لقد شرفتموني أيما تشريف باختياري الشخصية الاسلامية للعام الحالي، كما شرفتموني ايضا بتوجيه الدعوة الكريمة لحضور هذا الحفل الختامي البهيج لجائزة دبي الدولية للقرآن الكريم مع أفراد من عائلتي واقرب مساعدي وبعض اصدقائي، لأنضم بهذا التكريم الى قائمة تلك الشخصيات العالمية وأولئك العلماء الأفاضل الذين سبق أن اكرموا وتوشحوا بهذه الجائزة عن جدارة واستحقاق. وأكرر شكري لكل من قام بترشيحي لنيل الجائزة، وكل من أيد الترشيح، ولجنة التحكيم التي أكرمتني بضم اسمي الى الفائزين بالجائزة. كما أشكر الأخوة الحضور الذين ازدان بوجودهم هذا الحفل البهيج. وفي هذا المقام أرفع خالص شكري وعرفاني الى مقام الفريق أول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، ولي عهد دبي وزير الدفاع، وراعي جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم التي اكتسبت شهرة عالمية في وقت وجيز وأهمية دولية باعتبارها احدى الجوائز المرموقة في العالم اليوم. لقد نجحتم باعتبار سموكم صاحب رؤية واضحة لمستقبل شعبكم الكريم، باصباغ القيم العربية الأصيلة وروح الحضارة الاسلامية على معطيات وتحديات الحضارة الحديثة والتقنيات المتطورة في مختلف مجالات المعرفة. ادعو الله ان يحقق اماني وتطلعات سموكم وأن يكلل جهودكم الخيرة بالنجاح، وأن يحقق لبلادكم مزيدا من التطور والازدهار. كما أرى من واجبي ايضا ان أرفع خالص شكري وتقديري الى مقام صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس دولة الامارات العربية المتحدة، على جهوده الانسانية الخيرة، ولأهنئ سموه بالعيد الثلاثين لاستقلال هذه الدولة الصديقة المزدانة بقيادته الحكيمة ولأهنئ سموه ايضا باعادة انتخابه رئيسا للدولة، وقد استطاع سموه ان يقودها الى طريق التطور والنماء والرخاء، وجعل منها مضرب المثل في التطور والتسامح والحس الانساني الرفيع. ادعو الله لهذا الزعيم العربي الكبير والمتواضع بمديد العمر ووافر العافية والسعادة. أصحاب السمو والمعالي والسعادة، ان لقائي معكم الليلة في هذا الحفل البهيج يبعث في نفسي شعورا فريدا بسعادة غامرة ويجعل منه حدثا لا يمكنني ان أنساه. وأثناء رحلتي الى دبي انتابني شعور غريب وأدركت ان كل هذا يحدث في وقت عصيب وفي لحظة تاريخية عاصفة وفي خضم احداث متلاحقة. فقبل نصف سنة من الزمان كنا نرى اننا نعيش في عالم افضل وأحسن مما هو عليه اليوم، او كان ذلك الشعور مجرد خيال في تفكيرنا. واليوم نشهد انبعاث وانتشار شعور متزايد بعداء الغرب للاسلام وشعورا بعداء متزايد للغرب في العالم الاسلامي، وهو شعور في غاية الضرر على الجانبين، وعلى الحكماء وأصحاب العقول النيرة من الجانبين السعي بكل السبل الى تجاوز الخلافات القائمة من اجل اعادة الثقة وبناء جسور الحوار من جديد. انها ايام الازمة الحقيقية، ومن شأن أي أزمة ان تتمخض عنها جوانب ايجابية، لأن الازمة تحرك الامور وتفتح ابواب التفاعلات الجديدة وتكتشف الامكانيات والقدرات الكامنة. فعلينا جميعا اغتنام هذه الفرصة القائمة ودفع الامور نحو اتجاه ايجابي سليم. اننا جميعا شهود عيان على تخلف معظم الشعوب الاسلامية عن شعوب ودول الغرب في المجالات العلمية والبحثية والتطور التقني، وكلها مقومات اساسية للتطور والبقاء والاستمرار في العالم المعاصر. وعلى كل شعب مسلم على حدة ان يحقق ذلك من الداخل، لأن التطور والرخاء في الميزان الحضاري لا يمكن استيرادهما من الخارج، بل لابد من الاعتماد على النفس والقدرات الذاتية. وكم أنا سعيد بمشاهدتي ان قيادة دولة الامارات العربية المتحدة قد أدركت هذه المعادلة البسيطة وقطعت شوطا كبيرا في تحويل هذه الحقائق البديهية الى واقع ملموس نشاهده في كل خطوة نخطوها على هذه الارض الخيرة. اننا في البوسنة والهرسك قد مررنا منذ سنوات قليلة بامتحان صعب، فالسنوات العشر الاخيرة من القرن المنصرم كانت اصعب واخطر سنوات في تاريخ دولتنا وشعبنا. لقد تعرضت البوسنة والهرسك لعدوان عسكري خارجي سنة 1992م، وكان الهدف الأول للعدوان ازالة دولة البوسنة والهرسك من الوجود وتهجير اكثر من مليوني مسلم منها. اننا دافعنا بكل شجاعة عن بلادنا لمدة أربع سنوات، وتعرضنا لتدمير واسع وخسائر كبيرة في الأرواح، ولكننا ـ بفضل الله ـ نجحنا في تحقيق الهدف السامي والدفاع عن الاسلام في هذا الجزء من أوروبا. وفي هذه الأيام من شهر رمضان المبارك هناك اقبال كبير على المساجد في كل انحاء البوسنة والهرسك التي يقطنها المسلمون، وفي مدينة سراييفو وحدها هناك أكثر من سبعين مسجدا تمتلئ بالمصلين اغلبهم من الشباب في مقتبل العمر. ان رسالة هذه المساجد واضحة وهي ان العدوان على بلادنا فشل في تحقيق أهدافه. وعلى الرغم من تعرضنا للعدوان الوحشي فاننا لا نتحدث عن الانتقام، بل نسعى الى اعادة بناء الثقة بين الشعوب والاديان بهدف بناء مجتمع يسوده التسامح الديني والقومي، متمسكين بالمبدأ القرآني الحضاري «لا اكراه في الدين». وفي الوقت نفسه اننا لا نرى حتمية الصراع بين الحضارات، لأن جميع الحضارات تبدو مختلفة فقط عند النظرة السطحية اليها، ولكننا عند الغوص في اعماقها والتأمل في حقيقتها نجدها تقوم على أسس متقاربة ومبادئ أخلاقية متشابهة، لأن الله ـ سبحانه وتعالى ـ الخالق للانسان والأكوان لو اراد لهدى الناس جميعا الى دين واحد وجعلهم أمة واحدة، ولكن حكمته اقتضت التنوع والتلون والاختلاف بين الشعوب والأديان، كما حدد رسالتنا في الوجود بقوله «وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا». انكم ـ أيها السادة ـ عند اختياركم الفائز بجائزة شخصية العام الاسلامية لم تلتفتوا الى اختلاف الصور والأجسام، فمنحتم هذه الجائزة لمسلم أوروبي ينحدر من الاصول السلافية. اشكركم على هذا الاختيار، وادعو الله ان يعيننا جميعا ويهدينا الى سواء السبيل. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.