أزعجني عدة مرات باتصالاته الهاتفية المتكررة، وفي كل مرة كنت أعتذر له عن عدم قدرتي على استكمال الحديث معه نظراً لانشغالي واعداً اياه بأن استمع إليه عندما أفرغ مما بين يدي من أوراق وملفات. ورغم هذا الاعتذار وما سقته معه من مبررات إلا انه لم ييأس فعاد للاتصال بي مصراً فيما بدا لي على ان أسمعه، وقد نجح بالفعل في ذلك حين قال لي بعصبية ظاهرة: أن ناقوس الخطر يدق بشدة بينما تتعللون أنتم بانشغالاتكم، فإلى متى هذا التجاهل لي وأنا أبحث عن الصالح العام!! واستوقفتني عدة ألفاظ في عبارته القصيرة كان بينها الخطر، والصالح العام، وأيضا كلمة ناقوس التي تأتي هذه الزاوية تحتها كل أسبوع. وهنا وجدت نفسي منساقاً إليه ومستمعاً إلى حديث في حوار جرى بيننا امتد طويلاً وذهب بعيداً إلى درجة انني ندمت على عدم استماعي إليه من أول مرة اتصل فيها معي. وتركته يتحدث والحقيقة انه كان منطقياً إلى أبعد الحدود فيما يطرحه مما أكد لي ومن اللحظات الأولى انه بالفعل ساع إلى الصالح العام، دون ان تكون له في الأمر مصلحة مباشرة أو غير مباشرة فهو أب لعدة أبناء يدرسون بمراحل التعليم المختلفة فاجأه ان ابنه الأكبر الطالب في الثانوية العامة كان يتحدث إلى صديقه في الهاتف عن أمور ووقائع دارت في الميدان التربوي وكانت لهجة الحديث بين الطرفين كما فهم في حديث ابنه الشاب هي لهجة الاستخفاف والاستنكار لما يتبادله بعض الكبار في وزارة التربية من اتهامات لا فرق ان تكون صحيحة أم كاذبة، فالمهم انها تنزل إلى الميدان وتلوكها الألسنة ويعلق عليها الناس تعليقاً ساخراً، يتحول بها التشويش المنشورمن بعضهم إلى تشويه مقصود فيما يشبه الحرب الكلامية بين أطراف في الأصل تقف في خندق واحد وتسعى عبر وجودها فيه إلى خدمة الصالح العام. وأخذ الأب وهو مواطن مثقف وواع كما تبين لي من أسلوب حديثه يعرض ما لديه من وقائع في سرد متماسك وبشكل موضوعي بعيداً عن التجني على طرف ما أو الانحياز لأحد الأطراف دون الآخرين. وبين الحين والآخر كان الأب يتوقف لحظة ليكرر سؤالاً ردده كثيراً خلال محادثتنا الهاتفية، وكان سؤاله في كل مرة يقول: لصالح من هذا التشويش الذي يحوله البعض عن قصد أو حتى عن جهل إلى تشويه لقيادات تربوية هي بداية ونهاية من جيل الريادة الذي صنعه جيل القيادة ليؤدي دوره في خدمة الوطن؟ وعلى مدى الحوار الهاتفي والذي استمر طويلاً كنت أجهد الذهن بحثاً عن اجابة لتساؤله ولا أنكر انني حاولت ان اطرح عليه بعض ما أراه مبرراً لما يحدث، لكنه لم يقتنع قط ، وهو ما اعتقد ان معه الحق في ذلك، فالأمور مبهمة، والنوايا غير واضحة، والأهداف متشابكة، والأوراق مختلطة، والحجج لدى البعض لا تؤكدها حقائق حتى الآن. لكن الأب فيما بدا لي وأنا أحادثه كان مصراً على ارهاقي ذهنياً في البحث عن مبرر، لم يتوصل إليه هو شخصياً، ولم يجد أيضاً فيما طرحته عليه ما يكفي لأن يشفي غليله هو وألوف غيره ازعجهم ان تتحول نماذج القدوة في حياة أبنائهم، وهي في الوقت نفسه قيادات ميدانية إلى مضغة في الأفواه، وهي كثيرة وفي كل بيت بعد ان عجزت الأفهام عن التوصل إلى مبرر مقنع لما يدور في أروقة الوزارة ودواوين المناطق. وفي لحظة أظن ان الرجل كان يعد لاختتام مكالمته بعدها قال وكأنه يتحدى كل أهل الميدان بمن فيه من قيادات كبرى وعناصر صغرى، هل كان ما حدث وما عرفه الجميع عن خلافات في الرأي أو اختلافات في الرؤى يسير وفقاً لما نحاول ان نعلمه لأبنائنا من ضرورة فتح القنوات للحوار والنقاش وتبادل الآراء وطرح الرؤى حتى لا يصل الأمر إلى تبادل الاتهامات، وتحويل ميدان العمل النبيل إلى ساحة معركة، وتعميق الخلاف بين وجهات النظر أو تفسير الاختلافات حسب الهوى. وهنا كان يجب علي ان أصمت، كي أفكر فيما يفعله البعض بشرف المهنة، والكل يعرف انها أمانة ورسالة لا مجال فيها إلا للصالح العام، وإذا لم يوجد فلتسقط المصالح الذاتية والآنية والأهواء الشخصية ليبقى الشرف واحترام الذات اكليلاً فوق الهامات!! محمود علام