عبر السنوات والمراحل يرتقى الانسان علما وفهما وادراكا في مجالات متعددة قد تتباين في نوعياتها او اساليب ممارساتها لكنها تتفق في انها ـ جميعها وبلا استثناء ـ تستند الى قاعدة من العطاء الذي قدمه اناس لا تزال بصماتهم الاولى ذات اثر في حياة المرء مهما تقدم او ارتقى. وحين يتوقف الانسان لتقييم مسيرة حياته وما قطعه من مراحل او بلغه من مواقع فان بوصلة الذهن تتجه دائما نحو اولئك الذين غرسوا في النفس ما انتج اطيب الثمرات ووضعوا اللبنات الاولى على مدارج العمر لتكون للحياة قيمة وللعطاء معنى. وهنا نتوقف كل اسبوع لنقرأ معا رسالة الى هؤلاء فهم اساتذتنا في الحياة. لا ينكر حسن صالح حسن مدير مركز تدريب وتأهيل العاملين بالفجيرة أحدا من اساتذته الذين أناروا له دروب العلم خلال رحلته الدراسية الطويلة لكنه يقول انه عرف مبكرا الاستاذية والقدوة والمثل في والده صالح حسن وهنا يوجه رسالته اليه قائلا: الى من انار لي دروب الحياة المظلمة وكشف لي الاستار والحجب المعتمة فتربيت بين يديه الحانيتين على الاستمساك بالفضيلة وعلى تقدير الأهل والاخوة، وقيم الصدق والاخلاص والتفاني مع ومن أجل الاخرين.. اليك ايها القلب الكبير الذي علمني الرحمة والرأفة والوفاء لمواجهة متاعب الحياة وقسوتها والجحود والنكران الذي قد نواجهه من بعض الناس.. اليك احترامي وتقديري واجلالي لافضل معلم علمني كيف انتفع بعملي، وعلمني كيف انفع به الناس انطلاقا من خيرية من تعلم القرآن وعلمه واهتم بتحصيل العلم من منابعه الاصيلة ورجاله العلماء حيث كنت دوما مقدرا للعلم وحاثا عليه باستمرار موضحا لنا ان الطريق الصحيح الذي يجب ان يسلكه الانسان دوما وان يطلب العلم ولو كان في أقصى الأرض لأن الانسان ينتهي عمره دون أن يكون اكتفى من العلم أو حصل منه ما يكفيه في رحلة حياته سواء كانت طويلة أم كانت قصيرة. لم ولن استطيع تقدير ما تعلمته منك حق تقديره ولن استطيع ان اوفيك حق قدرك مهما كتبت اليوم وسطرت لأنه ايها الوالد الكريم الذي ادعو الله له باستمرار ان يديم عليكم الصحة والعافية فأنت دائما وأبدا المنهاج الخفي وطريق نجاحي ولا أملك الا ان اقول لكم ما قاله الشاعر: قم للمعلم وفه التبجيلا كاد المعلم ان يكون رسولا وهكذا يصبح الاب المخلص في تربية ابنائه الحريص على تعليمهم ودفعهم للرقي باستمرار معلما يستحق رسالة تكتب له وتوجه اليه في كل المناسبات خاصة وان حسن صالح يؤكد أن والده متعه الله بالصحة والعافية غرس فيه روح المثابرة على تحصيل العلم والحرص على الفضائل والاخلاق والشيم النبيلة التي تنفعه حاليا في حياته وعلاقاته مع الآخرين، وكانت درجة حرص الوالد على تعليم ابنائه تدفعه للسهر معهم اثناء ليالي الامتحان ويظل مترقبا ومتلهفا لظهور نتائج العام الدراسي وتسعده نسبة النجاح ويدعونا الى المزيد من التفوق الدراسي، هكذا يقول حسن صالح مؤكدا ان هذه الشيم جعلته يوجه رسالته الى والده وان كان يذكر بالخير كل من ساهم في تعليمه من المعلمين رافضا ذكر الاسماء حتى يكون تقديره للجميع بعد معلمه واستاذه الاول والده الذي ترك بصماته واضحة على شخصيته وسلوكه في المجتمع وطريقة تفكيره. اقوال ومواقف ولا تنسى فائزة انسي مديرة مدرسة المعرفة الخاصة بالشارقة صورة استاذها رضا فريد وافكاره وملاحظاته واتسامه بالقدوة الطيبة لطلابة وطالباته وكلماته التي صارت حكمة تعمل بها وتقول: تستوقفني دائما خواطر حياتية. وانا في زحمة العمل خلال رحلتي الطويلة في حقل التربية والتعليم وحين التقي بزميلاتي من المدرسات وزملائي من المدرسين استعرض معهم سير العمل وهموم المهنة في وقتنا الحاضر وفي وسط الخواطر تكون صورة استاذي العزيز ماثلة امامي وقيمه حاضرة في ذهني. والفارق الكبير بين علاقة المعلم بطلابه قديما وحديثا وكيف كان الطالب منا يقدم كل الاحترام والاجلال لمعلميه وحين يتلقى كلمة طيبة او ثناء من مدرسه تغمره سعادة لا حدود لها ويحدث بها اهله زمنا غير قصير، وكان المعلم يعتبر طلابه جميعا ابناء له، يقدم لهم النصيحة والتوجيه، واذكر حادثة وقعت معي اثناء حصة الكيمياء حين استفزت زميلة لي في الفصل زميلة لها، ولم يكن من الزميلة الا ان صفعتها بعنف