تختتم ندوة مجلس التعاون الخليجي.. المسار والمصير.. التي ينظمها نادي دبي للصحافة أعمالها مساء اليوم. وشهدت الجلسة الأولى للندوة التي عقدت مساء أمس الأول بمقر النادي عدة محاور حول التاريخ السياسي والتنظيمي للمجلس والتاريخ الأمني والعسكري للمجلس، واقتصاديات دول المجلس والواقع الاجتماعي والثقافي والأبعاد الاعلامية للمجلس وثمن المتحدثون تجربة المجلس التعاون الخليجي لكنهم أكدوا على ضرورة تجاوز المجلس للمعوقات لتحقيق تعاون وثيق على كافة الاصعدة لمواجهة المتغيرات الاقليمية والعالمية. وقد أدار الجلسة الأولى للندوة خليفة بخيت سفير الدولة في استراليا. استعرض الدكتور عبدالكريم الدخيل «قسم العلوم السياسية ـ جامعة الملك سعود» مراحل التعاون السياسي التي مر بها المجلس حيث أوضح في البداية انه بعد انشاء مجلس التعاون الخليجي في عام 1981 ظهر تياران أحدهما تفاءل بالمجلس واعتقد انه سيقود إلى وحدة فيدرالية أو كونفدرالية بينما اعتبر التيار الآخر ان هذا المجلس هو حليف ضد بعض الدول المجاورة وتحديداً ايران واعتبره البعض خروجاً عن الاتجاهات الوحدوية ونوه الدكتور الدخيل إلى ان انشاء المجلس هو استكمال لمسيرة تعاون بين الدول الخليجية منذ منتصف السبعينيات حيث ظهرت عدة هيئات للتعاون الاقليمي، كمكتبة التربية الخليجية في عام 1976 ووكالة انباء الخليج وعدة هيئات رياضية خليجية، وأضاف ان انشاء المجلس جاء ليعبر عن طموحات ورغبات أبناء وحكام المنطقة وجاء كاستحقاق طبيعي. وأشار المحاضر إلى مجموعة من المتغيرات السياسية الحساسة التي تزامنت مع انشاء الاتحاد بدءًا بالثورة الايرانية وتهديداتها بتصدير الثورة، ومن ثم اندلاع الحرب العراقية الايرانية، والغزو السوفييتي لافغانستان الذي كان باكورة لمشروع يستهدف المنطقة وتزايد النفوذ السوفييتي ـ المد الشيوعي ـ في بعض الدول المجاورة ومن بينها اليمن الجنوبي ـ آنذاك ـ. وأوضح ان ما كان متوقعاً اثر توقيع النظام الأساسي للمجلس في مايو عام 1981 في أبوظبي ووفقاً للمادة الرابعة للمجلس التي نصت على ان المجلس يعبر عن تطلعات الشعوب ورغبة في تحقيق الوحدة الخليجية، افترض ان تكون مرحلة المجلس مؤقتة لتوثيق التعاون الاقليمي وصولاً إلى الوحدة، لكن المجلس حافظ على كيانه على مدار العقدين المنصرمين كمنطقة اقليمية مكونة على شكل هرمي على رأسها المجلس الأعلى المكون من قادة دول المجلس ومن ثم المجلس الوزاري والأمانة العامة وأخيراً هيئة حسم المنازعات. وفي ظل هذا الاطار حافظت الدول الأعضاء بالمجلس على استقلاليتها وسيادتها في حين توجب على القرارات الموضوعية الصادرة من المجلس ان تكون بالاجماع وإذا اعترضت أي دولة لا يمكن ان يصدر القرار في حين تمرر القرارات الاجرائية بقبول الأغلبية. وتطرق الدكتور الدخيل إلى الهيئة الاستثمارية للمجلس المؤلف من 30 عضواً، خمسة أعضاء عن كل دولة من دول المجلس الست وانحصر اختصاصها في ابداء الرأي في القرارات التي يحيلها المجلس الأعلى واعتبر المحاضر ان مبدأ الاجماع في اتخاذ القرارات حد من فاعلية المجلس واستشهد بتجربة الاتحاد الأوروبي حيث يجوز