تمثل قضية توظيف المواطنين بالقطاع الخاص مشكلة متعددة المستويات فهي من ناحية تتعلق بجانبي العرض من القوى العاملة الوطنية والطلب عليها وقبولها للعمل دون النظر لفروقات الرواتب، وكذا وقت الدوام والنظر الى الخبرة المكتسبة من العمل بالمؤسسات الخاصة بعين الاعتبار كذلك حث المواطنين من اصحاب المؤسسات الخاصة بجدية التوطين بمؤسساتهم بنسب تواكب ما عليه الحال بالقطاع الحكومي ان لم يكن بدرجة اكبر وطرح نظام حوافز ملائم. ويتطلب ذلك تكاتف كافة الجهات المعنية مثلما حدث بقطاع البنوك حيث تدخلت الحكومة بخطة محددة لزيادة مشاركة المواطنين بالقطاع الخاص. «البيان» طرحت القضية على عدد من مسئولي وزارة العمل والشئون الاجتماعية وكذلك عدد من الخريجين المواطنين الباحثين عن عمل لاستطلاع آرائهم ومعرفة حقيقة موقفهم بشأن عزوفهم عن العمل بالقطاع الخاص وهل يرجع ذلك كما يتردد لتدني رواتبه وطول فترة الدوام وجدية العمل والانجاز بالقطاع الخاص عنه بأي قطاع آخر. وفيما يلي حصاد النقاش. يقول احمد محمد كاجور وكيل وزارة العمل المساعد لتخطيط القوى العاملة للحصول على وظيفة بالقطاع الحكومي او الخاص لابد من الخبرة فهي مطلوبة في شغل أية وظيفة لاسهامها في رفع الكفاءة وبالتالي تطوير وتيرة العمل مشيرا الى ان السؤال الذي يفرض نفسه عندما يتقدم اي مواطن للعمل خبراتك السابقة والسؤال هنا ليس عن الخبرة بقدر معرفة ماهية الاعمال التي مارسها اذ ان صاحب العمل ينظر جديا ويتساءل لماذا ظل هذا الخريج لسنوات دون عمل؟ فلا بد لان يبحث عن نوعية معينة ومطلوبة من العمل وبالتالي فهو غير جاد في بحثه. ويضيف ان الانطباع السائد هو ان المواطنين يبحثون عن الوظائف البسيطة السهلة. ويناشد المواطنين من ذكور واناث قبول اية وظيفة لان كل وظيفة حتى ولو كانت خارج نطاق تخصصه ستكسبه خبرة لم يكتسبها من قبل وسترفع من كفاءته حتى ولو كان المردود المادي بسيطا مشيرا الى ان اصحاب الخبرة بعدما يكتسبونها من هنا وهناك يستطيعون بعد ذلك فرض انفسهم وخبرتهم وعملهم على كافة القطاعات سواء خاصة أو حكومية. وأكد حميد بن ديماس وكيل وزارة العمل المساعد للشئون الادارية والمالية على ان ظاهرة عزوف المواطنين عن العمل بالقطاع الخاص موجودة بالفعل ولا نستطيع ان تنفيها. ولكن السؤال الذي يفرض نفسه من المتسبب في هذا العزوف، هل المواطنون انفسهم ام ان مؤسساتنا الخاصة زهدت في الاستعانة بالعنصر المواطن؟ ويشير الى ان الطرفين يتحملان المسئولية فالعنصر المواطن شأنه شأن معظم الشباب الخليجي بالمجتمعات الخليجية يبحث عن الوظيفة الايسر والاسهل ذات الدوام الواحد بعيدا عما يلاقيه بالقطاع الخاص من محاسبة على الانتاج في العمل وتطبيق مبدأ الثواب والعقاب مشيرا الى ان معظم الاعمال الحكومية في كل الدول حتى المتقدمة منها تتسم بالمرونة والتراخي وتفتقد محاسبة موظفيها عن انتاجيتهم مما يدفع بالمواطنين الى السعي لان يحظى بوظيفة حكومية حتى ولو تطلب منه هذا الانتظار لسنوات دون عمل. ويضيف ان هذا لا ينفي وجود بعض مواطنينا ذوي الحماس الذين يسعون لاكتساب الخبرة على حساب فرق الراتب مضحيا بوظيفة حكومية ومفضلا عليها العمل بالقطاع الخاص، أما المؤسسات الخاصة واصحابها فهم يتحملون ايضا المسئولية خاصة المواطنين منهم من اصحاب الشركات الذين يتولون مناصب قيادية حيث نجد مؤسساتهم تشكو قلة وهجر العنصر المواطن بها مشيرا الى