امام المدرس.. ولا انسى ابدا كيف جعل المدرس الحصة بكاملها حديثا عن ضبط النفس وان ضوابط العقل والحكمة هي التي تميز الانسان عن بقية المخلوقات الاخرى.. وان الانسان حين يتصرف بثورة وعصبية ازاء موقف يتعرض له.. يكون قد الغى عقله الذي وهبه الله له.. واستعرض لنا عددا من الامثلة والشواهد التي حدثت معه شخصيا وعالجها بحكمة وروية. ولا انسى قوله لنا: «ان عزة الغضب تؤدي بصاحبها الى ذل الاعتذار» وقال ان الكلمة حين تبقى في صدرك فهي اسيرتك ولكن حين تخرج منك تصبح انت اسيرها. وكم من كلمة اودت بصاحبها الى اسوأ العواقب، بل ربما اودت بحياته. هذه المواقف تركت في نفسي بصمات واضحة قوية حتى هذا اليوم وحين اتعرض لموقف يثير الغضب.. اتذكر مقولة استاذي القدير. واكبت الغضب لتحل مكانه الحكمة والتروي والهدوء.. كما تعلمت من استاذي الكثير من القيم والمبادئ التي رسمت بها منهج حياتي.. كمدرسة وادارية وربة منزل ومازلت حتى هذا اليوم احتفظ بكراسات الواجب التي ذيلت بملاحظات استاذي العزيز.. وكانت تحمل توجيهاته التربوية.. باسلوب يدخل العقل والقلب.. وبلغته الرقيقة.. حتى في المرات التي كنت فيها اخفق في اداء الواجب كانت ملاحظاته.. لا تحمل اي سخرية او لوم بل عتابا رقيقا.. استاذي العزيز.. سأنقل هذه الملاحظات ليقرأها زملائي جميعا.. لان الطالب يحتاج وفي كل وقت الى التشجيع وان يشعر بأهميته لدى مدرسه مهما كان مقصرا او ضعيفا في مادته.. لان هذا التشجيع هو حافز له لمضاعفة الجهد. ليحظى بثناء معلمه. اما الجانب الانساني.. فكان رائعا في شخصيته وكان يسعى بكل الطرق لرفع المعاناة عن احد تلاميذه بل ويقوم بزيارات لأولياء الأمور.. يتعرف من خلالها عن معاناة تلميذ له بعض المشاكل في صفه. وما أروع ذلك الميزان الذي كنت تتخذه شعارا لك تزن فيه كل كلمة او تصرف او سلوك.. وكم اتمنى لو اسعدني الحظ بزيارتكم اليوم لترى ذلك الميزان رمز الصدق والعدالة والامانة وقد تصدر ابرز مكان فوق مكتبي. وكلما نظرت اليه تذكرت استاذي العزيز.. واطرف ما حدث معي منذ ايام حين دخل مكتبي احد الزملاء واخذ يندفع بحديثه غاضبا عن مشكلة اعترضته وانا اصغي الى حديثه واندفاعه.. وفجأة اشرت امامه الى الميزان.. فتوقف قليلا ثم ادرك ان حديثه يحتاج كثيرا الى هذا الميزان.. ثم هدأ وابتسم.. وانهيت له مشكلته وخرج معتذرا عن ثورته. دين في اعناقنا في حديثه عن اساتذته قال محمد سلطان بن هويدن عضو مجلس اباء منطقة الشارقة لابد ان نعود الى الزمن الماضي وهؤلاء الرجال الذين لا ننساهم ابدا، ففضلهم دين كبير في اعناقنا لانهم عاشوا معنا ايام المعاناة في تحصيل التعليم وشاركونا تلك الظروف برضى تام وقناعة كاملة ولذلك فنحن مدينون لهؤلاء المدرسون بالكثير من العرفان الذي لايقدر بثمن. فقد اخلصوا في تعليمنا وتربيتنا بكل واقعية، وبوسائل التعليم البدائية حينذاك، فقد كان التعليم وخاصة في المناطق النائية يشق طريقه بصعوبة، كل مادة لها كتاب واحد وعلى الطالب ان يحافظ عليه ويسلمه بعد العام الدراسي للطالب المستجد ليتابع به تعليمه والانتفاع به ولا توجد كراسات الا للامتحان فقط والبديل كان لوحا اسود مع طبشور لونه ابيض يكتب به الطالب على اللوح الذي يخصص وجه منه للعربي ووجه للرياضيات في المنزل ويستعمله الطالب في المدرسة لجميع المواد يكتب ويمسح ومع هذه الامكانيات البسيطة كان التحصيل جيدا بل واكثر من ذلك رغم عدم وجود مختبرات ولا وسائل تعليمية ولا مواصلات ولا كهرباء، الا ان وجود هؤلاء الاساتذة الافاضلة ومنهم الاستاذ الكبير ابراهيم الانصاري من البحرين الذي أوجه له الآن رسالة عرفان بعطائه وقدره ومدى حرصه على تزويدنا بالعلم مقرونة بالشكر على هذا الفضل وبالدعاء ان يديم الله عليه الصحة والعافية وهو واحد من هذا النوع النادر من المعلمين فقد كان الانصاري رسول علم وصاحب مبادرة لتوصيل ذلك العلم حتى انه كان يزور طلابه في منازلهم ويساعدهم في كل شيء وبكل الطرق لتحصيل العلم ويوجههم الى الطريق الصحيح ويوجه لأهاليهم النصح والارشاد والتوجيه.. فتحية شكر وعرفان اليك ايها الاستاذ الفاضل من جميع تلاميذك في المنطقة الشرقية بالشارقة ومني خاصة. فتحي عبدالكريم