قال الدكتور عبد الخالق عبد الله مدير مركز الدراسات بصحيفة "الخليج" ان العولمة اصبحت تعني زيادة حضور وزيادة تأثير على الشكل العالمي وان تأثيره امتد من مكان لآخر وبات واضحا كيف تؤثر على الدولة وعلى القناعات بشكل خاص. واضاف في الندوة التي نظمتها كلية العلوم الانسانية وشارك فيها الدكتورة حصة لوتاه رئيسة قسم الاتصال الجماهيري بجامعة الامارات والدكتور علاء نورس والدكتور محمد توهيل استاذ الاجتماع بكلية العلوم الانسانية ان الدولة التي كانت مركز السياسة خلال 300 سنة الاخيرة تأثرت كثيرا بالعولمة بل ان العولمة اثرت في كل جوانب الحياة والثقافة الاقتصادية وغيرها والسياسة ليست بمنأى عن هذا التأثير وان كانت هي الأكثر مقاومة حتى الآن لكنها سوف تتأثر بطبيعة الحال وسوف تتجه بطبيعة الحال للعولمة. وقال ان هناك 6 عوامل اثرت على السياسة بشكل خاص يمكن اعتبارها 6 ظواهر جديدة تأتي ايضا في سياق العولمة وهي: بروز المجال السياسي العالمي الذي اخذ يحل محل السياسة المحلية وهو ما يعتقد البعض انه اخذ يحل محل المجال السياسي المحلي والذي اصبح جزءا من الكل العالمي الذي اخذ يتضخم حتى اصبح الان من المحتم التفكير في العالم كوحدة سياسية او تخيله كوحدة سياسية واحدة، صحيح انه الآن ليس وحدة سياسية واحدة ولكن المؤشرات تشير الى ان هناك مجالا سياسيا عالميا موحدا، والعالم الآن نراه مجزأ ولكن عندما نقول انه يتجه للمجال السياسي العالمي نقصد ان هذه الدولة التي كانت وحدة سياسية واحدة اخذت تضعف ولم تعد تستطيع حلها جزئيا وهو ما يعني اننا بصدد بروز وقيام ادارة عالمية تدير العالم وبروز المواطنة العالمية والسؤال المطروح هنا هل بدأنا نتجه الى هذا العالم؟ ثم انتقل الدكتور عبد الخالق الى الظاهرة الثانية وهي ان السياسة في كل ارجاء العالم اصبحت مرتبطة بكل ارجاء العالم. ودلالات هذه المقولة ان القرارات التي تتخذ في عاصمة من العواصم تنتشر في بقية العواصم وما يخص مجتمع اصبح يؤثر في بقية المجتمعات والاحداث تنتشر وتصبح عالمية، وان التشريعات التي تتخذ في واشنطن تصبح مهمة وتنتشر في كل مدن العالم لقد تخطت العولمة اكثر من ذلك وأصبحت تبرز في صور كانت بعيدة عن الادراك في وقت ما، فمثلا قناعات رجل في كهوف افغانستان تقلق العالم كله ومقال في الواشنطن بوست قد يكتبه فريد مان قد يقلق كل قيادات العالم. وقال الدكتور علاء نورس ان الندوة تتصدى لموضوع هو اليوم الأكثر اثارة للجدل والمخاوف على الساحة الدولية وهو موضوع العولمة واضاف ان العولمة تؤجج صراعا واسعا في العالم كله ونحن نواجه تحديات ضخمة خطيرة تحديات يجب ان تواجه بأصفى ما نمتلك من فكر وانقاذ ما نقدر عليه من عمل، حيث نعيش الآن مرحلة من مراحل التهميش والتفتيت والالغاء وتهجين القيم، نحن الآن في مأتم كبير هم يريدون ان نتكلم بالاسلام ولا نعمل به، ان العولمة هي احتلال الوعي. واضاف د. علاء هناك من يقول بحتمية خيارات العولمة وهناك في اوروبا من لا يقبل بالعولمة ويكشف زيف وعودها في مكتبة زايد 89 عنوانا لمؤلفات عن العولمة باللغة العربية واللغة الانجليزية ومن أهم هذه العناوين كتاب بعنوان الكذبات العشر للعولمة ومن اهم الحقائق التي برزت ان هناك الفا من الشركات الكبرى المتعددة الجنسيات تسيطر على اكثر من نصف حركة التجارة العالمية و358 مليارديرا عالميا يملكون ما يملكه 25 مليار انسان على الكرة الارضية وانه من الكذبات العشر ان العولمة تعد فرصة