العقل البشري نعمة اسبغها الله سبحانه وتعالى على عباده رغم الدراسات والبحوث التي اجراها العلماء للخوض في معركة كنوزه واسراره وما يمتلكه من قدرة هائلة على اتمام العمليات العقلية المتعددة كالتفكير والتذكر والادراك وتوجيه الاعصاب من خلال الاشارات الموجهة حسب طبيعة كل حركة او موقف يتعرض له جسم الانسان بكافة اجهزته الحيوية. كل هذه العمليات العقلية التي ينجزها العقل البشري بدقة متناهية حيرت العلماء فمن المؤكد ان هناك اسرارا في العقل البشري لم يتوصل اليها العلماء بعد وفوق كل ذي علم عليم. والعقل البشري ثروة يصعب التفريط فيها وهي غير خاضعة للبدائل مهما بلغت بنا وسائل التقدم من كمبيوتر وخلافه، لان العقل البشري هو اصل كل استنتاج وكل اثبات او اكتشاف يتم التوصل اليه، والذكاء وسرعة البديهة موهبة فطرية وقدرات حباها الخالق سبحانه للناس بفروق فردية تختلف من شخص الى اخر وتميز هذا على ذاك. والفروق الفردية شيء مثبت ومرتبط بنشاط ذهني تتحكم فيه خلايا معينة يتوقف عليها مستوى الانجاز الفكري في التعامل مع المواقف بقدرة تختلف من شخص لآخر. والعقول البشرية تمثل عصب الحياة فهي التي تتوصل للحقائق وتبحث وتكتشف وتخترع فتفيد البشرية في اقطار الارض قاطبة، ومن هنا كان استثمار العقل البشري هو اهم اولويات الرعاية لدى الدول المتقدمة والمتفوقة علميا. عندما نفتش عن اسرار التفوق والنبوغ نجد ان الطفل هو الاساس، فالبدايات الصحيحة للتنمية العقلية تكون من الطفولة فعلى قدر ما تحظى به الطفولة من رعاية واهتمام يكون نضوجها وهكذا حال الانسان عندما تكون نشأته منذ طفولته في اجواء صحية وبيئة مثالية تعمل على تهيئة الاجواء لنمو عقلي متزن ومتكامل يسمح بنضوج مبكر للفكر الانساني من خلال الاهتمام بالطفل ووضعه تحت ملاحظة دقيقة بغرض اكتشاف ميوله وقدراته الابداعية منذ الصغر، ولن يتأتى ذلك الا من خلال استقراء نوازع الطفل وقراءة ميوله صوب اتجاه معين في اي من مجالات الابداع ومن ثم توجيهه وتزويده بالخبرات والبرامج اللازمة لتطوير فكره وتنميته بشكل يتلاءم مع استعداداته للانجاز. ولان العقول البشرية هي الثروة الحقيقية فان النبوغ المبكر وظهور قدرات فذة لدى الاطفال والتوصل لاكتشافها امر في منتهى الاهمية يحتاج الى مزيد من الاهتمام فعندما نكتشف حقلا بتروليا او منجما فاننا نسعد لان في ذلك مصدر انتعاش اقتصادي كرافد جديد، واكتشاف القدرات والمواهب لايقل اهمية عن ذلك بل انه يزيد لما يمتلكه العقل البشري من قدرات، عندما تكون تلك القدرات «فلته» فان ذلك يدعو للتفاؤل بمستقبل واعد للاوطان. ان ما دفعنا لطرق هذا الموضوع هو ما عايشناه قبل ايام في الاحتفال بيوم المستقبل الذي تم فيه تكريم المتميزين في مجالات الانشطة المختلفة وعندما كنت اتابع ابناءنا وبناتنا المكرمين كانت هناك علامات نبوغ واضحة على وجوههم فدار في ذهني اكثر من سؤال وتساؤل، ما الذي يمكن ان نجتنيه من تفوق هؤلاء وامثالهم من المتفوقين بالمجالات العلمية الاخرى في مدارسنا؟ وكان السؤال الاهم هو ماذا لو وفرنا لهذا الجيل ظروف تنشئة بيئية مثلى ووجدتني اشعر بالاطمئنان في التو واللحظة لادراكي اليقيني بان ما يقدم للاجيال من الناحية التربوية هو بكل تأكيد افضل من اي فترة مضت نظرا لتعدد البرامج والمناشط الموجهة للطلبة عبر مدارسهم والدليل توضحه الفعاليات الطلابية التي تم تكريمها في «يوم المستقبل» في مختلف المجالات. ويبقى فقط الدور الموازي للاسرة والمجتمع الذي يسهم في العناية بالمتميزين والموهوبين واستثمار قدراتهم. فعندما نصل الى عمق الطالب فكريا ووجدانيا ونتمكن من اكتشاف كوامن تفرده نكون بذلك قد وضعنا ايدينا على اهم مقومات الاستثمار الامثل للعقل البشري والتي تكون بدايتها الطبيعية من المدارس. د. احمد سعد الشريف