أصدر مركز زايد للتنسيق والمتابعة دراسة بمناسبة الذكرى الثلاثين للعيد الوطني المجيد حول تجربة الاتحاد في دولة الامارات العربية المتحدة بعنوان «دولة الامارات العربية المتحدة.. اول تجربة وحدوية في العالم العربي» وذلك باعتبارها التجربة العربية الوحيدة في العصر الحديث، التي صمدت امام العوائق والعقبات وواجهت اصعب التحديات، فنمت على مدى ثلاثة عقود مضت وازدادت قوة بفضل فطنة وحكمة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله،، وهي كذلك نموذج حي وواقعي يثبت على مدى التاريخ امكانية تحقيق الامل الكبير في الوحدة الشاملة لامتنا العربية، التي تملك اكثر من غيرها كافة مقومات الوحدة والتضامن من تاريخ وعقيدة ولغة مشتركة، ومصير واحد فرضته الظروف التاريخية التي مرت بها هذه الامة العظيمة التي خصها الله عز وجل بأسمى الخصائص وجعلها ارض الرسالات ومهد الحضارات، ووهبها العديد من الثروات والمقومات. وتشير الدراسة الى اننا امام تجربة اتحادية حضارية نموذجية في العالم، قهرت المستحيل ورفعت البناء.. هزمت الصحراء امام زحف اللون الاخضر وشموخ المصانع بطول البلاد وعرضها وازدهار التعليم وانحسار الامية وعلو هامة المواطن الانسان الذي اعتبرته الدولة الثروة الحقيقية وجعلته هدف التنمية ووسيلتها، انها دولة لم تستمرئ استخدام ادوات الحضارة كما فعلت امم كثيرة، بل ادركت أن التقدم الحقيقي هو أن تصنع تلك الادوات. فمن كان يتصور أن تلك الرمال الصامتة وتلك الكثبان اللافحة سوف تشهد ملحمة فذة قادها اولو عزم اخلصوا فما وهنوا فانتصروا لقومهم وصنعوا تاريخا فلسفته الحق في الحياة وقهر المستحيل، من كان يتصورأن تلك المنطقة التي ارتبطت بتاريخ المصالح الطامعة في موقعها وخيراتها سوف تتحرر من عهود المعاهدات الانفرادية الجائرة وتجمع امرها لتهجر التجزئة والتفكك والجمود وتعلن قيام دولة فتية تصنع المعجزات.. من كان يتصور أن تلك الارض القاحلة التي عاشت قرونا تحلم باللآلئ السوداء التي امتلأت بذكرها الاساطير.. سوف تصبح خضراء الواقع والمستقبل والامل فكان مولد هذا الامل في بناء تلك الدولة الفتية نهاية لعصر التمزيق الموروث لمنطقة الخليج، ونهاية لنوازع النفوذ الاستعماري بالمنطقة الذي فلسفته اتفاقية سايكس بيكو بتقسيمها الجغرافي والسكاني الذي خدم هذا التمزق، واضعف القوة عن طريق ضرب الوحدة والتواصل واشاعة الجهل واثارة النعرات الطائفية وتأسيس دويلات حتى في جسم الدويلة الصغيرة الواحدة. أن ما يثير العجب، هو تلك السرعة التي اثبتت بها دولة الامارات العربية المتحدة وجودها في الاسرة العربية والدولية واصبحت عضوا حيا في القضايا المحلية والعالمية، وأن سرعة انتقالها من مجرد امارات متفرقة تحت الحماية البريطانية الى دولة مستقلة ثابتة الاركان ذات دور ملموس في الحياة السياسية المحلية والدولية، لتماثل ما أحدثته ايضا من منجزات ضخمة في ميدان العمارة وتكوين الدولة الحديثة.. وكان وراء هذا النجاح الفذ قائد كان حلمه بناء نهضة الوطن منذ أن كان حاكما للمنطقة الشرقية في أبوظبي عام 1646، شعر بطموحات مواطنيه فجعل هدفه اتحادا يجمع بينهم مفجرا تحولات جذرية ونقلة حضارية شملت كل مناطق الدولة في مختلف الجوانب الاقتصادية والاجتماعية ويبلور صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان ال نهيان، رئيس الدولة حفظه الله فلسفة هذا الاتحاد بقوله «ان هدف الاتحاد ليس فقط قيام هيكل دستوري تحت اسم وعلم وشعار ونشيد وطني، بل أن الهدف هو قيام دولة متكاملة القوى والسلطات التشريعية والتنفيذية اننا نسعى الى بناء دولة حديثة تتوافر فيها لجميع المواطنين الحياة الحركة الكريمة وتكون فعلا وبحق نموذجا لاتحادات عربية اخرى».. والجدير بالذكر هنا أن البعد القومي لشخصية صاحب السمو الشيخ زايد جعله زعيما محترما ومحبوبا في العالم العربي، وقلما نرى زعيما فذا يشرك الاخرين في ثروة بلاده من خلال مشاريع تنموية في كل مكان، ثم