للتخلص من البطالة وان العولمة تنتج تنوعا في كل مكان بالعالم ولا قدرة على خلق فرص العمل وتحقيق الرفاهية وان البلدان النامية تربح في العولمة. واضاف د. نورس ان ظاهرة العولمة تثير انقساما لم يسبق له مثيل في العالم فالبعض يعتبرها مصدرا للثروات والنمو الاقتصادي والبحبوحة والبعض الآخر يرى ان العولمة تشكل تهديدا خطيرا للاستقرار الاجتماعي والبيئة الطبيعية بل وحتى لوجود الحضارة الغربية نفسها. واكد الدكتور علاء نورس ان التغيرات التي ستحدثها العولمة كاسحة بحيث يمكن التحدث قريبا عن تاريخ بشرى منشطر الى قسمين ما قبل العولمة وما بعدها واليوم اصبح 358 مليارديرا عالميا اغنياء بتلك الطريقة التي تماثل فيها ثرواتهم مجموع ما يملكه 8ر2 مليار انسان اي قرابة نصف سكان العالم. وقال الدكتور محمد توهيل ان 95% من الزيادة السكانية العالمية تتركز في المناطق الفقيرة من الكرة الارضية فلن يبقى السؤال فيما اذا كانت هناك حرب جديدة انما من اي نوع ستكون ومن سيقاتل مشيرا الى ان هذا الوحش القادم من وراء البحار اصبح مدعاة للقلق ليس بالنسبة للعرب فحسب وانما لكل الشعوب المستضعفة والمغلوبة على امرها.. لم تأت هذه الظاهرة من فراغ وانما هي امتداد للحقائق التي تجذرت غداة الحرب العالمية الثانية فقد نسب الى الرئيس الامريكي روزفلت قوله بعد انتصار الحلفاء قبل اكثر من خمسين سنة، الآن يجب امركة العالم ومنذ ذلك التاريخ والحروب تتوالى لتهدأ الامور في منطقة ما لتندلع الحرب في مكان آخر حصلت مصادمات في الحرب الباردة بعد ان اسدل استالين ستارا من حديد على اوروبا الشرقية ولم يعد احد يعرف ما الذي يجري خلف هذا الستار يومها قال وزير خارجية امريكا جون فوستر دالس سنطوي السجادة الشيوعية في اوروبا والعالم وبالفعل خاضت امريكا حروبا متعددة في كوريا وفيتنام ولاوس وكمبوديا والشرق الاوسط وجنوب السودان والفلبين وتايلند.. مارست امريكا ضغوط اقتصادية ضد اية دولة تتمرد على اوامرها.. واستطاعت ان تحقق بسلطة الدولار ما عجزت عنه بقوة السلاح.. هذه الاوضاع جاءت لتكون جميعها حلقات في استراتيجية التربع التي تبنتها ونفذتها الولايات المتحدة بنجاح مذهل، فالدولار وسباق التسلح وشمولية التخطيط الاستراتيجي ساهمت كلها في ان اصبح العالم احادي القطبية بسيطرة امريكية مطلقة هنا نظام عالمي انهار تماما عام 1990 لتشرف على انقاضه قوة جديدة هي الولايات المتحدة بقدراتها التكنولوجية والعلمية والعسكرية والاقتصادية والاعلامية الهائلة منذ ذلك التاريخ اصبحت امريكا هي «المايسترو» الذي يقود الاوركسترا الدولية منذ ذلك التاريخ أيضا تغيرت المفاهيم والسلوكيات وبدأت كل دولة تبحث عن سبل الولوج الى القفص الامريكي اخذ كل نظام في هذا العالم يسعى للحصول على احسن سلوك في الامريكان ولم تبخل امريكا بنصائحها لانظمة العالم الثالث خاصة.. فتحرك فجأة قطار الديمقراطية وذرف البعض دموع التماسيح على حقوق الانسان التي داسوها باقدامهم بلا رحمة. ومصير هؤلاء الذين يحاولون التنبؤ بالمستقبل امر لا يحسدون عليه عادة فهم من ناحية يتهمون «بالارهاب» ومن ناحية اخرى قد يوصفون انهم «ذوي غفلة» يتم تجاهلهم حين يكونون على خطأ ويقابلون بالامتعاض حين ثبتت صحة تنبؤاتهم.. العولمة اذن ليست حفلة موسيقية او محاولة لرسم الوجه الجميل لهذا العالم.. انها ظاهرة شائكة وغامضة ومتداخلة.. انها بحق «مطبخ الشيطان» فهناك حرب الكل ضد الكل وحرب الجميع ضد الجميع ومخاطر