للدولة ان تعترض وان لا يطبق عليها القرار كما حدث في مسألة فرض عملة اليورو التي امتنعت كل من بريطانيا والدانمارك عن الاقرار بها. ومن الأمور التي حدت من فعالية المجلس مركزية اتخاذ القرارات التي يحتفظ بها المجلس الأعلى في حين يقتصر دور المجلس الوزاري والأمانة العامة على تقديم التوصيات ومن ملامح عدم فاعلية المجلس غياب دور هيئة حسم المنازعات واستشهد في هذا الشأن بالخلاف الحدودي القطري البحريني الذي سوي من خلال محكمة العدل الدولية. وشدد الدكتور الدخيل على ضرورة زيادة التمثيل الشعبي في حين أشار إلى ايجابيات تجربة مجلس التعاون الخليجي حيث استمر بالتشاور والاجتماع والتواصل على كافة المستويات رغم النزاعات التي شابت بين الأعضاء في مراحل معينة كما أسهم المجلس في تنسيق المواقف الخليجية في عدة مراحل هامة وتوقع المحاضر ان يحقق المجلس خطوات ايجابية لتأطير المجلس بشكل أفضل وأكثر فعالية. تحدث سيف المسكري عضو الهيئة الاستشارية للمجلس الأعلى لدول مجلس التعاون عن المراحل التي مر بها التعاون العسكري لدول المجلس، حيث أشار إلى الظروف الاستثنائية السياسية التي قام المجلس في ظلها. وأوضح انه رغم ذلك لم ينص النظام على اي صفة تشير إلى ان هناك تعاون عسكري أو أمني في حين ركز على الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والثقافية. وأوضح المسكري ان الظروف الحرجة التي مرت بها المنطقة دفعت نحو صيغ للتعاون العسكري وعرض لبعض الاطروحات التي تفيد أن دول المجلس المجتمعة لا تستطيع ان تقاوم أي اعتداء خارجي لأكثر من 48 ساعة، ومن هنا دفع نحو تأسيس قوة عسكرية مشتركة على ان توفر كل دولة قوة تحرك سريع يمكن استدعائها إذا تطلب الأمر وتكون على جاهزية تامة في كافة الأوقات، لكن هذا الاتجاه اصطدم بعدة عراقيل كون هذه القوى العسكرية قائمة على البناء الذاتي وبشكل مستقل، ومن عوامل عدم فاعلية هذا التوجه محدودية الموارد البشرية لدى دول المجلس وافتقار البنية التحتية للمواصلات ومنظومة السلاح للجاهزية لكي تؤدي هذه القوى الدور المناط بها. ويضاف إلى ذلك مسألة التمويل، حيث لم يكن لدى كافة دول المجلس القدرة على تمويل قوى التحرك السريع العسكرية. وأوضح المسكري ان هذا الطرح تحول لاحقاً إلى فكرة انشاء درع الجزيرة حيث شهدت المرحلة الأولى اجراء تمارين عسكرية مشتركة، ومن ثم اسست قوة عسكرية واحدة اتخذت من حفر الباطن في المملكة العربية السعودية مقراً لها. وشدد المسكري على ان هذه القوة ـ درع الجزيرة ـ قد أعطيت مساحة اعلامية تفوق حجمها بكثير، حيث انها مجرد قوة رمزية يتراوح عدد أفرادها بين 2000ـ 2500 عسكري، وتتكون من وحدات عسكرية غير متناسقة. ويتم ابدال هذه الوحدات خلال فترة ما بين 4 إلى 6 شهور الأمر الذي يحد من ايجاد نوع من التلاحم لهذه القوة، وأشار المسكري إلى نجاعة الربط الآلي لقطاعات الدفاع الجوي بين دول المجلس لكنه لم يعتبر هذه الجزئية كافية لتحقيق اهداف التعاون العسكري، وفي هذا السياق تطرق إلى اخفاق مشروع التصنيع الحربي الذي طرح في عام 1982 بهدف الاعتماد الذاتي. وفي مرحلة بعد الاجتياح