عندما نطلق هذه التسمية قد يعتقد بعضهم أن المراد هو تلك المعلومات اليسيرة التي تقدم للتلاميذ الصغار في صف من الصفوف او في مرحلة من مراحل التعليم، تتعلق ببلدهم، او تتناول جانبا حياتياً في المجتمع حفظا لا ممارسة. وربما اعتقد بعض اخر بأن التربية الوطنية هي تلك النزعات او الانتماءات التي تتولد في النفس، فتندفع نحو اهداف لتحقيق غايات في نفسه هو، ويعتقدها بأنها صحيحة. والواقع ان التربية الوطنية ليست تلك التي تعتمد على الحفظ الببغاوي، ولا هذه المشوشة التي لا تنتسب الى مصدر موثوق بل كالزنيم الذي يتقاذفه الناس. ان الوطنية شعار محبب لدى كل الناس ووزارات التربية تحاول مشكورة في كل البلاد ان تغرس بذرتها في نفوس الناشئين منذ المرحلة العمرية الاولى. لكن بما ان تربيتها في النفوس مهمة شاقة، فانها لم تعد من مهمات الوزارة وحدها بل لابد من تضافر الجهود المجتمعية كلها. نعم التربية الوطنية مادة وعندما نقول مادة فكأننا نشبهها بالطقوس او الشعائر التي تؤدى في الكنائس او المساجد ثم لا يوجد لها اثر بعد ذلك. هذا الشعور يولد لدى الطفل الذي ينتظر ان يكبر ويكبر معه ذلك الشعور، تحصل له قناعة في النفس بأن الوطنية كلمات او شعارات او هتافات. وهذه الكلمات او الشعارات او الهتافات لها مناسبات لذلك فان بعض الايام بالفعل سميت بالمناسبات الوطنية تردد تلك الكلمات او ترفع فيها تلك الشعارات وكأنها اصبحت لباسا يلبس، لينزع بعد قليل. من هنا نشأت في النفوس قناعات اخرى جديدة بأن هذه الوطنية التي هي عبارة عن كلمات او هتافات او شعارات ليس بالضرورة ان يرددها. او يحملها من ينتسب الى تلك الارض، او يولد على تلك الارض، بل يمكن استئجار مردديها او حامليها لان شأنها شأن الاعمال او المهن الاخرى فكل من عمل اخذ اجرته عليه وانتهى دوره ويترتب على هذا انه اذا لم يعط اجرته يضرب عن العمل او لا يعمل مطلقا. هذا المفهوم الخاطيء في الحقيقة هو الذي يسود المجتمعات اليوم بكل اسف، فلا تجد انتماء حقيقيا بل ماديا بحتا، لانه مرتبط بالمصلحة الآنية التي ترتبط بسياسة اخدمنى اخدمك او اعطني اعطك. لقد ذكر لي وفد من وفود وزارة التربية في الامارات قبل مدة اي عندما زاروا كوريا او اليابان حسب ما اذكر فقالوا: زرنا بعض المدارس هناك في الصباح، وبعضها في المساء فسألناهم هل دوامكم يمتد الى المساء، ام يصرف لكم بدل العمل الاضافي هذا؟ فقالوا: بأن الدوام لفترة واحدة وهي فترة الصباح، وانما اذا لم ننجز عملنا في الصباح عدنا اليه في المساء لنكمله. يقول الوفد قلنا لهم: اتعملون بعد الظهر من غير اجرة؟ قالوا: وهل في ذلك غرابة؟ أليس البلد بلدنا، والاولاد اولادنا، ومصلحتهم مصلحتنا. من يعمل اذا نحن لم نعمل؟ اقول هذا الشعور لاتجده عند كل الناس، ولا في كل بلد. وهذا يجعلني اعتقد بأن الوطنية ليست خاصة بدين دون دين، ولا بشعب دون شعب. وانما هي شعور راق جدا، وحب عميق نابع من نفس تغلبت على شهواتها، وارتقت الى درجة الاكتفاء بالمعنى قبل المبنى، والباطن قبل الظاهر، والقليل قبل الكثير. هذا الشعور الذي عبر عنه ابن كوريا او اليابان هو الوطنية الصادقة التي لا توجد في بطون الكتب، ولا في الصيدليات، وانما تكتسب من خلال التربية السليمة في البيوت منذ اليوم الاول بين احضان الوالدين لا في المدرسة ولا في الجامعة. قل لي بربك ماذا يفعل المدرس بالطالب الذي يتأخر عن طابور الصباح بحجة انه لايريد ان يقف في الطابور ليردد نشيد السلام الوطني، او يحيى العلم بل يريد ان يدخل الصف مباشرة؟ او ماذا يفعل المدرس بالتلميذ الذي يكسر اغصان الشجر في المدرسة او يجلد الازهار والورود في ممرات المدرسة بخيزرانة او برجله؟ او ماذا يفعل بمن يكسر مقابض الابواب في المدرسة، او الادراج، او يشخبط بقلمه على الجدران او يرمي النفايات في الساحة المدرسية او يدخلها في المواسير والمجاري لتنسد فتطفح الاوساخ. او ماذا يقول المعلم للتلميذ الذي يأتي الى المدرسة وهو لا يتكلم بالعربية التي هي لغة قومه وبلده، بل يتكلم بأي لغة اخرى ويفخر بها عيانا وجهاراً وربما انتصر لها ايضا، وانتقص للغته وعادته وقيمه وعرفه؟ هذه مشاهد موجودة وممارسة اليوم بين الناس، ولا اقولها ادعاء بل هناك اكثر من ذلك ولولا خشية الاطالة لذكرتها بعجرها ويجرها. ياترى ما السبب في هذا الشعور المحبط لدى الطالب الذي يرى في الوقوف لتحية العلم وترديد النشيد الوطني اهانة له، وجرحا لكرامته؟ وما السبب في هذا التصرف العدواني الذي يقوم به التلميذ تجاه الاشجار والازهار والورود وهي رقيقة وناعمة وملطفة للجو؟ وما السبب في هذا الهدر المالي او الاتلاف الذي يقوم به في المدرسة وهو يعلم انه اضرار بغير وجه حق؟ وما السبب في هذه النشوة الغريبة التي يحملها هذا التلميذ الذي يحب كل لغة إلا لغته، وكل قيم وعادات إلا قيم مجتمعه وعادات اهله ووطنه؟ انني اعتقد اعتقادا جازما بأنه عاش في بيت لا يحمل ذرة حب لوطنه، فهو لو درب في البيت على حب العلم، وترديد النشيد كلما ظهر العلم في التلفاز او درب على سقي الشجر وتهذيب اغصانه، والرفق به في البيت وفي الشارع. او درب على اصلاح ما يكسره في البيت، او حرمانه من مصروف جيبه اذا اتلف في البيت شيئا، بحكم انه ارتكب الاضرار بالمصلحة العامة. او كرر على مسامعه بأنه ابن فلان الذي كان يحمل القيم الفلانية ويعتز بلغته القومية ودينه الطاهر النظيف. لو درب على كل هذه الايجابيات والفضائل وحذر من تلك السلبيات والرذائل لما وصل الى المدرسة إلا وهو عالم يوجه استاذه لا ان يتلقى منه التربية. ان ما يحصل اليوم في المدارس هو ان المعلم مطالب بالتربية والتعليم، في حين ان التربية دور البيت، والمعلم دوره التعليم فقط. ان المعلم عندما كلف بمهمتين وكلتاهما شاقة لم يتمكن من اداء وظيفته لان الوقت لا يتسع، والمعوج لا يستقيم في لحظات. فصار يلقنه تلقينا ولا يفهمه تفهيما وبذلك صار الولد يتأهل لدخول الامتحان الذي هو عبارة عن بضعة اسئلة على الورق يجيب عنها في ساعة. ولم يعد يتأهل لدخول الحياة المستقبلية التي تحتاج الى خبرة عملية وممارسات فعلية، وهنا حصلت الفجوة الكبيرة بين الطالب والغاية المنشودة من تعليمه. وبين المدرسة والغاية المرجوة منها ومن معلميها وبين الطفل والبيت الذي اصبح يخرج منه الطالب كل صباح خالي الذهن والبطن وليس خالي اليد. واقول ليس خالي اليد، لانهم يغدقون على اولادهم بالدراهم، ويظنون بأن ذلك هو المطلوب، فيميتون بذلك مشاعرهم. وانهم لو اغدقوا عليهم بالحب والحنان والمراقبة والمتابعة والمرافقة لاعدوهم للحياة اعدادا سليما، وتلكم لعمري هي المهارات الحياتية التي تنشدها الوزارة وهي التربية الوطنية الحقة التي يجب ان يتربى عليها كل طفل منذ نعومة اظفاره أليس كذلك؟