حين تقدم المدارس العلم والمعرفة فانها بذلك تصنع التاريخ الذي تنسجه شخصيات كانت ذات يوم فوق مقاعد الدراسة كي تتسلح لمعركة الحياة بعلوم العصر وفنون البشرية. وكالأفراد وحركتهم المعروفة في الازمان والعصور فان للمدارس ايضا دورها فيما تصنعه ـ رغم ثباتها الظاهري ـ في محيطها اذ تلعب دورا مؤثرا فيما وفيمن حولها يجعلها هي الاخرى صاحبة تاريخ لا ينفصل مطلقا عن تاريخ وحركة مجتمعها. حول المدارس ذات التاريخ والاثر والمكانة والدور نلتقي لنطالع تلك الملفات القديمة لـ «مدارس لها تاريخ». منذ بدايته كان التعليم في رأس الخيمة بأيدى مواطنين من ابناء الامارة، لاتزال الاجيال تذكرهما بكل اجلال وتقدير لما لعباه من دور في نهضة التعليم وبلوغ ابنائها شأنا عاليا في مجالات المعارف والعلوم. فالمعلمان عيسى بهادر وسلطان حميد هما من اوائل من مارسوا مهنة التعليم في زمن مبكر يعود الى بدايات النصف الثاني من القرن الماضي حيث عملا كمعلمين منذ عام 1953 اي قبل ان تولد اول مدرسة على ارض امارة رأس الخيمة والتي افتتحت عام 1958. ومع افتتاح مدرسة القاسمية في ذلك العام في مبناها الجديد انضم الى المعلمين المواطنين معلم آخر هو محمد حسن الجعفراوي الذي يتذكره الناس حتى الآن لان عام قدومه شهد صيفا حارا على غير العادة جعل الناس لاتنساه حتى اليوم. وتقول الروايات ان مدرسة القاسمية برأس الخيمة كانت عبارة عن بيت شعبي قديم مملوك لاحد المواطنين قبل ان يبادر حاكم الامارة الى انشاء مبنى جديد لها. وقد تولى ادارة المدرسة عند افتتاحها امام التلاميذ ناظر هو احمد راغب ابو صبيح الذي اوفدته دولة الكويت للعمل في تعليم ابناء امارة رأس الخيمة، في نفس الوقت الذي ارسلت فيه جمهورية مصر العربية بعثة اخرى مكونة من معلمين هما: ابراهيم عبدالعاطي ومحمد الجندي وكان ذلك عام 1958. وجاء افتتاح قاسمية رأس الخيمة ليلفت انتباه اهالي الامارة الى اهمية التعليم فاقبلوا على الحاق ابنائهم بالمدرسة مما ادى الى زيادة اعداد الطلاب بها ودفع القائمين على شئون التعليم الى بناء جناح آخر لاستيعاب الاعداد المتزايدة التي بقيت في حالة اطراد منذ عام 5960 وحتى عام 1964 الذي شهد بناء مدرسة جديدة هي «الصديق الثانوية» التي تحول اليها طلاب المرحلتين الاعدادية والثانوية لتبقى القاسمية مدرسة ابتدائية كما كانت عند انشائها حيث ضمت الصفوف من الاول وحتى السادس. واعتمدت قاسمية رأس الخيمة في سنواتها الاولى على ما كانت تقدمه لها قاسمية الشارقة من كتب وقرطاسية وكتيبات ارشادية في التعليم والمعرفة. وتذكر الروايات ان اول معلمين من ابناء رأس الخيمة وهما بهادر وحميد مارسا مهنة التعليم وعمرهما دون السابعة عشرة حيث عينا للتدريس بالقاسمية بعد ان تلقيا العلم في الكتاتيب القائمة آنذاك وعلى ايدى المطاوعة اول من علم ابناء البلاد. وقد لعب بهادر وحميد دورا بارزا في نشر التعليم بامارة رأس الخيمة اذ كلفهما حاكم البلاد عام 1959 بالتوجه الى الجزيرة الحمراء التي تبعد عن رأس الخيمة بحوالي 20 كيلومترا لافتتاح مدرسة بها بدأت بجناح واحد في ارض غير مسورة وقد اقيم المبنى بمعاونة دولة الكويت وقام المعلمان حينذاك بالتدريس لجميع الطلاب بالمدرسة الى ان انضم اليهما معلم آخر من مصر هو زكريا حجاج. وتجدر الاشارة الى ان رواتب المعلمين كانت في ذلك الوقت لاتزيد على 300 روبية هندية (العملة السائدة وقتذاك) وكانت حكومة الامارة تتولى تدبير السكن للمعلمين. وتقول الروايات حول التعليم قديما في رأس الخيمة ان المدارس كانت تعمل على فترتين الاولى صباحية والاخرى مسائية وكان النظام السائد آنذاك ان يقوم المعلم بتدريس اربع حصص في الفترة الصباحية، وحصتين في الفترة المسائية. وكان من عادة الطلاب في ذلك الزمان ان يغادروا المدرسة اثناء وقت الظهيرة لتناول الغداء في بيوتهم وكان بعضهم يقيم في منطقة «المعيريض» التي يفصلها عن رأس الخيمة «خور» شبيه بالخور الذي يتوسط شطر دبي ويقسمها الى ديرة وبر دبي. ويقول الكاتب محمد حسن الحربي مؤلف كتاب «تطور التعليم في دولة الامارات العربية المتحدة» في ثنايا كتابه ان رواتب المعلمين كانت متباينة وفقا للجهة التي تعاقدوا معها سواء دولة قطر او دولة الكويت او غيرها، وانه كان هناك نظام للبدلات المادية يتقاضى المعلم وفقا له بدلا آخر عن مهمة الابتعاث للعمل بالامارات، وكانت الرواتب حينذاك لاتزيد على 500 روبية قبل اضافة البدل. اما المواد الدراسية التي كان يتلقاها الدارسون في تلك الايام فهي اللغة الانجليزية واللغة العربية والمواد الاجتماعية والرياضيات ثم اضيفت اليها مواد التربية الفنية والموسيقية والرياضية بعد قدوم عدد من المدرسين المتخصصين من مصر. وفي رواية على لسان خميس الموسى وهو من اوائل من قدموا لتعليم ابناء رأس الخيمة ان المعلم كان يحظى باحترام كبير كما ان مواظبة الطلاب على الدراسة كانت عالية ولم يكن معروفا آنذاك الغياب عن المدرسة بل ان المدرسة كان لديها رجل تخصص في متابعة الطلاب الذين لايحضرون لاسباب مرضية قوية، ويذهب الى احدهم في السوق او قرب البيت ويمسك به ويأتي به الى المدرسة. ومن طرائف مايروى عن تلك الحقبة من تاريح التعليم ان بعض الطلاب كانوا يأتون الى المدرسة سباحة بعدما يعبرون الخور الفاصل بين محال اقامتهم والمدرسة. وقد شهدت قاسمية رأس الخيمة الكثير من الفعاليات المدرسية التي كان يحضرها الاهالي وبعض الزوار من الشارقة لمشاهدة الانشطة الرياضية والفنية التي يقدمها الطلاب وقد ادت هذه الفعاليات او المهرجانات الى تزايد اقبال الاهالي على الحاق ابنائهم بالمدرسة املا في مشاهدتهم في العام الثاني وهم يشاركون في هذه الانشطة، وتكتمل سعادتهم عندما يتأكدون ان اولادهم قد تطوروا للافضل وازدادوا علما ومعرفة. م.ع