القدامى من الشباب الذين امتطوا امواج الخليج الزرقاء بمراكب وسفن ذات اشرعة بيضاء مربوطة بحبال غليظة ومحملة بالحرير والبخور وصناديق اللؤلؤ تمر في افواج كأنها تزف عروس البحر بما ينطلق منها من اهازيج واصوات وايقاعات واصداء امواج واصوات هادرة تارة وهادئة تارة اخرى.. على هذا السياق جاءت قصة الخور.. خور دبي.. انه نهر من الماء والملح والرمل والطين ينساب في احضان الطبيعة وبموافقتها او ينسل خارجا من الخليج.. ممتدا الى احضان الصحراء والجبال والوديان وسط الكثبان الرملية يشق طريقه في صمت وهدوء بمياهه المالحة الممزوجة بالمياه العذبة التي تأتي بها الامطار. وكأن الجغرافية تعزف سيمفونيتها التاريخية في لحظات الابداع والانسجام فها هو الخور بحب جارف يخلق ضفتين عليهما تنهض دبي كفنارة قديمة يهتدى اليها المحبون والقادمون وها هي الآن ازدانت واكتست وامتزجت فيها حضارة الامس باليوم وصارت دبي لغة عالمية كالماء والرمل والموسيقى! يمتد خور دبي بطول نحو 14 كيلومترا في اليابسة ليقسم دبي الى ضفتين ديرة وبر دبي وارتبطت الاشكال الحياتية لسكان دبي عبر التاريح القديم والحديث بالخور ولكن المعلومات التاريخية والجغرافية عن نشأة الخور تصل حد التأويلات والاقاويل القريبة عادة من الاساطير، لكن القراءات المتعددة والمختلفة والمتباينة احيانا تؤكد ان الخور وعلى مدى السنين والايام كان شريطا مائيا صغيرا تتناثر بداخله بعض الكثبان الرملية التي كانت تشكل جزرا صغيرة ينساب من بينها الماء وتتخللها ممرات وقنوات تلتقى حينا وتتباعد بفعل الرمال المتحركة تارة اخرى بفعل المد والجزر في الخليج. وتجمع كل القراءات تقريبا على ان الانسان القديم اختار الارض المجاورة للخور اختار الضفتين ليحيا ويعيش ويتكاثر وكأن الخور نهر من الماء ومحمية طبيعية له تمثل حصنا منيعا وتدفع عنه الاخطار والمحن. وفي خارطة نادرة رسمها القس الانجليزي شارلى فوستر في سنة 1844 تضمنت مقارنات بين الاسماء الموجودة بدبي آنذاء والاسماء التي اطلقها اليونانيون عندما كانوا في المنطقة قبل الفي سنة تقريبا قال القس بأنهم اطلقوا اسم «نهر زازا» على ما يبدو انه خور دبي الحالي وكان حينذاك يمتد ليتصل بأودية مياه الامطار في جبال عمان والامارات وحول مدينة العين ولعل الافلاج في يومنا هذا كانت آنذاك تصب في الخور وتجعل منه مجرى وممرا مائيا يصل الى منطقة الحبال في تخوم الصحراء!! وفي العصر الحديث: ارتبط الخور بالتاريخ السياسي لدبي باعتباره دعامة وامتدادا طبيعيا للجبهة الملاحية الحيوية لامارة دبي في مواجهة سواحل ايران كما اعتبر الخور ميناء رئيسيا نظرا لموقعه الاستراتيجي للمدينة على الطريق التجاري القديم بين اوروبا والهند فكان الخور نواة حولت دبي الى محطة لتموين السفن اولا.. ثم الانطلاق نحو مركز تجاري لا مثيل له بالخليج الآن!! وبمرور الوقت ارتبط تقدم ونمو المدينة بتقديم مينائها التجاري واتساع حركته وبنهاية القرن الـ 19 وبداية القرن الـ 20 كان الخور ودبي على موعد مع بداية حلقة اخرى من سلسلة الازدهار حيث اعتمد الحكام على الخور لتطبيق سياسة الانفتاح التجاري والاقتصاد الحر.. وشكل الخور حجر الاساس للنهضة الاقتصادية الحديثة التي تعيشها دبي حاليا. وبنهاية القرن الـ 19 قفزت معدلات حركة السفن الى خور دبي من 4 بواخر قبل عام 1902 الى 21 سفينة عابرة للمحيطات بنفس العام ونشط التجار المهاجرون الى دبي في استغلال امكانيات الخور. وخلال النصف الاخير من القرن العشرين لعب هذا الشريان المائي دورا تاريخيا جديدا في دعم التجارة العابرة «الترانزيت» بين دبي ودول الخليج وشرق افريقيا وشبه القارة الهندية وزاد ازدهار التجارة المحلية. وفي دعم لامكانيات الخور امر صاحب السمو الشيخ مكتوم بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي ببناء مرفأ بالخور يستوعب 250 سفينة خشبية «بوم» بتكلفة 200 مليون درهم وقد بلغت القيمة الاجمالية مؤخرا حوالي 4.40 مليارات درهم وقامت بنقل هذه البضائع عبر الخور 12881 سفينة خشبية من دبي الى ايران وشبه القارة الهندية ومنطقة الخليج وبعض دول شرق افريقيا. الخور مرتع للنوارس والفلامنجو: تمتد محميات طبيعية على مساحات شاسعة عند نهاية خور دبي وقد تحولت هذه المحميات الى مركز لتجمع الطيور المهاجرة التي تعبر المنطقة في هجرتها السنوية بين الشمال والجنوب مع استقطابها لاكثر من 50 ألفا من فصائل الطيور التي تزور الخور ومن اشهرها واهمها طيور الفلامنجو بألوانها الزاهية والنسور الضخمة مهيبة الجناح، وصقور متنوعة الاشكال والالوان والاحجام والطيور صائدة الاسماك وطيور البوم وغراب البحر ومالك الحزين والنوارس البيضاء ذات الاصوات المغردة والتي تشيع اجواء البهجة وتحول دبي والخور الى واحة غناء. وفي احصائية اخيرة لمركز جمارك خور دبي استقبل الخور 24390 سفينة خشبية العام الماضي 2000 منها سفن حديدية صغيرة الحجم ومتوسطة وقد انشأت حكومة دبي جسرين كبيرين هما: جسر آل مكتوم وجسر القرهود اضافة الى نفق الشندغة الشهير لربط الضفتين واضفاء الشكل الجمالي الرائع لجعل الاسطورة الخيالية التاريخية واقعا من الجغرافيا ومن البشر الذين يعشقون النهار وفي الليل يسهرون مع الموسيقى ولان الموسيقى لغة عالمية فانها تحتضن دبي لتحكي لها على ايقاعات العصر تاريخا من الحضارة والخلود! مسعد النجار