عبر السنوات والمراحل يرتقى الانسان علما وفهما وادراكا في مجالات متعددة قد تتباين في نوعياتها او اساليب ممارساتها لكنها تتفق في انها ـ جميعها وبلا استثناء ـ تستند الى قاعدة من العطاء الذي قدمه اناس لا تزال بصماتهم الاولى ذات اثر في حياة المرء مهما تقدم او ارتقى. وحين يتوقف الانسان لتقييم مسيرة حياته وما قطعه من مراحل او بلغه من مواقع فان بوصلة الذهن تتجه دائما نحو اولئك الذين غرسوا في النفس ما انتج اطيب الثمرات ووضعوا اللبنات الاولى على مدارج العمر لتكون للحياة قيمة وللعطاء معنى. وهنا نتوقف كل اسبوع لنقرأ معا رسالة الى هؤلاء فهم اساتذتنا في الحياة. الدنيا كتاب مسطور ودرس متصل وعبرة دائمة يجب الا نمر عليها دون ان نأخذ منها من التجارب ما يوضح لنا سرها وحقيقتها، واجمل ما في الحياة ان يجد الانسان لعمره كله مثلاً اعلى يسير على هديه وخطاه، يحبه لشخصه لا لمركزه لفكره لا هويته. ولا غرو ان ايامنا تصبح بلا معنى اذا خلت من قدوة نقتدي بها في «جامعة الحياة» التي لا يستطيع احد ان يزعم انه انهى دراساته العليا فيها. وفي ذاكرة كل منا سجل متجدد لاساتذة تباينت اسماؤهم وسماتهم لكنهم لعبوا دوراً بارزاً بقي راسخاً في مفكرة الزمن وابدا لن يموت. يقول الدكتور هاشم دويدري منسق توجيه اللغة العربية بتعليمية دبي: ما اجمل ان يجد الواحد منا فرصة يعبر من خلالها بكلمات عساها ترد بعض الجميل لأولئك الذين قدموا الكثير لنا.. لاولئك الذين صنعوا انسانيتنا وهذبوا مشاعرنا وربوا احاسيسنا وعلمونا كيف نقرأ وكيف نحيا وكيف نحب. حين رحت اقلب صفحات الماضي وسجل الذكريات، عصفت الذهن باحثاً في اعماق الذاكرة عن استاذ ترك فيّ آثاراً لا تمحى وبني فاحسن البنيان. لم تقف الذاكرة عند واحد منهم بل تعدته إلى العديد. انه والدي واضاف منسق توجيه اللغة العربية: ان المرء منا لا شك سيتذكر أول ما يتذكر استاذاً كان له الاثر الايجابي الكبير، وآخر قد ترك اثاراً سلبية مؤلمة، لكنهم كانوا جميعاً عظاماً بحلوهم ومرهم، وكان في مقدمتهم ذلك الرجل الذي ترك فيّ بصمات لا تمحى، انه أبي. وتابع قائلا: مازلت اشعر ويشعر كل من يعرفه انه لم يكن رجلاً عادياً، كان حليماً عظيماً فتعلمت منه الحلم، كان كريماً عظيماً في كرمه، دمثاً في تعامله مع الناس جميعاً فحاولت ان اتعلم منه كرم الاخلاق، فقد كان مدرسة في الاخلاق والنبل والرجولة وتعلمت منه وتعلمت لكنني لم استطع ان اتعلم كل شيء. كان في القمة وبقيت دونها ولكني حاولت ان اكون على ما كان عليه ولكل مجتهد نصيب، هذا هو استاذي الاول اما استاذي الثاني فكانت امي تلك المرأة التي تعلمت منها الانفة وعزة النفس والكبرياء لا التكبر وكيف امتلك الحنان والعطف والمودة. واضاف دويدري: لقد غرست في انسانيتي وشكلت طباعي وذاتي وعلمتني مما تعلمته هي عن مدرسة الحياة فكانت امثالها الشعبية خير معلم آنذاك، ولم تكن المرأة الوحيدة التي تعلمت منها، فقد عاشت إلى جانبها امرأة اخرى رعتني كما رعتني الاولى حببت إلي الحياة لانها كانت تحبها.. علمتني الشكر لانها كانت كثيرة الشكر لله.. علمتني التفاؤل لانها كانت تدرك كنه الحياة وفلسفتها فدفعت الاحزان جانباً وانطلقت تبحث عن السرور والمتعة البريئة، لم تكن انسانة عادية بل كانت متجاوزة لزمانها.. كانت تحب النزهة والعطر والزهر والحياة، وإلى جانب هذا كانت تألف القرآن الكريم ويألفها. مؤكداً انها كانت تداوم على قراءته صباح مساء وكان لسانها يردد دائماً وكلما تحركت او قامت او جلست «ربي أحمدك واشكرك» مشيراً إلى ان الله سبحانه وتعالى قد كرمها حقاً فعاشت من العمر قرنا وسنتين فوقه وهي تقرأ آيات الله البينات من كتاب الله مباشرة وتقدم وتنجز امورها الشخصية موضحا انها امرأة عظيمة تعلم منها االكثير.. انها جدته. ويضيف الدكتور هاشم دويدري: الذاكرة تستعرض اكثر من معلم درسوا لي، كل واحد منهم كان له اثر ما في سلوكياتي الايجابية وتعلمت من كل واحد منهم اشياء واشياء ومازلت اذكر انني كنت اقلد بعضهم لسنوات حتى استقامت لي طريقتي واستقر منهجي في الحياة. كان معلمي في الصف الاول