انه زعيم تسمو فضائله، فنراه يدعو الى عبور الخلافات وطي صفحة الماضي وقهر الفتنه وتغليب مصالح الامة. رغم العديد من الدراسات والمؤلفات التي تناولت تجربة دولة الامارات العربية المتحدة، فان هدف هذه الدراسة وهو «تقييم التجربة الاتحادية»، يخضع لحقيقة هامة وهي أن تقييم التجربة بعد مرور اكثر من ربع قرن من الزمان يختلف كثيرا عن تقييمها قبل خمس او عشر سنوات مضت، نظرا للسرعة المطردة في حجم الانجازات بطاقة تصعب مهمة اي باحث في الرصد والتسجيل.. ثم أن تلك التجربة الفريدة في نجاحها عقب سلسلة الاحباطات الوحدوية العربية، تجعلنا منبهرين بالحصانة التي منحت تجربة الامارات الاستمرارية والنجاح. ولاشك أن نجاح التجربة قد جنب منطقة الخليج الاستراتيجية دخول دوامة التشرذم العربي في حال اخفاق مسعى هذا الاتحاد.. لاسيما أن تلك المنطقة كانت مرتعا للخلافات والتدخلات الخارجية تحت مسميات سياسية متعددة. وهذه الدراسة تكشف كيف استطاع هذا الاتحاد أن يعالج معضلة التوفيق بين الكيان الكبير والصغير حيث يتطلب ذلك ميزانا معينا للقوى، وهو ما لم ينجح فيه العرب سابقا خلال تجارب وحدوية كثيرة، فيما عدا تلك التجربة الرائدة بدولة الامارات العربية ذات الثلاثين سنة، وما لم تنجح فيه الولايات المتحدة الامريكية نفسها عبر قرنين من الزمان، كما توضح أن هناك بونا شاسعا بين التوقع والتطبيق، والعبرة في النجاح ليست بنقطة البداية ولكن بصيغة التطور نحو الافضل، والمتأمل للتجارب الوحدوية العربية يكتشف صعوبة الاندماج الذي كانت تهدف اليه ولكن في تجربتنا موضع البحث، استطاعت أن تحقق المعادلة بين الاندماج والاستقلال، ومن ثم حافظت على وحدتها، وتطورت ونجحت تحت مظلة هذا التوازن المربح، الذي جنب تلك التجربة كل مخاطر العواصف التي تعرضت لها منذ اللحظات الاولى لقيامها، فتجاوزتها بجدارة بفضل القيادة الحكيمة. هذا البحث، ولخطورة ابعاده، لا يعتمد فقط على القراءة التاريخية للاحداث بل يدعمها ايضا بالتحليل والاستنباط والاستقراء. فنحن امام تجربة عملاقة يستحيل معها الايجاز في عدد محدود من الصحفات، ومع اعتبار اهمية الرؤية التاريخية لهذه التجربة وللتجارب الوحدوية العربية السابقة، فقد رأينا أن نولي تجربة دولة الامارات منهجا يتقصى ابعاد التجربة ودراسة كل العوامل التي ساهمت فيها واثرت في نجاحها.. وكانت البداية مع ذلك البعد الديمقراطي للتجربة وكيف كان لتدعيم البناء الدستوري للاتحاد اثره العميق في انجاز هذا النجاح الذي كلله اقرار الدستور الدائم لدولة الامارات العربية المتحدة في العام الخامس والعشرين للتجربة الفذة، بعد استكمال البنية الاساسية والمشروعات الكبرى. ثم تتطرق الدراسة للبعد الثاني للتجربة، وهو البعد السياسي بمحاورة الوطنية والعربية والاسلامية والدولية.. فمن خلال المحور الوطني، نرى كيف نجحت التجربة في تلاحم الصفوف وتآلف القلوب فتحول الحلم الى حقيقة صانت انجازات عملاقة على ارض طيبة كنتيجة حتمية لالتقاء الارادات وتوحد الطاقات وصدق نوايا القائمين على رعاية هذا الوطن، فصار شعب الامارات السبع شعبا واحدا باتحاد كان حلما للاجداد.. ولعل ابلغ تعبير عن ذلك، تلك الكلمة الشاملة لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، رئيس الدولة، حفظه الله، في ذكرى مرور خمسة وعشرين عاما على الاتحاد حيث قال مخاطبا شعب الامارات: «يا ابناء الامارات العربية المتحدة.. إن الاوطان لا تبنى بالتمنيات، والامال لا تتحقق بالاحلام.. لقد صمد اتحادنا في مواجهة الازمات ونما وازدهر بالعمل والمثابرة والتضحية وبوضع مصلحة الوطن فوق اي اعتبار، وما كان لاتحادنا أن يقوم وأن يزدهر لولا اننا سرنا منذ البداية على نهج واضح من التكافل والتضامن، والتفاني في سبيل تحقيق اهدافه وتوطيد اركانه وتعزيز استقراره والحفاظ على انجازاته ومكتسباته، تلك هي خلاصة تجربتنا في السنوات الماضية وهذا منهج مستقبلنا جميعا نحو مزيد من الانجازات والامال