العراقي للكويت وضع تصور حول الجيش الموحد والمكون من 100 ألف عسكري ومن كافة القطاعات وفيه قيادات مستقلة، وقد اصطدم المشروع الطموح بالقرار السياسي ومسألة التمويل وكذلك ضعف الموارد البشرية. واستهجن المسكري اتفاقية الدفاع المشترك التي توصلت إليها دول مجلس التعاون وجاء بعد مرور 20 عاما على انشاء المجلس. فيما تناول عمر التميمي رئيس مجلس ادارة شركة الصناعات المتحدة «الكويت» اقتصاديات دول المجلس ومسألة الوحدة الاقتصادية التي اصطدمت بالاقتصاد النفطي لهذه الدول التي تتخذ شكل الدولة الريعية التي تقوم بكافة الأعمال والأنشطة الاقتصادية في كافة القطاعات وبالتالي تعطلت عملية التوحد لافتقار اقتصاديات دول المجلس إلى تنوع البيئة الاقتصادية في حين اتسم دور القطاع الخاص في هذه الاقتصاديات بمحدودية الاثر وانعدمت بذلك الحوافز في خلق سوق خليجية مشتركة رغم مستجدات الاقتصاد العالمي. وأشار التميمي إلى ان الصدمة النفطية كرست النزوح نحو دور الدولة ورغم وجود بعض الأنشطة للقطاع الخاص قبل قيام المجلس إلا ان معظم هذه المؤسسات أضحت تعمل في كنف الدولة وشدد المحاضر على انه لا يمكن للأجهزة البيروقراطية ان تتوحد ووتحفز لتأسيس سوق خليجية مشتركة. واستهجن التميمي الممارسات الاحتكارية التي تمارسها بعض المؤسسات على انها سلوك طبيعي وانتقلت هذه المسألة إلى قطاع المصارف في بعض الدول في حين أوضح ان عمل هذه المؤسسات ضمن نطاق السوق الخليجي، سيفعل طبيعة أنشطة هذه المؤسسات ويطور ادائها وبالتالي تتمتع بالقدرة التنافسية التي تؤهلها للانخراط بالاقتصاديات العالمية المفتوحة التي تحتمها عضوية دول المجلس بمنطقة التجارة العالمية. وعرج التميمي على ان مشكلة الحجم السكاني التي تعد من معوقات تطوير النشاط الاقتصادي في حين اعتبر ان عدد سكان دول المجلس الذي يصل 30 مليون نسمة يمكن اعتباره قاعدة استهلاكية جيدة. ومن المنجزات التي حققتها دول المجلس على المستوى الاقتصادي أشار التميمي إلى اقرار توحيد التعرفة الجمركية الذي توصلت إليه دول المجلس مؤخراً. ولفت إلى وجود توحيد سياسات من قبل دول المجلس ووجود تبنيها لرؤية مشتركة رغم عضويتها في الأوبك. وأضاف ان الخليج يشكل ثقلاً مهماً بالاقتصاد النفطي العالمي ولابد من لعب ورقة النفط بشكل سليم والعمل على تحرير الصناعات النفطية من عملية الدعم والاستفادة من عضوية منظمة التجارة العالمية. وعرج التميمي على توحيد العملة بين دول المجلس الذي اعتبره لا يتحقق عبر قرارات بل عبر توحيد القوانين والأنظمة الاقتصادية، وأنظمة البنوك المركزية أو توحيدها للتمكن من تجاوز العقبات والتفاعل مع مستجدات الاقتصاد العالمي. وناقش الدكتور باقر النجار استاذ علم الاجتماع جامعة البحرين الجوانب الاجتماعية والثقافية لمجتمعات دول المجلس موضحاً ان مسيرة المجلس خلال عقدين أفرزت مجموعة كبيرة من التحديات على الصعيد الاجتماعي والثقافي وتجاوز هذه التحديات يمثل مستقبل ومصير هذا المجلس. وشدد الدكتور باقر على وجود تأسيس مفهوم جديد للمواطنة في دول المجلس لتجاوز المرحلة السابقة يقوم على الانتماء الوطني وتحييد الانتماءات المذهبية والقبلية وبالتالي تعزيز حق الفرد في المشاركة بالحق العام وصيانة حقوق المواطنة السياسية والمدنية والاجتماعية والثقافية وتفعيل هذا الأمر بحاجة إلى تلاحم جهود مؤسسات المجتمع المدني إلى جانب مؤسسات الدولة وهذه الحقوق لا تتحقق من خلال القرارات الفوقية وتتطلب تنازلاً واعياً للفائض مقابل الناقص، ولفت إلى وجوب الحد من انعدام المساواة بين المواطنين وازدواجية تطبيق القانون. وانتقل الدكتور باقر إلى مسألة التوازن السكاني التي نتجت عن الحاجة إلى الأيدي العاملة وشح الموارد البشرية المحلية حتى وصل الوضع السكاني إلى حالة من الغرابة والشذوذ إذ تبلغ نسبة القوى العاملة الاجنبية 72% من اجمالي القوى العاملة بدول مجلس التعاون في حين ان السكان الأجانب يصلون إلى 65% مقابل 35% للمحللين موضحاً ان هذه النسبة تصل إلى معدلات أكثر حدية في بعض الدول. وانتقل المحاضر بالحديث إلى تحديات العولمة التي تفرض ضغوط تكيفية غير عادية على مؤسسة الأسرة الخليجية الأمر الذي أدى إلى التفكك الأسري وتراجع التحصيل الدراسي لبعض أبناء هذه الأسر وانتشار آفات اجتماعية كتعاطي المخدرات. وتناول الدكتور باقر الشأن الثقافي في دول المجلس، مشيراً إلى تخوف الأنظمة السياسية من التعاطي الثقافي الذي قد يصل إلى حد المواجهة العنيفة بين الأقطاب الثقافية في ظل غياب الديمقراطية وتواجه القوى الثقافية كذلك القوى الاجتماعية والسياسية قد تقف أمام الحراك الثقافي باسم الدين والعادات والتقاليد، ومنعاً لتفكيك القيم السائدة في حين اعتبر ان متعاطي ومنتجي الثقافة ينتابهم ضعف الحضور على المستوى المحلي والاقليمي والعربي وافتقارهم إلى لوازم الابداع ولجوئهم في نصوصهم إلى الاقتباس والسرقة والتقليد. وخلص الدكتور باقر إلى القول ان تجاوز التحديات الاجتماعية والثقافية يتطلب شراكة بين مؤسسات الدولة والمجتمع المدني. وحاضر الدكتور أحمد عبدالملك رئيس تحرير صحيفة الشرق «قطر» حول الأبعاد الاعلامية للمجلس حيث عني المجلس بالاعلام منذ تأسيسه لكن هذا الاهتمام بلغ أوجه مع اجتياح الكويت حيث عكف على خلق خط اعلامي متكامل وأسست لجنة بهذا الشأن لكنه أبدى تحفظه حول طبيعة هذا النشاط الاعلامي. وأوضح الدكتور عبدالملك ان الاعلام اتخذ صبغته القطرية على مدار العقدين المنصرمين في حين ان بعض الهيئات الاعلامية المشتركة وعلى رأسها مؤسسة انتاج البرامج قد حققت الكثير للمجتمع الخليجي لكن هذه المشروعات قد اجهضت كما ان مشاريع طموحة كشركة استيراد الورق والأحبار ومصنع الورق في السعودية لم تر النور. وشدد المحاضر على ان مجال الاعلام هو مجال تنافسي وليس تكاملي، مبدياً ارتياحه لبدء الاعلام الخليجي الخروج من قمقم الكهنوت السياسي، حيث تشهد دول المجلس انفراجة إعلامية، وعزا ذلك إلى تحولات عصر العولمة كرواج استخدام الانترنت، مشيراً في الوقت نفسه إلى محاولة بعض الدول قمع «الانترنت» على حد تعبيره، ودعا الدكتور عبدالملك إلى الغاء ميثاق الشرف الاعلامي لأنه يربط اعلام دول المجلس بالوزارات ويعطي لوزارات الاعلام الحق في ممارسة الرقابة على الاعلام.
