ترى كم هو عدد الذين يستفيدون من الفرص التي تتيحها الحياة في خدمة اهدافهم الكبرى وكم هو عدد الذين يضيعون على انفسهم تلك الفرص الحقيقية ولا يعرفون كيف يستثمرونها في الارتقاء بذواتهم والاقتراب من اهدافهم هذا اذا كان لهم اهداف تستحق الالتفات اليها. في احدى محاضراتي مع مجموعة من الطالبات اللواتي هن في سن المراهقة دار بيني وبينهن حوار طويل حول اهمية وجود اهداف كبرى للانسان يسعى من خلالها إلى اثبات وجوده في الحياة بطريقة ترضيه وتسعده بل وتسعد سواه وتجعله خليقا بآن يكون مضيفا إلى الوجود لا زائدا عليه. وحين انتصف الحديث بادرتني احدى الطالبات قائلة: ان ما تدعين اليه من محافظة على جوهر الشخصية المسلمة هو امر تخطاه الزمن او اعرض عنه وجفاه فماذا تقولين في لغة عصرنا هذا المروجة لكل غريب والناطقة بلغة مخالفة للاعراف والقيم والتقاليد!! ان الموجة التي تعلونا نحن الشباب توشك ان تبتلعنا إلى غير رجعة. ان كل ما حولنا يهتف بشيء واحد ويردد نفس العبارة التي تقول لابد من الخروج عن تقاليد الماضي واستنساخ الوافد الدخيل. نعم انها دعوات لان نستنسخ كل جديد بغض النظر عن كونه تافها ساقطا او له قيمة وفائدة. ثم اضافت وبصوت مضطرب: بالله عليك الست معي اننا معذورون في هذا التقليد والاتباع لتلك الافكار؟ لقد اقتحمت هذه الاصوات قلوبنا، وملأت اسماعنا واتت على عقولنا بحيث لم يعد هناك اية فرصة لسماع صوت آخر. او التفكير في المخالفة والاباء!! تمهلت برهة من الزمن قبل ان اجيب عن تساؤلات الطالبة لافتح المجال إلى المزيد من الآراء حول وجهة النظر التي تبنتها هذه الطالبة. ولكنني خابت ظنوني حين كان الرد هذه المرة ليس شفويا لفظيا انما جاء التعبير بطريقة لغة الجسد التي هي افصح من اي لغة واصدق من أي بيان. نعم اتت المشاركات الاخرى بالصورة لا بالصوت وحيث ان الصورة تشتمل على تعابير الجسم وانفعالاته بطريقة عفوية وصريحة فليس هناك مجال لتكذيب ما قالته العيون وما حكت عنه ايماءات الوجوه وتعابير الجسم المختلفة. الم يقل واحد من ابرز علماء النفس: «لا احد يستطيع ان يخفي سرا اذا كانت الشفتان صامتتين فإنه يثرثر باطراف اصابعه». الم يؤكد الباحث ايمارسون هذه الحقيقة حين قال: «حالك ينطق بقوة لدرجة انني لا استطيع سماع صوتك». لغة العيون التي لا تكذب وتعابير الوجه وحركات الجسم كانت تؤكد لي ان الطالبات يؤيدن وجهة نظر زميلتهن ويعتقدن انها عبرت بوضوح عما يجول في خواطرهن!! ان الامل برأيهن ضعيف في مقاومة هذه المغريات الكثيفة المثيرة الوافدة من كل صوب وناحية. ولان مستوى البناء الداخلي والوعي الثقافي ونوعية التربية كانت هشة وضعيفة فإن اعلان مجموعة من المراهقات انهن اسيرات شبكة دعائية ترويجية للعبث واللهو بات شيئا متوقعا وامرا في الحسبان. هذا الموقف السلبي الذي يتبناه بعض شبابنا يقابله في الطرف الآخر موقف ايجابي مضيء رفض ان ينهزم امام الافكار الرخيصة او ان ينسحب امام الهجوم الضاري على عقله وشخصيته وهو ما سيكون محور حديثنا المقبل معكم بإذن الله. مريم عبدالله النعيمي