الحرب الشاملة تتصاعد وهي الحرب التي حذر من وقوعها المفكر الانجليزي توماس هوب قبل 500 سنة. الضاحك الثالث في هذه الاوضاع المأسوية هي صانعة العولمة الولايات المتحدة الامريكية.. هذه العولمة الامريكية مثيرة في حقائقها الضخمة في اوهامها الضخمة والتي اصبحت واسعة الانتشار بل هي اكثر انتشارا من الحقائق.. وهي ليست شبحا مزيفا.. العولمة معنا في كل مكان نحس بها كل يوم وعلى كل صعيد ومع ذلك هناك من يحذرنا من فخ العولمة.. هذا التحذير نوع من التحزير.. لاننا داخل الفخ وليس خارجه فنحن الآن «معولمون» حتى وان كابر البعض بعكس ذلك فلم يعد احد يسمع منا او يستمع الينا.. والعالم يسمع عنا في غيرنا اذن حتى لا نبقى اسرى الشعارات الزائفة التي سحقتها المستجدات على الساحة العالمية وجب علينا ان تستنهض الهمم لكي نبقى في الساحة ونشارك في اللعبة ونبقى في السباق الدائر واولئك الذين لا نستطيع قهرهم وجب علينا ان نهاونهم ان ندرسهم ان نتعلم منهم.. ان نعلم مثلهم.. ان نتفوق عليهم في المدى البعيد صحيح ان سيف ديموفليس المسلط على رؤوسنا يحول بيننا وبين النهوض.. لكن علينا ان نحتفظ بالعين اليمنى على الحق وبالعين اليسرى على الحقيقة فان لم نكن عربا مسلمين فمن نحن اذن؟ نعم اننا نشهد تبلور مستوى جديد للوعي العولمي وهناك تراجع ملحوظ لقوة الشعور بالهوية والانتماء والا كيف نفسر هذا السكوت على ما يجري بالعرب والمسلمين. من الواضح ان الاوضاع الدولية الجديدة والاحداث التي نعايشها الآن هي اوضاع وحدود واحداث صنعتها العولمة فلا حدود واضحة للضعفاء ولا حدود واضحة للاقوياء.. لان حدود الضعفاء تنهار نحو الداخل بمعنى ان حدودهم تتلاشى.. بينما تنهار حدود الاقوياء نحو الخارج بمعنى انهم يمدون نفوذهم الى افكار غيرهم وبينما الاقوياء يضعون الاحداث.. نرى الاحداث تصنع للضعفاء مصيرهم. الاقوياء يأخذون ما يريدون ومتى يشاؤون فيما الضعفاء يستسلمون لما يعطى لهم من الاقوياء.. ذلك ان البندقية تزرع والسياسة تحصد.. والى جانب ذلك نرى الغرب المهيمن يعاملنا بأسلوب «الجزرة والكرباج».. فهم يدركون نقاط الضغط لدينا.. يرضونا اليوم.. لكي يردونا غدا.. يصفون الجياع العرب والمسلمين بأنهم بطون عابرة للقارات تبحث عن لقمة العيش في بلاد الغرب. اننا نبسط الامور حين تعزم العولمة في اطار الاقتصاد او الثقافة او الاعلام.. لعلكم تابعتم ما فعله الباحث الامريكي صاموئيل في عام 1993 حين نشر كتابه الخطير حول «صراع الحضارات» حيث تنبأ هذا الكاتب بأن القرن الحادي والعشرين سيشهد صراعا مريرا بين الغرب والاسلام للسيادة على الكرة الأرضية وايدته في ذلك وسائل الاعلام الامريكية والاوروبية التي ذهبت بدورها الى ابعد من ذلك وطالبت بإعادة تركيب العقل العربي الاسلامي إعادة تربية بحيث تنصهر هوية العرب والمسلمين في الهوية العلمانية التي رفع لواءها الغرب كمظلة للعولمة الجديدة اذا فهمنا التاريخ على انه تاريخ الصراعات البشرية.. تاريخ صراع الارادات استطعنا ان نستوعب جوهر ما يجري الآن.. هم يدركون منطق التاريخ ولديهم مشروع واضح المعالم.. فمن غير الطبيعي اذن ألا يكون لنا مشروع الهمم الا اذا اردنا ان نخرج من التاريخ.. وارى انه مازال في السراج العربي شيء من الزيت.. والويل كل الويل اذا نفد الزيت وانطفأ السراج. وقالت الدكتورة حصة لوتاه ان قضية العولمة قضية حياة ومصير وتداخلات عديدة، وهي موضوع شائك وهناك كثير من الامور التي يجب اخذها في الاعتبار ونحن هنا في بلد تلمسنا فيه العولمة بشدة رغم اننا لم نوضح للعالم مالذي تعنيه العولمة بالنسبة لنا ولذا فان النقطة التي اركز عليها هذا اللحظة هي علاقة العولمة بوسائل الاعلام وذلك بحكم تخصصي وبالتالي نحاول ان ننظر لها بمنظور واسع هناك مظاهرات ضد العولمة ماذا يعني ذلك، هل هو ضرب من الجنون او نوع من الانبهار او هو الرفض، ثم استأنفت قائلة العولمة قضية مرتبطة بنظرية ان العولمة قرية صغيرة وان العلاقات اسهل فيها بينها وبين بعضها ولكن هل هذا الأمر صحيح؟ ولماذا ضاق مزارعو اليابان بمسألة العولمة اذا كانت المسألة مسألة رفاهية، فاليابان كنموذج يعني محصول الارز لها قضية وطنية وكان دعم الحكومة للمزارعين الذي يزرعون الارز امرا اساسيا ولكن العولمة فرضت على اليابان السماح بدخول ارز من دول اخرى وذلك يعني اضعاف للناتج القومي وهو محصول وطني وبالتالي القضاء على الصورة الوطنية الشعب الياباني وبالتالي قامت المظاهرات في اليابان ضد العولمة لان القضية مست مسألة وطنية بالنسبة للشعب، لذا فانا من المتشائمين بالنسبة لمسألة العولمة وبالتالي فانها بالنسبة لنا سوف تنهار الكثير من الرموز الثقافية، وهل نحن نمتلك كأمة امكانيات التعامل مع العولمة او الدخول ضمن القرية الصغيرة وهل نمتلك المقدرة بنفس الكفاءة والقدرة للتعامل معها بحضورها. واضافت د. حصة العولمة معناها ان العالم يتجه الى وجود قوة سيطرة على العالم وهذه القوة او هذه الفئة تتحكم في العالم ولكن ماذا تعني العولمة في تفاصيل حياتنا اليومية، هناك بلاشك تأثير في الثقافة وبشكل الأكل والذوق وهذا كله يعتبر جزءا من العولمة وهذه هي برمجيات الثقافة، فالثقافة تتجه لان تكون شكل احادي والأجيال الآن قبل اهتمامها بالماضي ورموزه كل هذه الامور تحتاج للوقوف والتأمل وتساءلت ماذا تعني العولمة بالنسبة لنا في الامارات؟ انها تعني ببساطة ان أهل الامارات هم الأقلية فكريا في التعامل مع الحياة وحتى في القوة والعولمة زيادة في الانفاق العسكري على حساب اوجه الانفاق الاخرى، والعولمة تعني اتساع رقعة الفقر في العالم والشركات التي تهيمن على الاقتصاد تقلصت وتركزت في شركات معينة الاتصالات اصبحت تحتكرها 3 شركات عالمية فقط، كل هذه المسائل تحتاج لوقفة لماذا؟.. لان الحروب والفقر زاد حتى في امريكا عندما ننظر اليها عن قرب نجد ان هناك معاناة فيها اكثر من المعاناة في غيرها من دولنا لان المعاناة هناك بها قسوة شديدة. كذلك سوف يحدث انحسار للتعددية الثقافية وهناك الآن من يرفع صوته قائلا ان نسبة الحريات تقلصت وكانوا هم انفسهم يتهكمون على قانون الطوارئ في مصر ولكن الآن ماذا نقول عن امريكا بعد قوانين تقليص الحرية، حتى الشكل اصبح فيه عولمة واصبح الجلباب والشكل الاسلامي معناه الارهاب، وهيمنة دول العولمة اصبحت الآن اكثر وضوحا في جانب الاتصالات عن اي جانب آخر. ان امريكا اكبر دولة ارهابية في العالم تاريخ نشأتها يقول ذلك، لقد نشأت على استبعاد اهل البلاد الاصليين كما نشأت على سياسة الذراع الحديدية والعنف وكلما انحسرت مجالاتها زادت شراستها، كما انها الآن اصبحت تعاني بشدة من تدني القيم الانسانية. ثم دارت عقب ذلك مناقشات بين المحاضرين والاساتذة والباحثين الذين حضروا الندوة حيث نوقشت فكرة العولمة وتأثيراتها من كل جانب وتولى الدكتور عبد الخالق والدكتورة حصة والدكتور نورس والدكتور توهيل الرد على اسئلة الحضور. تغطية: محمود عبد الكريم