الابتدائى جاداً حازماً قليل الابتسام كثير العقاب وكان اسلوبه يدعونا ونحن صغار إلى الشرود فتعلمت منه ان الود والابتسام بين المعلم وتلاميذه يصنع التعليم الجيد، وكان معلمي في المرحلة الاعدادية فصيحاً واديباً.. كثيراً ما اثنى على ما نقوله ونكتبه فتعلمت منه حب العربية إلى ان اخترت تعليمها مهنة لي، وكان معلمي في المرحلة الثانوية جاداً لا يفوت فرصة من الدروس الا واستثمرها في تعليمنا، فتعلمت منه اقتناصي الفرص المفيدة وافادة الآخرين. وكان إلى جانبه معلم آخر كان كثيراً ما يثير الفواصل المنشطة ويعلمنا وهو يبتسم، كان يريحنا نفسيا ثم يعلمنا، فتعلمت منه كيف يكون المعلم مرناً ومبتسماً.. ثم كانت الحياة وهي اكبر معلم، فيها التقيت بالمعارف والانداد والاصحاب وتعلمت منهم ايضاً. جدتي وجهتني اما الدكتور عبدالستار العزاوي خبير الترميم والصيانة بالشارقة فقد اثنى على من ارشدوه جادة الطريق واوضحوا له سبل الحياة المستقبلية على ضوء تجاربهم في الحياة ذاكراً منهم على وجه التحديد جدته نائلة التي تجسد دورها في توجيهه سلوكياً وادبياً ودراسياً اضافة لمعاملتها التي احتذى بها في معاملته للآخرين مشيراً إلى آنها كانت تأخذه من يده لتلقي العلم في مسجد «الملا» ببغداد من خلال دراسة للقرآن الكريم واللغة العربية والخط العربي وبعض الفقه. وتابع قائلاً: ان المرحوم الخطاط العربي الشهير هاشم البغدادي نبغ معه في تلك المرحلة الابتدائية. واكد الدكتور العزاوي انه اضافة لجدته لا ينكر دور معلميه سيما في المرحلة الابتدائية. اول الدروس واخلدها ويقول القاص محمد محيي الدين مينو في رسالة وجهها إلى استاذه الراحل محمود الفاخوري معلم اللغة العربية في مرحلته الثانوية واحد كبار المحققين في بلاد الشام: كالغيوم رحلت باكراً، ولم تنتظرنا ـ نحن طلابك ـ هنيهة، حتى نودعك الوداع الاخير، ونقبل وجنتيك وراحتيك النديتين .. فلو كنت اعلم انك على موعد مع الموت، لاستوقفتك يؤمئذٍ في عرض الطريق، وانت في طريقك إلى المدرسة، وقرأت عليك كعادتي آخر ما كتبت، ولاستمعت اليك طويلاً. واليوم كلما كتبت شيئاً قرأته عليك، وانت تتراءى امام عيني كسنبلة او قصيدة. وتابع مينو: اغلقوا النوافذ في وجوهنا الصفراء، حتى كدنا نختنق، وكسروا اصابعنا النحيلة واقلامنا الملونة، فلم نكتب واجباتنا المدرسية الا بالاسود، ودهنوا اذاننا بالزيت، ورمونا في بيت الفئران، نرتجف خوفاً وذعراً من المستقبل المجهول.. وحين كبرنا قليلاً سحبوا البساط من تحت اقدامنا وتركونا معلقين بين السماء والارض، ننتظر من يرأف بنا، ويكفكف دموعنا، ويأخذ بأيدينا الصغيرة إلى بر الامان. كان (جدول الضرب) يلهب ظهورنا، وكانت (ادوات النصب) تحتال على عقولنا وافئدتنا، وكنا مجرد (ببغاوات) نردد ما نسمع وما نقرأ، كنا مجرد (صناديق) للتاريخ والجغرافيا، لا نجرؤ ان نفكر بعيداً، ولا ان نحلم بعيداً. وحين رأيتنا ـ يا سيدي ـ على هذه الحال اشرعت النوافذ لنا، واخذت تردد على مسامعنا ما قاله غاندي يوما: «اسمح للرياح ان تنهب على نافذتي، ولكنها لن تستطيع ان تقتلعني من جذوري»، وانت تطلب منا ان نخرج إلى الهواء الطلق، لنكتب موضوعاً في (الحرية)، وكان هذا الدرس هو اول ما تعلمناه منك، ونحن في الصف الاول الثانوي، ثم تتالت الدروس والايام، وانت تقرأ لنا كل يوم صفحة من صفحات كتاب الحياة الكبير، ولكن هذا الكتاب لم يمهلك طويلاً، ولم تنفد صفحاته بين يديك، لأن سرطان الحنجرة كان لك بالمرصاد، فاختلس اول وهلة صوتك الشجي وراح حثيثاً يفتك بك بلا شفقة ولا رحمة. هأنذا افتح كتاب الحياة نفسه كل يوم، واقرأ لطلابي ـ وانا في اقصى الغربة ـ ما تعلمناه منك ومن صفحاته الصفراء، فأرى بين سطوره وجهك الناصع وقامتك المديدة كالاشجار، وانا اتربص بذلك المرض اللعين، لأثأر لك منه ومن ويلاته واوجاعه المريرة. واختتم مينو رسالته قائلاً: عذراً ـ يا سيدي ـ تأخرت عن الكتابة اليك طويلاً، فأنا مثلك لا احب العزاء ولا قصائد الرثاء، وأنا مثلك اعرف ان الكلمة الطيبة كالشجرة الطيبة لا تموت، ففي البدء كانت الكلمة وفي النهاية ستكون. يحيى عطية