هويتنا عربية وتوجهنا عربي، انما يجب حل مشاكلنا أولا، ولا يمكن التهرب منها. مع الاشارة الى ان مجلس التعاون كان نشيطا في حل القضايا العربية قبل الغزو العراقي، ولا يعني المطالبة بحل مشاكلنا الخليجية هروبا من المشاكل العربية. نحن نتحدث لنقل الصورة لأصحاب القرار، وعليهم تعليق الجرس، ومن ضمنهم أكبرهم الامير عبدالله. وعلق عبدالملك بقوله ان حرب الخليج الثانية قد أفرزت ما يسمى بدول الضد، والعرب الفقراء، والعرب الاغنياء، وكأن دول الخليج ليست جزءا من الدول العربية، ويجب ألا نحمل مجلس التعاون وزر أي شقاق عربي. ورأى الوسمي ان دول مجلس التعاون وقبل الحادي عشر من سبتمبر 2001 كانت حاضنة للارهاب، دفعت شبابها لمحاربة الكفر في افغانستان كما قيل، وبعد ذلك، بعد خروج السوفييت، لم ترعهم ففروا للخارج. وهي كذلك، كانت حاضنة للخوارج الجدد بقيادة بن لادن، الذين أصبحوا يسيئون بتصرفاتهم للاسلام والمسلمين، هذه الحضانة تتحمل كذلك مسئولية ما تم، عندما كنا نتحدث عن ان الطريق التي يتبعونها طريق لا تخدم المستقبل، والزج بالافغان العرب في اتون تضاريس افغانستان لمحاربة السوفييت بادرة لم تخدمنا، قتلتنا افغانستان في الخليج بما تبرعنا به، ثم تبين بعد خروج السوفييت ان المسلمين أصبحوا يتحاربون مع بعضهم، وكذلك ما يقال عن تجارة المخدرات، وكنا دائما ندفع بتبرعات لافغانستان متعددة المصادر سواء حكومية أو خاصة. وحول ما يقال عن تحول مجلس التعاون الى نسخة مكررة من جامعة الدول العربية، ومدى وجود قوة خارجية تحول دون خدمة الحكام العرب لشعوبهم، وان بعض التقارير أثبتت ان الارهاب صناعة أمريكية عبر انشاء بن لادن نفى عبدالملك ان يكون مجلس التعاون قد تحول لنسخة من الجامعة العربية، وأوضح ان العراق واليمن لم تنضما للمجلس لاختلاف نظام الحكم فيهما عن النظام في دول مجلس التعاون، لكن بطء العمل موجود، ودول المجلس لا تريد التضحية بجزء من أجل الكل، وهذه هي القضية الاساسية للتوحد. أما من ناحية الارهاب فالولايات المتحدة، دائما ما تتأنى كثيرا في اصدار الاحكام، وحتى اليوم لم نعرف مصير الطائرة المصرية التي سقطت نهاية عام 1999، ولكن بعد شهرين من الحرب في افغانستان ظهر شريط بن لادن، وهي قضية تضع أسئلة كثيرة حولها، ولا نستطيع الجزم ان الولايات المتحدة هي من صنع اسامة بن لادن. وعن أسباب عدم التفكير بصيغة تعاون عربي يضم الجزيرة العربية كلها بما فيها اليمن، وما شكلته بعض قرارات المجلس الخاصة باليمن من تمهيد لدخوله المجلس. وأوضح عبدالملك ان الدول التي وقعت على النظام الأساسي هي المخولة وحدها بعضويته، وما لم يغير النظام لن تدخل دولة أخرى للمجلس، لذلك ظهرت سياسة المراحل، فتم قبول اليمن في بعض المؤسسات غير الهامة كمرحلة أولى، ولم تقبل كعضو كامل بسبب النظام السياسي فيها وبعض القضايا الحدودية مع السعودية، رغم ان المجلس فرغ من جميع قضايا الحدود التي كان عليها خلاف، والسعودية لعبت دورا ايجابيا في قرارات المجلس رغم خلافات الحدود مع جيرانها. وعن تصورت دور مجلس التعاون من أجل حل مشكلة العرب الافغان، مع وجود أكثر من 500 مواطن خليجي أسروا أو اعتقلوا في افغانستان وباكستان بسبب انتمائهم لتنظيم القاعدة.. أشار عبدالملك الى ان كل الدول أعلنت انها تسعى لاحضار العرب الافغان لدولهم لتتعامل معهم، وكل سفارة سوف تعمل على البحث عن مواطنين لها واحضارهم لبلدها. وحول ما قيل عن ان مجلس التعاون نشأ بعد 30 سنة من الجامعة، لكنه سار على نفس المنهاج.. قال انه من غير الدقة الحكم على مجلس التعاون انه جثة هامدة، فالمجلس رغم انتقاداتنا له، فيه ديناميكية، لكن الدول لا تطبق القرار بسرعة، وهناك مشاكل كبيرة مثل قضية النفايات الخطيرة وعدم السماح لدول أخرى بالتأثير على البيئة السمكية الخليجية، قضية المخدرات، هناك أمور كثيرة ايجابية تحققت بالطبع. لكن المجلس نشأ سياسيا بعيدا عن المواطنين، كما ان خلافات الحدود أخرت الانجازات، وهذه القمة الوحيدة التي لم يكن بها خلافات حدودية بين الدول الاعضاء. ورأى الوسمي ان هناك مشكلة في فهم رجل السياسة الذي يريد تحقيق كل أهدافه خلال حياته، وهذه تسمى حرق المراحل، لذا نحن الآن في مرحلة التراكم الكمي، عبر طرح الكثير من الاوراق والافكار، بانتظار ان يأتي جيل بعدنا كي يهضم تلك الاوراق. كما اكد الوسمي انه لا توجد مشكلة فكر سياسي لدى مجلس التعاون، ولا توجد مشكلة امكانات وقدرات فيه، فمجلس التعاون هو أغنى منطقة في الأمة العربية، موارده البشرية جيدة، ولديه وعي جيد. وحول ماذا يمكن أن تحقق العملة الخليجية الموحدة، على المستوى الاقتصادي خليجيا، أشار عبدالملك الى ان العالم ينحى نحو التكتلات الكبيرة، فلا مكان للصغيرة منها، وبرأي الكثيرين لو ان مجلس التعاون ركز على الجانب الاقتصادي لكان أفضل، لكن الاتفاقية لا تطبق لوحدها، فهناك تباين في الرسوم، ومازال المثبت لدول الخليج هو الدولار، والعملة الموحدة تسهل العديد من الاجراءات على مواطني دول المجلس. أبوظبي ـ مكتب «البيان»: