تقدير الناس لدورهم في الحياة يكشف مستوى تفاعلهم مع الأعمال التي يؤدونها، ويشرح تقييمهم لأعمالهم مستوى التواصل بينهم وبين تلك الأعمال التي قدر لهم ان يشتغلوا بها بحيث تأتي تلك الأحكام كاشفة عن درجة الاعجاب أو التهوين لمهنهم التي يصرفون لها من وقتهم وجهدهم الكثير. ولا شك ان نظرة الانسان لعمله ينتج عنها مستوى من الأداء يتطابق مع هذه النظرية، فعلى سبيل المثال ان كان المرء يشعر بفخر واعتزاز بطبيعة العمل الذي يؤديه فإنه دون أدى شك سيرتقي بمستوى أدائه على النحو الذي يناسب هذا العمل الذي ينظر إليه نظرة الاحترام والتقدير. والعكس أيضاً صحيح فحين تتدنى النظرة إلى العمل الذي يشتغل به الانسان وتنخفض نسبة الشعور بالقيمة الحقيقية لهذا العمل فإن نوعية الانتاج سوف تنخفض بدرجة واضحة بحيث يتم الاكتفاء بالمستوى العادي والتقليدي للتنفيذ دون أدنى شعور بالرغبة في تجويد الانتاج أو تحسين الأداء لأن صاحب هذه النظرة يكون قد حسم الأمر في دائرة ضيقة هي عدم الايمان بقيمة العمل الذي بين يديه وعدم الحماس لذلك العمل وبالتالي فدوره لا يتجاوز في نظره الدور التقليدي لأي موظف ملول تمر عليه ساعات الشهر وأيامه بطيئة وثقيلة! وفي الميدان المدرسي تنعم نسبة كبيرة من العاملين في هذا الحقل الهام بدرجة عالية من الشعور بالغبطة لكونها منهمكة بصناعة الاجيال الواعدة، بينما تحرم فئة أخرى من هذه الأفكار المضيئة لتفسح المجال للشعور برتابة العمل الذي تؤديه وبالتالي بهامشية الأثر الذي يترتب على عملها برمته. ان افكارهم تلك تتمحور على ان الجيل لم يعد مهيأ لاستقبال بضاعتهم ولم تعد البضاعة نفسها قادرة على جذب الطلبة نحوها وبينما هم في مثل هذ المشاعر القاتمة إذا بالكثيرين يواجهونهم بما لا ينتظرون تارة في اجتراء الطلاب عليهم وأخرى في اجتراء أولياء الأمور وثالثة في اجتراء عموم الناس الذين لا يبالي أحدهم ان يقول بصوت عال: هذه حرفة لا طائل وراءها. ان اعتزاز التربويين بمهنتهم يفتح المجال لمزيد من العطاء الذي لا يعرف الحدود وهو مطلب تفرضه طبيعة الاشياء ومنطق يمليه الواقع العملي لكل مؤسسة تريد النجاح وتختار لنفسها الفوز بأن عليها ان تتأكد من تمتع العاملين بها بهذه الروح الفاعلة. ولذلك نرى من المؤسسات الكبرى من يشترط نظرة الاحترام إلى العمل بغض النظر عن الدرجة الوظيفية والسلم المهني لذلك العمل كشرط من شروط القبول والتعيين. حيث يوضع الموظف الجديد الحاصل على الشهادة الجامعية في وظيفة في أول السلم المهني كأن يوظف ساعياً للبريد في هذه المؤسسة، ثم يراقب عمله وتحتسب نظرة احترامه وانصرافه لذلك العمل فإن وجد انه مقدر لطبيعة المهمة التي يشتغل بها نال القبول لدى أصحاب المؤسسة وارتفع رصيده من الاحترام والتقدير في نفوس أصحاب القرار وبالتالي ترتفع مصداقيته وينال ثقة واحترام المعنيين بالأمر. أما لماذا يوضع في ذلك الاختبار فالجواب هو شدة احساس مثل تلك الهيئات بأهمية احترام المرء لوظيفته وخطورة النتائج المترتبة على تلك النظرة ففاقد الشيء لا يعطيه وصاحب الايمان الضعيف هو اعجز الناس عن انجاح مهمته التي يقوم بها ومن ينخفض احساسه بالمهمة التي بين يديه يخسر جمهوره وتنصرف وجوه الناس عنه. الأمر إذن غاية في الأهمية فشرط احترام العمل هو مطلب رئيسي لا غنى عنه لمن يريد الفوز في مضمار الحياة ولعل المضمار التعليمي هو أجدر من يسعى لتحقيق هذا المطلب في كيانه وبنيانه. مريم عبدالله النعيمي