توقفنا في حلقة الاسبوع الماضي امام صورة حضارية مشرقة نبعت من قلب واقعنا وخرجت من بين صفوفنا هذه الصورة الحضارية تتجسد في فئة من الشباب اقبلوا على دينهم اقبال الظمآن على المورد العذب فاغترفوا من العلم والمعرفة ما سكب عليهم من نور اليقين والفهم، وهيأ لهم ان يتبوأوا المكانة والتقدير حيثما حلوا ونزلوا. هذه الشريحة الشبابية يمثلها في ايامنا هذه كوكبة من شباب الاسلام اتوا من أصقاع الأرض، ليتسابقوا في تلاوة القرآن. لقد حطم القرآن الحواجز النفسية وتجاوز الحواجز العرقية والغى المساقات الجغرافية ووحد المفاهيم والافكار على نحو غير مسبق وعلى صورة فاقت حد الخيال والظن. تأتي اذن هذه الكوكبة الشبابية التي اقترب عددها من السبعين لتصدح حناجرها تتلو آيات الكتاب الكريم في مسابقة حركت مشاعر الملايين، وسكبت على ليالي ايام رمضان المبارك نورا وألقا ضاعف من مساحة الشعور بحلاوة الصيام الى الشعور بروعة التربية في ظلال القرآن. ان هذه النماذج الرائعة لشباب الاسلام هم نموذج عملي على الارادة الحية التي متى ما وجدت في ضمير الشباب فانها تحركهم نحو السمو والرفعة. ولعل المتثاقلين من شبابنا والمتثائبات من فتياتنا ممن استرخت عقولهم وتسمرت ابصارهم تجاه الغرب ان يلتفتوا قليلا الى حفظة القرآن فيعقودا مقارنة سريعة للهوة التي تفصل بينهم وبين حفظة القرآن ممن يشتركون معهم في ذات المرحلة العمرية ولكنها الهمة التي ميزت بين الطائفتين!! ففي حين اعطى الكثير من شبابنا انفسهم اجازة مفتوحة من أي التزام جاد نحو ذواتهم فتركوا انفسهم نهبا للافكار الدخيلة والمريضة اقبلت فئة الحفاظ على ذواتها تدريبا وتعهدا وعناية فاغتنموا اوقاتهم فيما يزكيهم ويضاعف من رصيدهم في فهم الدين ويلبي حاجتهم في اكتساب شخصية قوية تؤثر في الاخرين ولا تتلاشى امامهم. ولان من يخطب الحسناء لا يغلها المهر فقد جاد هؤلاء الفتية بأوقاتهم للقرآن فلم يبخلوا بالساعات الطوال يهبونها للقرآن صحبة ومدارسة ومجالسة وتلاوة. ولعل المفارقة في هاتين الصورتين تكمن في الخلفية الثقافية التي انطلق منها هذا الفريق أو ذاك ففي حين تمتع أهل القرآن بثقافة نقية دفعتهم باتجاه الكتاب الكريم، حرم شباب الفريق الثاني من التربية الوقائية التي تحميهم من هجمات الافكار العابثة والدخيلة. لقد اختلطت منابع التوجيه وتباينت طرق التربية فكانت النتيجة لهذه التربية الهجينة ان اصيبت تلك الفئة بمرض فقدان المناعة الذاتي مما اثر على شخصيتهم واضعف من قدرتهم على المقاومة والتحدي. وما اصدق القائل من كانت بدايته محرقة فان نهايته مشرقة ولكنها الهمة التي ضاعت وسط ركام الدعوات الصادرة من كل صوب واتجاه حتى اصبح لسان حالهم ينطق بهذا التلاشي والذوبان للهمم والعزائم ويردد مع الشاعر العربي بيته الحزين: ولكل جسم في النحول بلية وبلاء جسمي من تفاوت همتي غير ان شاعرا عربيا اخر قدم وصفة مجانية لكل من يريد ان يكسب الجولة ويربح الرهان حين قال: فكن رجلا رجله في الثرى وهامة همته في الثريا قليلا من الهمة يا شباب الامة واحذروا ان تصاب همتكم في مقتل حيث لا ينفع الندم، وتأملوا فرسان مسابقة القرآن وتعلموا منهم كيف تتحقق الاهداف العالية؟ مريم عبدالله النعيمي