ان السبب ليس عزوف مواطنينا ولكن رفض اصحاب المؤسسات الاستعانة بهم بحجة انهم ليسوا اصحاب خبرة وكفاءة وليسوا منتجين ويرفضون العمل الا برواتب يحددونها هم ودوام حسب رغبتهم. واعرب حميد بن ديماس عن امله في ان تكون النظرة من قبل اصحاب المؤسسات الخاصة المواطنين منهم نظرة وطنية بحتة وليست تجارية تهدف للمكسب فحسب مشيرا الى انه ينبغي ان يكون للدافع الوطني الاولوية والمبادرة وان تكون البداية منهم للاستعانة بمواطنينا بمؤسساتهم حتى يحذو اصحاب الشركات الاخرين حذوهم. ويضيف: كما انه ليس من المنطق ان نطالب اصحاب المؤسسات الخاصة من المقيمين بتشغيل المواطنين ونحن نفتقد لهذا الدور. واثنى على تجربة معالي احمد حميد الطاير وزير المواصلات في توطين القطاع المصرفي والذي بلغ العدد الاجمالي للمواطنين به حتى نهاية العام الماضي 2473 مواطنا ومواطنة اي بنسبة زيادة مقدارها 93.5% عن العدد الاجمالي للمواطنين العاملين منذ بداية عام 97 والذي بلغ 1278 مواطنا ومواطنة. وتساءل حميد بن ديماس لماذا لا نتوجه لقطاع التأمين أو قطاع المقاولات مشيرا الى ضرورة انشاء مراكز تدريب من قبل المؤسسات الخاصة، تساهم فيها الحكومة وتعمل على تدريب المواطنين وتأهيلهم للعمل بهدف تسويق فكرة الحث على العمل بالقطاع الخاص. واشار الى ان اي اقتراح يتطلب تضافر كافة الجهود من وسائل اعلام وقيادات واصحاب الشركات حتى تكون هناك جدية في التنفيذ وحتى لا يصبح الامر مجرد حبر على ورق. وفيما يخص التفاوت فيما بين رواتب القطاع الحكومي والخاص فانه من الممكن ايجاد آليات وصيغ عمل يشارك فيها الجميع كذلك من الممكن ان تكون هناك تعديلات على قوانين العمل المطبقة على القطاع الخاص خاصة بالمواطنين تطبق عليهم او تشريعات من شأنها ان تقرب التفاوت بين القطاع الحكومي والخاص في ساعات الدوام والرواتب. وأكد على ان الريادة مستقبلا للقطاع الخاص الذي بدأ يتنامى ويبرز دوره مشيرا الى ان الحكومات بدأ تخصخص مؤسساتها. وذكر احد مدراء الاداريات بوزارة العمل رفض ذكر اسمه ان السبب في عدم مراجعة معظم المواطنين لهيئة تنمية الموارد البشرية يرجع لعدم معرفة الكثير منهم بالهيئة ودورها وان من مهامها تدريب المواطنين وتأهيلهم ومن ثم توظيفهم بالقطاع الخاص في ضوء الشواغر التي لديهم من مؤسسات القطاع الخاص. ويقترح ضرورة اصدار قرار من مجلس الوزراء يفرض نسبة تعيين عدد من المواطنين بكل مؤسسة خاصة ووضع حد ادنى للرواتب مشيرا الى ان نسبة الارباح التي تعلن عنها كافة المصارف العاملة بالدولة سنويا تعرض عليها ان يكون 5% من العاملين لديها من المواطنين فهناك اعداد لا تتعدى اصابع اليد الواحد من مواطني الدولة يعملون بتلك المصارف. وفي رد شباب الخريجين والخريجات الباحثين عن فرص عمل والذين التقت بهم «البيان» في طرقات وزارة العمل لتقديم طلباتهم للوزارة بشأن البحث عن فرص عمل في أي قطاع حكومي او خاص تقول سلوى محمد المهيري خريجة جامعة الامارات تخصص دراسات اجتماعية عام 2000 قدمت للعمل في معظم وزارات الدولة وفي مقدمتها التربية التي كنت اضع عليها آمال عريضة في ان اجد بها فرصة عمل كمعلمة ولكن كان رد الوزارة انها مكتفية في مجال تخصصي ونفس الرد من كافة الوزارات ان هذا التخصص غير مطلوب كما قدمت في اكثر من مؤسسة خاصة وخضعت لاكثر من مقابلة وارتضيت براتب حتى ثلاثة الاف درهم والعمل فترتين حتى اكتسب خبرة ولكن لم احظ بفرصة في اي مكان كذلك قدمت في قطاعات مصرفية دون جدوى. وتؤكد سلوى المهيري ان معظم شواغر الوظائف التي يعلن عنها يتم شغلها مسبقا قبل الاعلان عنها بالوساطة وتأتي الاعلانات عنها والمقابلات مجرد «سد خانة» او روتين يجب ان يتم مشيرة الى ان الاسئلة التي تطرح علينا في هذه المقابلات استفزازية وليست منطقية ولا عملية. وتحكي عن سؤال وجه اليها في احدى المرات عندما ابرزت شهادة تشير الى حصولها على دورة تدريسية في اللغات فكان السؤال: ما اسم الشارع الذي يقع فيه المعهد الذي درست به. كذلك وجه اليها في احدى المقابلات اتهام بأن الشهادة التي تقدمت بها من جامعة الامارات مزورة ليرو رد الفعل لهذا الاتهام الاستفزازي. وتقترح ان يتم اغلاق قسم الدراسات الاجتماعية بالجامعة طالما ان العدد كافٍ وخريجيه غير مطلوبين. وتعرب أمل محمد التي تخرجت من جامعة الامارات ونفس التخصص عن اسفها لهذه المعاناة التي تعاينها ابنة الامارات في البحث عن وظيفة شاغرة بعدما ارتضت براتب متدن او قليل والعمل فترتين وتقول علمنا ان وزارة التربية كانت قد اقترحت منذ سنوات ان تخضع الخريجات من غير المتخصصين بالتدريس لدورات تأهيلية تعملن بعدها بالتدريس كمعلمات فصل. وتقول عبير العلي والحاصلة على ثانوية عامة عام 1995 وكذلك حاصلة على شهادة دورة سكرتارية وكمبيوتر لم اترك باب الا وطرقته وقدمت فيه من الشارقة وحتى ابوظبي وكلها وعود ليس اكثر من كهرباء وماء واتصالات والهجرة ولكن دون جدوى. وتروي ما حدث عندما تقدمت لمكتب عمل وعمال الشارقة منذ سنتين ورشحوها للعمل باحدى فنادق الشارقة ثلاثة نجوم وتقدمت بالفعل برسالة وبراتب تم تحديده على انه 3800 درهم وارتضيت بالعمل رغم اعتراض الاهل في بداية الامر والتقاليد التي تحكمنا مشيرة الى انه عمل اداري وبعدما وافقت وراجعت ادارة الفندق فوجئت براتب 1200 درهم وانهم اكراما منهم سيزيدون راتبي 200 درهم اخرى ورفضت بالطبع ولم اراجع مكتب العمل مرة اخرى. وتضيف ليس من المعقول ان ارضى براتب 1400 درهم من منطلق اني اكتسب خبرة. وتأمل ان تحظى بوظيفة اليوم من خلال ما اعلنت عنه وزارة العمل من وجود وظائف شاغرة وتقول شريفة جاسم ثانوية عامة عام 94 قدمت باماكن عديدة ولا حياة لمن تنادي وقدمت لهيئة تنمية الموارد البشرية منذ ثلاثة اشهر ولا مجيب واليوم جئت لوزارة العمل لاجراء مقابلة بناء على اعلان لطلب وظيفة تقدمت به منذ خمسة اشهر واعتقد اني وفقت في اجراء المقابلة. وتؤكد شريفة انها تقدمت لوظائف بأبوظبي رغم انها من عجمان وكانت جادة في ذلك مشيرة الى انه في حال قبولها كانت ستقيم مع اهل يقيمون هناك ولكنها تتساءل اين الوظيفة؟ ويقول عمر عبدالعزيز الماجد والحاصل على ثانوية عامة عام 97 تركت الدراسة الجامعية حيث كنت ادرس بكلية الاداب قسم علم نفس لظروف طارئة ومن وقتها وانا ابحث عن فرصة عمل ولكن ليس معنى ذلك ان ارضى باية وظيفة مشيرا الى انه نظرا لصعوبة المعيشة ومتطلبات الحياة فان الراتب لن يجدى في حالة ما اذا كان اقل من 6 آلاف درهم وكذلك ولانني لا افضل العمل بفترتين فذلك فانا ابحث عن دوام فترة واحدة وقد يطول بحثي ولكن امل ان احصل في النهاية على مبتغاي. ويضيف عمر عبدالعزيز ربما يكون المؤهل عائق امام الحصول على عمل ولكن لا اتوقع ان احصل على راتب يصل الى 6 أو 7 آلاف درهم بالقطاع الخاص وان وجدت فيقف دوام الفترتين عائق أمامي. تحقيق محسن راشد: