أكد صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد آل نهيان ولي عهد أبوظبي نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة في كلمته بمناسبة العيد الوطني اننا ونحن نحتفل اليوم بالذكرى الثلاثين لعيدنا الوطني المجيد، تترسخ في ذاكرتنا، وتستقر في قلوبنا وضمائرنا، عظمة القيادة الفذة، وصدق توجهاتها، واخلاصها وتفانيها في العمل من اجل تحقيق اهداف وتطلعات ابناء الوطن نحو الغد الافضل. ومن هنا فأن من حقنا جميعا أن ننظر بكل الفخر والاعتزاز الى ما حققه وطننا الغالي بقيادة صاحب السمو الوالد الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله ورعاه، وبتضافر جهود اخوانه اصحاب السمو اعضاء المجلس الاعلى للاتحاد حكام الامارات، من انجازات تاريخية غير مسبوقة، شكلت ملحمة عطاء متدفق، لقائد نذر حياته لخدمة وطنه وشعبه وامته، فبادله الجميع حبا بحب ووفاء بوفاء. إن احتفالاتنا بعيدنا الوطني المجيد هذا العام تتزامن مع نجاحنا في دخول الالفية الجديدة، ونحن اكثر ثقة بالنفس، واكثر قدرة واستعدادا للتفاعل الايجابي مع المستجدات العالمية، وفي مقدمتها النظام الاقتصادي العالمي الجديد، وثورة المعلومات والاتصالات، وانفتاح الاسواق، خاصة مع بدء سريان قوانين منظمة التجارة العالمية. إن هذه المستجدات لم تشكل بالنسبة لنا في دولة الامارات عبئا ثقيلا، او حدثا يصعب التعامل معه.. ويعود الفضل في ذلك الى نجاح دولتنا العزيزة بقيادة قائد مسيرتنا المظفرة في بلورة رؤية عصرية فريدة، تحافظ على الهوية الوطنية، وتراث الاباء والاجداد، وتستجيب في الوقت ذاته للمعطيات والمستجدات الاقليمية والدولية، وتحرص على سد الثغرة الحضارية والمعرفية والاقتصادية والثقافية بيننا وبين من سبقونا في هذه المجالات. لقد استندت هذه الرؤية الى نفس المقومات التي شكلت استراتيجية التنمية الشاملة للبلاد والتي جعلت من بناء الانسان والاعتماد على الذات في مقدمة اولوياتها لتحقيق النهضة الشاملة. وقد افسحت هذه الرؤية مجالا اوسع للشباب باعتبارهم عدة الوطن وذخيرته للمستقبل، وانهم وحدهم القادرون على صنع حاضر الوطن ومستقبل اجياله. ومن هنا كانت التوجيهات بضرورة توفير انسب الظروف وافضل الامكانيات التي من شأنها تزويد ابناء الوطن بالعلم والمعرفة، وصقل مهاراتهم وخبراتهم، واعدادهم الاعداد الجيد للدخول الى كافة مجالات العمل والانتاج بروح عالية ورغبة صادقة حتى يظل عطاء الوطن متدفقا في كل المجالات وفي كافة الظروف. اننا في الحقيقة نشعر بسعادة غامرة، ونحن نرى اجيالا متعاقبة من ابناء الامارات، يشاركون بفاعلية في قيادة مسئوليات العمل الوطني في مواقع العمل والانتاج وفي مختلف القطاعات والميادين الاخرى. ونحن ندرك تماما أن الحفاظ على ما تحقق على ارض الوطن من انجازات ومكتسبات ضخمة في كافة المجالات يتطلب منا جميعا مضاعفة الجهود والطاقات من اجل مواكبة البحوث والاكتشافات العلمية، وأن نعمل على تطوير الاداء وذلك بالتدريب المتواصل واكتساب المزيد من الخبرات. وفي هذا الصدد فاننا نرى ايضا أن هناك حاجة ماسة لتغيير بعض انماط سلوكنا الاجتماعية والمعيشية والتي ينجم عنها في كثير من الاحيان هدر كبير للطاقات والامكانيات والثروات. ونحن في دولة الامارات وفي اطار حرصنا على استكمال بناء صرح التقدم الحضاري والانساني في البلاد فأن هناك حاجة لاستمرار العمل على دعم وترسيخ مرتكزات البناء الوطني، وتفعيل آلياته ووسائله واساليبه. ونحن ماضون باذن الله في تنفيذ استراتيجيتنا للتنمية الاقتصادية والاجتماعية، وفي العمل على تكوين واقامة هيكل اقتصادي متوازن، يقوم على تنويع مصادر الدخل، وضمان استمرار معدلات نمو جيدة في كافة القطاعات، والارتفاع بمستوى معيشة ودخل المواطنين، وقد كنا في دولة الامارات حريصين على وضع الاليات التي تتيح الوصول بالاقتصاد الوطني الى ما نطمح اليه من نمو وانتعاش.. وكان في مقدمة هذه الاليات سن القوانين واصدار التشريعات الجديدة، التي تتطلباها مقتضيات المرحلة، واجراء التعديلات اللازمة على بعض القوانين القائمة، التي توجد بها بعض الثغرات، كما اصدرنا التشريعات واللوائح والنظم التي تيسر تدفق الاستثمارات، وتعزز دور القطاع الخاص بهدف تمكينه من القيام بدور اكثر فاعلية في خدمة الاقتصاد الوطني وخطط التنمية الشاملة. وسوف نستمر باذن الله في ازالة كافة العراقيل والمعوقات،وفي تنقيح وتنقية قوانيننا وتشريعاتنا من الشوائب التي تحول دون تدفق الاستثمارات، والتي تقلص دور القطاع الخاص في خدمة خطط التنمية وتعوق الانطلاقة الاقتصادية التي تضمن لبلادنا مكانة متميزة في ظل النظام الاقتصادي العالمي الجديد والمستجدات الاقليمية والدولية. كما اننا في دولة الامارات سوف نمضي قدما باذن الله بقيادة صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله ورعاه في تدعيم وتفعيل اداء المجلس الوطني الاتحادي والمجالس الاستشارية، حتى تقوم بدورها الهام في طرح وبلورة الافكار والتشريعات والقوانين التي تساعد في ايجاد الحلول المناسبة للكثير من القضايا التي تشغل الرأي العام وتهم الوطن والمواطنين. ونحن واثقون ايضا من قدراتنا على الوصول بالتنمية الاجتماعية والاقتصادية الى اقصى درجاتها على طريق تطوير المجتمع كنظام متكامل، تتوافر له عناصر فريدة من المقومات الحضارية والتراثية والقيم الدينية والانسانية. اننا وانطلاقا من حقيقة أن الامر والامان والتقدم والازدهار، هي عناصر مترابطة ولا يمكن الفصل بينها، فقد عملنا على تزويد قواتنا المسلحة باحدث الاسلحة والمعدات والنظم التدريبية والتنظيمية والتعبوية. ونحن في الحقيقة نعتز بما شهدته قواتنا المسلحة من تطوير كبير خلال فترة زمنية قصيرة، خاصة بعد أن حققت نقلة نوعية في مجال اعداد كوادرها الوطنية المؤهلة والمدربة تدريبا متقدما وفق احدث النظم التدريبية والعملياتية في العالم، والتي لديها القدرة والكفاءة في استيعاب احدث تكنولوجيا التقنيات العسكرية المتقدمة. إن اهم ما يميز استراتيجيتنا العسكرية للتطوير والتحديث هو حرصها على مواكبة ومسايرة التقدم العالمي في مجال الاسلحة والمعدات، ومراعاة الظروف والمتغيرات الاقليمية والدولية، الى جانب المواقع الاستراتيجية المتميزة، والخصائص الحضارية والروحية الفريدة. وقد سايرت دولة الامارات العصر الذي يرتبط فيه الامن بالتنمية وذلك من خلال تحقيق التكامل والمزج بين استراتيجيتنا العسكرية وبين خطط التنمية الشاملة وبحيث لا ينمو احد طرفي هذه المعادلة على حساب الاخر. ولاشك أن التاريخ سوف يقف شاهدا على الجهود العظيمة التي بذلها القائد الاعلى للقوات المسلحة وتوجيهاته السامية لابناءه القادة والضباط والجنود، والتي اوصلت قواتنا المسلحة الى هذا المستوى المتطور، وهذه المكانة المتميزة بين جيوش المنطقة التي مكنتها من المساهمة مع شقيقاتها بدول مجلس التعاون في صيانة الامن والاستقرار بالمنطقة، الى جانب قيام قواتنا المسلحة بالمشاركة بصورة فعالة وملموسة في العمليات الامنية والانسانية التي تقوم بها قوات حفظ السلام التابعة للامم المتحدة في مناطق العالم المختلفة. لقد شهد هذا العام احداثا وتطورات هامة على الصعيدين الاقليمي والدولي، خاصة بعد العمليات الارهابية التي تعرضت لها الولايات المتحدة وما تشهده الاراضي الفلسطينية المحتلة من انتفاضة عارمة ضد العدوان الاسرائيلي الغاشم الذي يمارس ضد الشعب الفلسطيني الاعزل ابشع اساليب التدمير والبطش والقهر والعنف والارهاب. وقد اثبتت دولة الامارات العربية المتحدة خلال تعاملها المباشر مع هذين الحدثين صدق توجهاتها ورسوخ مبادئها.. حيث ادانت بشدة العمليات الارهابية التي تعرضت لها مدينتا نيويورك وواشنطن، ووقفت بقوة الى جانب التحالف الدولي في مواجهة الارهاب الذي اصبح يشكل ظاهرة خطيرة، وبادرت بتقديم العون والمساعدة للشعب الافغاني الذي عانى سنوات طويلة من الحرمان، ومن انعدام الامن والامان والاستقرار. كما واصلت دولة الامارات وقوفها القوي والمبدئي الثابت الى جانب الشعب الفلسطيني الشقيق ودعمه بكل الوسائل المادية والمعنوية في مواجهته الباسلة للعدوان الاسرائيلي الغاشم وحتى يتم كشف زيف الادعاءات الاسرائيلية. وسوف نستمر في جهودنا من اجل دفع الامم المتحدة ومجلس الامن والقوى العظمى الفاعلة وبخاصة الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الاوروبي من اجل الضغط على اسرائيل لوقف عدوانها، وتمكين الشعب الفلسطيني من تقرير مصيرة، ونيل حريته واقامة دولته المستقلة فوق ارضه الفلسطينية وعاصمتها القدس الشريف. ونحن نساند ايضا وبكل قوة الاشقاء في سوريا ولبنان حتى يتم تحرير الاراضي المغتصبة ودعوة الحقوق الى اصحابها واقرار السلام العادل والشامل في الشرق الاوسط. كما نقدر لوزير الخارجية الامريكية كولن باول بيانه الاخير حول الشرق الاوسط والذي يتسم بقدر كبير من التوازن والمسئولية..ونحن نتطلع الى أن تمارس واشنطن ضغوطا مكثفة على اسرائيل للاقرار بالحقوق العربية العادلة والانسحاب من الاراضي المحتلة. اننا نتمنى أن يقوم العراق بتنفيذ كافة القرارات الدولية ذات الصلة حتى يتم رفع الحصار المفروض عليه، والذي ادى حتى الان الى خسائر بشرية ومادية فادحة يدفع ثمنها بكل اسف الشعب العراقي الشقيق.. وحتى يعود الى ممارسة دوره كاملا في خدمة قضايا امته العربية والاسلامية والاضطلاع بدوره الحضاري المعهود. لقد تبنى صاحب السمو رئيس الدولة حفظه الله على الدوام الدعوة لعودة التضامن والتآزر، ولم الشمل، وتحقيق المصالحة العربية، لمواجهة كافة التحديات، ومازال يطالب وبالحاح بضرورة تحقيق المصالحة العربية الشاملة، حتى يتسنى لامتنا العربية مواجهة كافة التحديات والمستجدات. كما ندعو الدول الاسلامية للعمل على توضيح صورة الاسلام الصحيح السمح، الذي ينبذ العنف والارهاب ويدعوا للمحبة والسلام والذي قام بدور هام واساسي في بناء حضارة الانسان. كما نأمل أن تسود العالم الرغبة الصادقة في بناء علاقات دولية تقوم على اسس واضحة من الاحترام المتبادل، والاعتراف بسيادة الدول واستقلالها وحرمة اراضيها، وعدم التدخل في شئونها الداخلية بأي شكل من الاشكال. وأن يتحقق الامن والامان والاستقرار في المنطقة من خلال التزام كافة الاطراف بسياسة حسن الجوار. وسوف تستمر دولة الامارات العربية المتحدة في مواصلة نهجها الحضاري المميز في التعامل مع العالم الخارجي وفي دعوتها المستمرة من اجل احقاق الحق، وانصاف المظلوم، وبناء جسور المحبة والتاآف والتعاون بين مختلف شعوب الارض، وتمكين البشرية.. كل البشرية.. من العيش في سلام ورخاء وازدهار. اننا اليوم وفي هذه الذكرى العطرة، وامام عظمة عطاء القائد وانجازاته ومواقفه، لا نملك الا أن نقول ان الرجال العظام هم الذين يصنعون التاريخ، وهم الذين يخلدهم التاريخ ايضا، بما يقدمونه من عطاءات لخير البشرية. فتحية الاجلال والاكبار لقائد مسيرتنا ونهضتنا وباني مجدنا وعزتنا.. ودعاء الى المولى عز وجل أن يحفظه ويرعاه، وأن يمتعه بموفور الصحة والسعادة ليتواصل عطاءه لابناء شعبه وامته والعالم اجمع، وأن يحقق الوطن على يديه ويدي اخوانه اصحاب السمو اعضاء المجلس الاعلى للاتحاد حكام الامارات المزيد من الرخاء والتقدم والازدهار.. انه سميع مجيب.
