اصدر مركز زايد للتنسيق والمتابعة ملفا سياسيا تناول ابعاد حوار الحضارات بصفة عامة، والمبادرات المهمة التي تقوم بها الجامعة العربية، من اجل ان تكون المشاركة العربية في هذا المجال على مستوى التحديات والظروف، والتي كان آخرها الندوة التي نظمت في القاهرة ما بين 26 ـ 27 نوفمبر 2001، تلك الندوة التي ارست دعائم مشروع عربي يتلمس منطلقات واضحة، تضع في حسبانها الظروف الدولية الراهنة، والصورة التي ترسمها خلفيات تلك الظروف وواقعها للعرب وحضارتهم ودينهم، كما يضع آليات محسوسة لتنفيذ القرارات، وذلك بفضل المبادرات الصادقة لتمويل المشاريع الثقافية، والتي دشن ريادتها ـ كعادته ـ صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، عندما جاءت المساهمة الاولى منه مبلغ مليون دولار لدعم صندوق الثقافة العربية، الذي أنشأته الجامعة العربية. وفي الجانب المتعلق بحوار الحضارات تساءل الملف المذكور ان كان ما يعيشه العالم اليوم من حروب وصراعات، وآثار احتلالات آثمة، ونقاط توتر، وعمليات ارهابية، وتصرفات عنصرية، وغيرها هي فعلا مظاهر لما أطلق عليه مؤخرا «صدام الحضارات» ام ان ذلك كله مجرد انعكاس لنزعات عسكرية، ومصالح دولية، ومنافع اقتصادية، ومشاعر انتقامية تتستر خلف الحضارة والثقافة والدين من اجل تبرير ذاتها؟ واستعرض الملف الآراء الفكرية والتاريخية التي تناولت موضوع الحضارات حوارا وتعايشا مثل تلك الآراء المهمة التي ابرزها «شبلنجر» في كتابه القيم «انحطاط الغرب» متأثرا بما نتج عن حروب الغرب من مآس وويلات، معتبرا ان الصدام يقع حين تفتقد الحضارة طورها الثقافي الروحي، وتدخل في طور الانتاج المادي. اما «توينبي» فقد اعتبر في رؤيته لما اسماه «تردي التاريخ» ان مصالح الدول وآلة الحرب هما مفتاح الصدام بين الامم والشعوب، والعلامة البارزة على شيخوخة الحضارة. ويدخل في هذا السياق ما اشار اليه الملف السياسي بخصوص تلك الآراء التي اثارها المؤرخ الفرنسي الشهير «فرناند بروديل» في كتابه القيم «المتوسط والعالم المتوسطي» حيث أبرز ان الحضارات هي فردوس البشر وجحيمهم، وان الاسلام والغرب ـ رغم ما جمعهما من تنافس وعداء ـ فإنهما متكاملان، وأن كل شيء في المتوسط كان عرضة للتبادل والانتقال والاستعارة من الناس الى الافكار وأنماط العيش والمعتقدات، وأساليب الحب وأشكال السكن والاخلاق والمأكل، الامر الذي يبرز ان الحضارات ليست في صدام وأن ما وقع من حروب وصراع كان وجها من وجوه التنافس بين الحكام والدول والانظمة، او مظهرا من مظاهر انتفاضات الشعوب والفقراء. ولم يفت الملف السياسي ان يتعرض لآراء «هانتنجتون» و«مارتن أندريك» و«برنارد لويس» باعتبارهم من منظري سياسة الاحتواء المزدوج التي تنتهجها الولايات المتحدة الامريكية، وإن بدت آراؤهم في الظاهر مزيجا من الاستشراف الدبلوماسي وفلسفة التاريخ، خاصة انها جاءت بعد انتهاء الحرب الباردة، وضمن مؤشرات تشي بقربها من السياسة الامريكية، بعد حرب الخليج الثانية، واشتداد الصراع في منطقة البلقان، وبروز ارادة امريكا في السيطرة على النقاط الاستراتيجية في العالم. كما اشار الجانب المتعلق بحوار الحضارات من الملف السياسي الى احداث 11 سبتمبر، وما انجر عنها من تداعيات كان ابرزها حرب الولايات المتحدة في افغانستان لتدمير القاعدة ونظام طالبان، وحرب اسرائيل في فلسطين لتكسير اباء الشعب الفلسطيني وصموده، وفرض على سلطته قبول التنازل عن المقدسات الاسلامية وحقوق الشعب الفلسطيني، بالاضافة الى ما رافق الاحداث المذكورة من تداعيات اجتماعية بدت في النقمة ضد العرب والمسلمين، وشن حملة عداء شعواء من قبل الاوساط الاعلامية والسياسية في الولايات المتحدة وغيرها من الدول الغربية ضد العرب والمسلمين والتي لم تتوقف بعد. كما لم ينج منها حتى البعثات الدبلوماسية، حيث افادت صحيفة الوطن السعودية الصادرة يوم 29 ديسمبر 2001 ان مكتب الجامعة العربية في امريكا وبعثة دولة الامارات العربية يتعرضان لتمييز عنصري من مالك العقار اليهودي الامريكي، مما جعل جامعة الدول العربية في امريكا تلجأ الى القضاء، ونسبت الى السفير حسين حسونة المراقب الدائم للجامعة لدى الامم المتحدة قوله: «ان البعثة تتعرض للتمييز منذ احداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي». ولا شك ان ما تتعرض له الجاليات العربية والاسلامية في الغرب، والنظرة السيئة التي بات ينظر بها بعض الاوساط الاجتماعية والسياسية في امريكا والدول الغربية للعرب والمسلمين كل ذلك دفع بالجامعة العربية الى المبادرة بعقد مؤتمر «حوار الحضارات: تواصل لا صراع»، ذلك المؤتمر الذي يقف عنده الجزء الثاني من الملف السياسي فيبرز ما جاء في الكلمة التي افتتح بها الامين العام للجامعة العربية المؤتمر، حيث اكد «ان ثقافة كل امة هي التعبير الحي عن القوى الذهنية والابداعية فيها، وهي التأكيد لهوية الامة والمحدد الاهم لشخصيتها» وان الثقافة العربية ابدعت في صياغة مشروع حضاري فاستفادت من الثقافات الاخرى وافادتها، واعتبرت دائما جزءا رئيسا من الجسد الثقافي العالمي. ذلك ان العرب قد رفعوا صوتهم في مختلف المحافل العالمية دعوة ودعما للقيام بحوار بين الحضارات جميعا، باعتبارها في مجموعها وعلى تنوعها تمثل الحضارة الانسانية او حضارة الانسان». واشار الامين العام للجامعة العربية الى ان مشاعر الكراهية والعداء ظلت تلاحق العرب والاسلام في ازمنة سابقة ومعاصرة، غير ان السنوات الاخيرة حملت معها دعوات باسم صراع الحضارات او هرمية الحضارات اذكت تلك المشاعر، ثم جاءت احداث الحادي عشر من سبتمبر لتطلق العنان «لتحليلات ومواقف وممارسات لم تمس اطر الحضارة او الثقافة فقط، بل طالت ايضا من يحملون هويتها الهوية العربية او الاسلامية، فضاق العيش على الكثير منهم في عدد من الدول، وأصبح من يحمل تلك الهوية متهما، بل مدانا حتى تثبت براءته، لا بريئا حتى تثبت ادانته، بل هؤلاء الذين لم تعد الهوية العربية لهم إلا تاريخا وجذورا بعيدة بعد ان اندمجوا في مجتمعات جديدة.. حتى هؤلاء أصبحوا ضحايا أو مهددين بالتفرقة وسوء المعاملة». وتساءل الامين العام ان كنا نقترب من مرحلة تفرقة عنصرية أو دينية ضد العرب والمسلمين، مؤكدا ان الآراء التي تدعو الى صراع الحضارات، وتبحث عن اعداء يتم الصراع معهم بعد الانتصار على الشيوعية، أو تنظر الى الحضارة الانسانية نظرة خاطئة تعطي التفوق لحضارات على أخرى، مثل هذه الآراء لا يستند إلى حقائق التاريخ، ويغفل جوهر الحضارة وأهدافها كما تساءل ان كان مصدر التحدي آتيا من الآخر، ام انه كامن في الواقع العربي، وهل قمنا ـ يقول الامين العام ـ بما كان يجب علينا القيام به ازاء ثقافتنا وتطورها، وازاء ما نؤمن به شرحا وطرحا وتأكيدا للأصالة وثوابتها، مع المعاصرة ومتطلباتها، داعيا الى نقاش الخطوات والبرامج التي تمكننا من التعامل مع التحديات التي تواجهنا، فلا بد ـ يقول الامين العام ـ من البحث عن برنامج عملي قابل للتنفيذ السريع حيث لا يتحمل الامر أي وقت ضائع، ونقترح له التمويل اللازم لا عن طريق الالتزامات الحكومية فقط، وانما بالتبرع من الافراد والمؤسسات والمصارف والهيئات والحكومات العربية الى صندوق تم انشاؤه بالفعل وجاءته المساهمة الاولى من صاحب السمو الشيخ زايد رئيس دولة الامارات العربية المتحدة بمبلغ مليون درهم، وأدعو كل من يهمه امر هويته والدفاع عنها في مواجهة حملات التهجم والتشويه ان يسهم بما يستطيع فالامر يهمنا جميعا كأفراد ننتمي الى مجتمعات وهوية عربية وعقيدة أو ثقافية اسلامية. وتوجه الامين العام الى أهل العلم والثقافة والسياسة في العالم العربي قائلا «ان الهدف الذي نطمح اليه هو التصدي الرصين لحملة التشويه الموجهة الينا، وكذلك اطلاق حوار موضوعي بناء .. حوار حضارات حقيقي مبني علي أسس وقواعد محكمة، تسمح بتفجير طاقات التعاون وفتح نوافذ للفهم والتفاهم فيما بين هذه الحضارات، ونبذ نظريات التميز والصراع». وبالاضافة الى كلمة الامين العام وقف الملف السياسي، الذي أصدره مركز زايد للتنسيق والمتابعة عند برنامج العمل الذي تبناه مؤتمر «حوار الحضارات: تواصل لا صراع» فأبرز الخطوط الرئيسية لذلك البرنامج، تلك الخطوط التي تعكس قدرة الثقافة العربية ان تستجيب للتحديات، حيث شمل البرنامج المذكور المستويين الدولي والعربي، ونظر بعين الاعتبار الى آليات التنفيذ التي تمكنه من بلوغ أهدافه على المستويين المذكورين: فعلى المستوى الدولي ركز البرنامج على بلورة خطوات للتعريف بالثقافة العربية واعطائها مكانة في الأوساط الدولية، وفي هذا السياق تقرر تأسيس جائزة سنوية من جامعة الدول العربية تمنح لشخص أو مؤسسة قدم إسهاما فكريا في مجال تعزيز حوار الحضارات واعادة تأسيس الخطاب العربي والاسلامي والتعريف بالحضارة العربية الاسلامية، وانشاء وتمويل كراس في الجامعات والمؤسسات الاكاديمية في دول العالم تعنى بالحضارة العربية والاسلامية، وتشجيع تبادل الاساتذة والباحثين، وتفعيل التواصل العربي مع العالم من خلال الاهتمام بالمراكز الثقافية العربية المشتركة والدولية، ودعم مراكز البحوث الدولية التي تتناول القضايا العربية بموضوعية، والتوسع في اقامة معاهد ومراكز مماثلة في أهم العواصم العالمية، واقامة الندوات المشتركة، وتنظيم القوافل والمعارض الثقافية العربية في العواصم العالمية، وتكثيف التعاون مع الشبكات الفضائية والالكترونية الناشطة، ومطالبة وزراء الاعلام العرب بتفعيل قرارهم الخاص بانشاء قناة فضائية عربية باللغة الاجنبية، وتشجيع دور النشر العالمية الكبرى على ترجمة روائع الابداع العربي والدراسات العربية الجادة، ودعوة هيئات الانتاج العربية للقيام بانتاج مشترك لبرامج تلفزيونية وأفلام وثائقية عن القضايا العربية والحضارة الاسلامية باللغات الاجنبية، وانشاء شبكات للمفكرين والمثقفين العرب ومراصد اعلامية في العواصم الاجنبية، والتوسع في استخدام الانترنت للتعريف بالثقافة العربية. ورحب المشاركون باتجاه الامين العام لانشاء مفوضية في الامانة العامة لجامعة الدول العربية لمتابعة مشاكل ونشاط الجاليات العربية في الخارج والتنسيق مع الدول المعنية لحل مشاكلهم. كما دعا المشاركون جامعة الدول العربية الى التنسيق مع الامم المتحدة والاتحاد الاوروبي ومنظمة التربية والثقافة والعلوم (اليونسكو) لادراج مختلف الثقافات والحضارات في المناهج التعليمية، بغية تغيير المفاهيم التي تؤدي الى سوء الفهم بين الحضارات. وعلى المستوى العربي دعا المشاركون المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم على العمل من أجل تعاون عربي لاعداد مناهج وأنشطة في مختلف مراحل التعليم للتعريف بمختلف الثقافات والحضارات لتعزيز التفاهم ومعرفة وفهم الآخر. كما دعوا الحكومات الى اعداد جيل من الدعاة القادرين على تقديم الاسلام بمفاهيمه السمحة التي تنبذ التعصب والتطرف، مع مراعاة اجادتهم للغات الاجنبية، بالاضافة الى دعم مؤسسات المجتمع المدني والمنظمات الاهلية العربية المعنية بتطوير المفاهيم الثقافية والتربوية المؤدية الى التفاهم والحوار بين الحضارات بالتنسيق والتعاون مع نظيراتها في الساحة الدولية. وفي الجانب المتعلق بآليات التنفيذ قرر مؤتمر «حوار الحضارات: تواصل لا صراع» انشاء منتدى يكون مفتوحا لكافة مساهمات المثقفين والمفكرين العرب، ويكون مقرره مفوضا يستحدثه الامين العام للجامعة العربية باسم «مفوض لحوار الحضارات»، وتعزيز التعاون مع اليونسكو والاسيسكو والمؤسسات الثقافية للاتحاد الاوروبي والمفوضية العامة التابعة للامم المتحدة لحقوق الانسان لتفعيل الحوار، بالاضافة الى انشاء صندوق لدعم المبادرة الثقافية للانفاق منه على برنامج المنتدى على المستويين العربي والدولي تحت اشراف الامين العام. وكان بين كلمة الامين العام وبرنامج العمل الذي أسفر عن مؤتمر حوار الحضارات عشرات التصورات والمداخلات وأوراق العمل شارك بها خيرة المفكرين والمثقفين العرب، لذلك لم يفت الملف السياسي الذي أصدره مركز زايد للتنسيق والمتابعة ان يقف معها، مبرزا النقاط التي ركز عليها المشاركون، والتحديات التي نعتوها، وتصوراتهم لحوار حضاري نساهم فيه من منطلق الفاعل، لا من موقع المنفعل من أجل بناء عالم أفضل. أبوظبي ـ مكتب «البيان»: