ساد جو من الوجوم والتشاؤم الجلسة الثانية والختامية للندوة التي حملت عنوان «مجلس التعاون المسار والمصير» التي استضافها نادي دبي للصحافة على مدى اليومين الماضيين بمشاركة عدد من الاكاديميين والاختصاصيين في الشئون الخليجية لتقييم تجربة المجلس وانجازاته على مدى العشرين عاما الماضية. ادار الندوة سفير الامارات السابق في واشنطن محمد حسن الشعالي الذي اوضح ان مجلس التعاون الخليجي الذي أتم عامه الـ 20 يحتاج الى تقييم جاد لاسيما في ظل الظروف السياسية الحرجة التي يعاني منها العالم بأسره والمنطقة العربية كأحد اهم اطرافها. واستعرض مستشار مجلس التنمية الاقتصادية في البحرين الدكتور محمد العسومي مسيرة المجلس الاقتصادية خلال العقدين الماضيين والظروف المحيطة بها واعتبر ان هذه المسيرة لم ترتق الى مستوى التحديات السياسية والاقتصادية والأمنية التي واجهتها دول المنطقة وان انجازاتها الاقتصادية محدودة جدا ولاتزال في المرحلة الاولى الخاصة بايجاد منطقة للتجارة الحرة من ضمن اربع مراحل يمكن خلالها استكمال الوحدة الاقتصادية بين دول المجلس مشيرا الى ان القدرات الاقتصادية لدول المجلس ذات تأثير بالغ باعتبارها مزودا رئيسيا واحتياطيا ضخما لاهم مصادر الطاقة في العالم مما يؤهلها للمساهمة بصورة فعالة في قيام وتعزيز السوق الخليجية المشتركة. واوضح العسومي ان معظم بنود الاتفاقية الاقتصادية الموحدة بقيت معلقة خلال العقدين الماضيين بالاخص البنود الهامة منها، واقتصرت عملية التنفيذ على بعض البنود الخاصة بالتملك العقاري الجزئي وفتح الاسواق امام انشطة بعض المهن المتخصصة وهي انجازات لاتتناسب والفترة الزمنية المنقضية منذ تأسيس المجلس وبالتالي يمكن القول بأن التعاون الاقتصادي الخليجي كان مهمشا وغير فعال، كما انه خضع لتقلبات مصالح فئات اجتماعية نافذة في المنطقة مما لايستقيم والعمل الاقتصادي المشترك والرامي الى حفظ مصالح دول المجلس ككل منوها الى انعدام المؤشرات على جدول اعمال قمة مسقط المقبلة بوجود نقاط اقتصادية هامة باستثناء تلك المتعلقة بتقديم موعد تطبيق الاتحاد الجمركي ـ الى عام 2003 بدلا من 2005 علما بأن هذا التطبيق تأخر خمسة عشر عاما عن موعده المقرر في عام 1988. تكتل خليجي قوي وحول آفاق التعاون الاقتصادي الخليجي في ظل التطورات العالمية والاقليمية تلمس الدكتور العسومي هذه الافاق من خلال سيناريوهات ثلاثة الاول منها يتضمن بقاء التعاون الاقتصادي الخليجي مترددا وان تبقى الاوضاع الاقتصادية في دول المجلس منغلقة على ذاتها ومعبرة عن المصالح الآنية لبعض الفئات الاجتماعية المتنفذة، بحيث تتحول دول المجلس مع مرور الزمن الى هيكل مصغر للسوق العربية المشتركة التي اتفق عليها في منتصف الستينيات وبقيت اسيرة ادراج جامعة الدول العربية على مدى الاربعين عاما الماضية، كما بقيت الاتفاقية الاقتصادية الموحدة اسيرة ادراج الامانة العامة لدول المجلس على مدى العشرين عاما الماضية. اما السيناريو الثاني فيتمثل في تعرقل مسيرة المجلس بشكل عام ومسيرته الاقتصادية على وجه التحديد، بسبب عدم قدرته على التأقلم مع المستجدات الاقليمية والعالمية وان تتفاوت التغييرات الداخلية بصورة كبيرة بسبب ازدياد تفاوت مصالح الفئات الاجتماعية المتعددة، بحيث يتحول المجلس الى اطار شكلي وان يتم التراجع عن بعض المكاسب التي تحققت خلال العقدين الماضيين. اما السيناريو الثالث فيتمثل في تطور مسيرة المجلس، وبالاخص في المجال الاقتصادي في سنوات العقد الحالي باتجاه اقامة تكتل خليجي قوي ومتماسك ويعمل ضمن مجموعة من المنظومات التي تميز التكتلات الحديثة والناجحة وبالاخص الاتحاد الاوروبي. واضاف انني اميل الى ترجيح السيناريو الاخير على اعتبار ان البديل سيكون مخيفا وربما يؤدي الى جمود منظومة مجلس التعاون ويضر بمصالح كافة دوله دون استثناء. وتطرق الدكتور العسومي الى ضرورة توافر متطلبات ومستحقات للسير نحو بناء تكتل خليجي قوي ومتماسك اهمها على المستوى السياسي والهيكلي تعميق التحولات الايجابية الداخلية واستكمال بناء مؤسسات المجلس بافساح المجال امام مؤسسات المجتمع المدني للمشاركة في البناء الخليجي وبالاخص قيام المجلس التشريعي الخليجي المعبر عن الارادة الجماعية لدول المجلس فعلى مدى العقدين الماضيين شكلنا كشعوب خليجية الجانب المتلقي والسلبي للبيانات المكررة والمصاغة بأسلوب يتسم بالغموض والرتابة واعتبر الهيئة الاستشارية مؤسسة لاتملك صلاحيات، تشريعية ومكتفية من الناحية الشكلية باجتماع او اثنين في العام ترفع بعدها توصيات عامة وغير ملزمة علما ان تركيبة هذه الهيئة ضعيفة بشكل عام وتتكون في معظمها من وزراء ومسئولين سابقين. وعلى المستوى الاقتصادي طالب «العسومي» بصياغة العمل الاقتصادي الخليجي على اسس جديدة ومعبرة عن المصالح المستقبلية العليا لدول المجلس وعدم السماح بتغليب المصالح الآنية للتجزئة الاقتصادية والاسراع في تفعيل البنود المجمدة من الاتفاقية الاقتصادية، وبالاخص التعرفة الجمركية والعملة الموحدة وتحقيق المواطنة الاقتصادية وتوحيد السياسات المالية وقيام السوق الخليجية المشتركة والمستندة على مصادر الدخل المتنوعة على اعتبار ان النفط ثروة آيلة للنضوب لا محالة. وعلى المستوى الامني اوضح الدكتور العسومي ان دول المجلس بوضعها الحالي غير قادرة على مواجهة التحديات والمخاطر بشكل منفرد عى الرغم من الانفاق الخيالي على الدفاع والامن ولاتجد امامها سوى اما التحالف مع قوى خارجية عظمى علما بان هذا الخيار لا يحمل صفة الاستمرارية ومرتبط بديمومة القوى العظمى وبالاخص النفطية منها في المنطقة او تشكيل قوة حقيقية وتحالف امني وخليجي يستند على دعم شعوب المنطقة الراضية والمتمسكة بأنظمتها الشرعية الحالية والتي تحكمها دساتير ومواثيق اقرت في استفتاءات عامة. الثقافة في الفكر العربي ثم تحدث الدكتور محمد الرميحي الأمين العام للمجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب في دولة الكويت حول البعد الثقافي والاجتماعي لمجلس التعاون وقال ان الجانب الثقافي يدخل في الاقتصاد اذ نرى ان الجانب الاكثر نموا في الاقتصاد العالمي مرتبطا ارتباطا وثيقا بالعامل الثقافي فالصناعة الثقافية تدخل كقطاع مستقل واساسي في صيغ الثروة، وبات العامل الثقافي عنصرا مكونا تتزايد اهميته ونسبته في الناتج الدولي العام. وطرح الدكتور الرميحي تساؤلا هاما هو: لماذا تقدم الغرب وتخلفنا نحن؟ واوضح ان هذا السؤال طرق من قبل الكثير من المفكرين العرب في سنوات القرن الماضي واستقر رأي ثقاة من الباحثين على ان التخلف ليس بسبب مناخ او تضاريس او حتى نظام حكم فهناك اسباب ساعدت في عدم دخول ابواب التنمية ولكن السكوت عن بعض قيود البيئة الاجتماعية هو سكوت عن عمد لتجاهل بعض معوقات التنمية فالمعوق الكبير لتحقيق التنمية هو الثقافة السائدة في مجتمع بعينة ولابد اولا من درس ونقد الثقافة السائدة في هذا المجتمع للبحث في عناصرها وفرز المعوق منها. وبين المحاضر مفهوم الثقافة في الفكر العربي وقال ان الثقافة سلطة غير مرئية تساعد او تعوق المجتمع تردع الافراد والجماعات كما انها كمفهوم قد تطورت من مفهوم غامض يخلط الثقافي بالحضاري الى مفهوم مستقل بذاته. واشار الى ان اعادة الاعتبار لاهمية الثقافة في عملية النهضة وبناء الاوطان. تعتبر هاجسا للعديد من الكتاب العرب اليوم فقد نشأ التجاهل المثير للمسألة الثقافية نتيجة تغلب الوعي السياسي والاقتصادي واستبداده بالفكر العربي في نصف القرن العشرين تحت وطأة الخطاب الايديولوجي الثقيل ومعه تراجع الدور المعرفي والتنويري الى اخر سلم الاولويات. وخلص الدكتور الرميحي في ورقته الى ان المجتمعات الخليجية نتيجة لاعتمادها شبه الكامل على مداخيل النفط في تسيير أعمال المجتمع قد أحدثت خلطا شديدا بين قيم الحداثة وقيم التقليد، فنجد شرائح حداثية قليلة وشرائح تقليدية اكبر كما ان هناك اختلاط قيمي وثقافي بارز فلا الثقافة السياسية متوافقة اذ تعاني من خلط بين القيم القبلية السياسية وبين الدساتير الحديثة والثقافة الاجتماعية. واكد الدكتور الرميحي ان التغيير الذي ننشده لن يأتي دون صراع وليس بالضرورة ان يكون الصراع عنفا، قد يكون صراعا سياسيا وقد يكون صراع مصالح الا انه في النهاية يحقق التغير والتطور المرجو منه. علاقات واجبة واعتبر رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الملك سعود بالمملكة العربية السعودية الدكتور صالح عبدالرحمن المانع ان العلاقات الخارجية المستقبلية لدول مجلس التعاون الخليجي كانت على الدوام ذات طابعين الاول اقتصادي ضعيف فمحاولاته موؤدة ولم تنجز الشيء الكثير ولا تزال في اطارها الاولي نظرا لعدم توافر الآليات اللازمة والفعالة للتفاوض مع الجهات والمنظمات المختلفة مشيرا الى ان المجتمعات العربية لا تزال أسرى لوجودها الجغرافي وكحديقة خلفية للاوروبيين «على حد تعبيره». اما الطابع الثاني للعلاقات وهو الاستراتيجي والامني فقد رأى الدكتور المانع ان مجلس التعاون الخليجي ولد في أزمة وظل البعد الامني هاجسه الاوحد والدليل على نجاح الاتفاقيات الامنية هو تقديم الولايات المتحدة الامريكية الحماية اللازمة لدول مجلس التعاون الخليجي مقابل توفير أسعار مناسبة للنفط والدليل الحي عام 1991 بعد الاجتياح العراقي للكويت. واوضح المانع ان الرأي العام بدأ يلعب دورا كبيرا في التأثير على سياسة الحكومات وتطلعاتها وبعد أحداث 11 من سبتمبر والهجمات على نيويورك اصبح الرأي العام الامريكي يشن حملات شرسة ضد الدول الخليجية والعربية وبالتالي اصبح البعد الشعبي يلعب دورا حساسا في تشكيل سياسات الدول. ولفت المحاضر الى ضرورة اعادة صياغة أسس التحالف القديم باعتبارها مؤقتة مضيفا ان اعتماد الولايات المتحدة على النفط الخليجي لن يدوم طويلا وستجد لنفسها أسواقا بديلة. ودعا الدكتور عصام بن علي رواس عميد كلية الاداب والعلوم الاجتماعية بجامعة السلطان قابوس في سلطنة عمان الى نبذ النظرة التشائمية التي تلف المجتمعات العربية مؤكدا ان المجلس برغم عدم تحقيقه لانجازات هامة الا ان اجيال الغد هي التي ستحدد سمات مستقبل المجلس واهدافه وتطلعاته. واوضح ان الظروف المحيطة والازمات السياسية التي يمر بها العالم ستدفع المجلس الى مزيد من العمل الوحدوي وعلى جميع الابعاد مؤكدا ان المجلس سيحقق مستقبلا واعدا اذا حصل تنسيق شامل بين أطرافه. وقال ان التجربة الخليجية تجربة رائدة لكنها بحاجة الى اشراك مجتمعاتها في تشكيل المجلس وصياغة اهدافه وخطواته فدخولنا كاطراف في بعض المسائل كالقضية الفلسطينية ودعمنا اللا محدود لها جعل منطقة الخليج مستهدفة من قبل الدول الكبرى لذا اصبح التنسيق وحشد القوى وتوطيدها أمرا حتميا ولازما. تغطية: نورا الأمير