جرّنا الحديث الى متاهات بعيدة في عوالم الطفل العربي وايامه السعيدة في اوطان ترفع دائما شعار «المستقبل للطفولة» لكن الواقع ـ واقعنا العربي من الخليج الى المحيط ـ يؤكد لنا في كل يوم ان هناك ألف فارق بين الشعار والواقع او بين ما نرفعه من نظريات وما نمارسه من تطبيق. كنت في حوار طويل مع صديقي الليبي كاتب الاطفال المعروف في ليبيا بالطبع سالم الاوجلي، بدأنا بأحوال النشر في قطاع الطفولة وما تصادفه من معوقات او بالاحرى عدم اهتمام لاينبع للاسف من عدم اهمية. وتحاورنا لساعات، فالحديث ذو شجون وله ألف مسار وفيه تشعبات كثيرة لاتعد ولا تحصى. فتارة كنا نتوقف امام حالة التلقي التي يعيشها اطفالنا امام الشاشة الصغيرة والتي اوصلت معظم اجيالنا الناشئة الى حالة من البلادة وجعلت ارتباطهم بالتلفزيون اشبه ما يكون بالتعلق المقيت بأبطال ونجوم في فترة العمر الخطيرة، المراهقة، وهي هنا للاسف مراهقة فكرية تمتد في العمر وتوغل معه كلما تزايدت السنوات. ورغم ما كنا نطرحه من رؤى وافكار هي حصيلة الرصد الدائم والمستمر لظواهر الحياة لدى اطفالنا ورغم ما فيها من جوانب اختلاف بين هذا المجتمع العربي او ذاك بحسب القطر الذي يضمه، رغم ذلك كله الا اننا لم نختلف في تفسير رموز هذه الظواهر التي يزيدها غموضا اعراضنا عن التصدي لها ومعالجتها، بينما نحن ـ والحمدلله ـ قادرون لو شحذنا الهمة ووحدنا العزم والنية لدخول المستقبل بأجيال افضل. ومن هنا وهناك كانت الانتقادات لاوضاع كثيرة في دنيا اطفال العرب الذين نراهم نحن الكبار املا في غد اجمل لامة تمتلك الكثير من الامكانيات لصنع او لصياغة مستقبل ايامها ومواكبة عصرها وشغل مواقع متقدمة يعيد اليها بعض سمات الريادة التي كانت، وهي للعلم لاتزال، حلما في الاذهان يراودنا في كل حين. ومن ثقافة الطفل واعداده فكريا للحياة في بيئته العربية الخالصة دون ان نفقده اتصاله بعالمه الواسع وجدنا انفسنا نصل الى نقطة حرجة لم نصل فيها الى رأي ولن نتوصل الى قرار لاننا لسنا من صناع القرار وان كنا نحاول ان نشكل بافكارنا ونتاجنا عقول جيل المستقبل ليكون على هويته العربية الاصيلة بكل خصوصياتها وتميزها. واكتشفنا فجأة ان اطفالنا ـ كل اطفالنا حتى الابناء الذين نرعاهم رعاية مباشرة ـ هؤلاء جميعا من عشاق الرقائق.. وهو ما يشتركون فيه مع ابناء مجتمعات الغرب.. لكن الامر ليس بهذه السهولة فالاطفال في الغرب يعشقون بالفعل رقائق السليكون احدى اهم عناصر الثورة الالكترونية، اما اطفالنا نحن العرب فهم عشاق لرقائق البطاطا وكان هذا هو الفارق الذي يجب علينا ان نبحث في طريقة لتعديله لصالح اجيالنا ومجتمعاتنا وهو ما ينشده الجميع لكن المهم هو العمل بجد واخلاص لتحويل انظار اطفالنا الى «السليكون» فهو المستقبل الحقيقي. محمود علام