كان مسك ختام فعاليات جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم التي تسبق المسابقة الدولية للقرآن الكريم لرمضان عام 1422هـ محاضرة للدكتور عوض القرني. والدكتور عوض القرني غير الشيخ عايض القرني، لكن كليهما من العلماء السعوديين البارزين، الذين تعودت المجتمعات العلمية أن تسمعهم. الدكتور عوض القرني شاب وأحسبه صغيرا في سنه لا يزال، لكني وجدته عملاقا من عمالقة علم أصول الفقه، وهو المادة العلمية التي تخصص فيها. كانت المحاضرة بعنوان «فقه الخلاف»، وهذا العنوان باب واسع جدا، لذلك فان المحاضر رغم تمكنه لم يستطع أن يتحدث إلا على شكل برقيات سريعة، حيث ان كاميرا التلفاز كانت ترصد كلماته، والوقت كان يضغط عليه بأن يوجز. إذن المحاضرة من حيث موضوعها وعنوانها لا غبار عليها. والمحاضر لا غبار عليه أيضا لانه كان يملك زمام الفصاحة والبيان، فكان يتحدث بملء فيه، ويتكلم بسلاسة جدا، ولم يكن يبحث عن الكلمة، بل الكلمات تبحث عن مخرج لكي تخرج من بين ثناياه حيث كانت تتزاحم الكلمات هناك على بوابة العلم والمعرفة. نعم كان رمضان زمن المحاضرة، ورمضان بما انه شهر الطاعات، تتناسب معه اقامة مثل هذه الفعاليات. وكانت قاعة غرفة تجارة وصناعة دبي مكانا لالقاء هذه المحاضرة، وهي مكان مناسب في نظري حيث انها واضحة للعيان وضوح خور دبي لزوارها. لكن لاحظت ان جمهور الحاضرين هم: اما أنصار الشيخ وأحباؤه، أو عشاق رمضان وفعاليات جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم. ولم أجد إلا قلة ممن يفهمون على الشيخ محاضرته القيمة فقه الخلاف. مثل هذا الموضوع كان أولى أن يختار له مناسبة ومكانا آخر حتى تعم الفائدة. وتمنيت لو حضر المحاضرة مشايخ دائرة الأوقاف وأئمة المساجد وخطبائها وكل علماء البلد. لذلك فانني كنت أستمع إلى الشيخ المحاضر وأتأمل في وجوه الموجودين في القاعة وكأنهم يريدون أن يقولوا له: لم تقول ما لا يفهم، ويحاول هو أن يقول لهم: لم لا يفهم ما أقول؟ في الوقت الذي كنت أجد لكل منهما عذرا. على كل فالشكر يزف الى جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم على اقامة مثل هذه المحاضرات المتنوعة. ومع ذلك يمكن ان يؤخذ في الاعتبار ان تكون القضايا التي تطرح في هذه الفعاليات الرمضانية في هذا المكان في متناول عموم الجمهور لا الخاصة، ولا سيما ان الخاصة قد عزفوا عن حضور هذه الفعاليات مع العلم بأن الحكمة تقول: كن عالما أو متعلما أو مستمعا أو محبا لهم ولا تكن خامسا فتهلك. والعلم مائدة مهما ندعي بأننا نعرفه والذي عند غيرنا موجود عندنا فانه لا غنى عن الاستماع للآخرين، ومما حفظناه من مشايخنا: لا يغني كتاب عن كتاب، ويوجد في النهر ما لا يوجد في البحر، والشاعر يقول: إذا أفادك إنسان بفائدة من العلوم فلازِمْ شُكره أبدا وقُل فلانٌ جزاهُ الله صالحةً أفا دِنيها وألقِ الكَبر والحسدا أعود الى علم الأصول فأقول هو علم ينبغي أن يتقنه علماؤنا، لانه لولاه لما عرفت مقاصد الشريعة وأهدافها وغاياتها. هذا العلم يجعلك تنحت الآيات والأحاديث نحتا بحثا عن معانيها وأغراضها وأحكامها ومراميها. ويجعلك أن توسع مداركك فلا تتسرع في فهم آية ولا شرح حديث، ولا الحكم على فتوى عالم، إذ ربما احتملت الآية أو الحديث غير أو كل تلك الأوجه والاحتمالات، وعندئذ لا يجوز لأحد بأن يجزم بأن ما قاله هو الأرجح، ما لم يكن يؤيده ظاهر الآية أو ظاهر الحديث. إن علم أصول الفقه جعل العلماء يستنبطون من الآيات والأحاديث والاجماع والقياس قواعد كلية لكل مناحي الحياة وأطوارها وهكذا علوم الأصول برمتها. لذلك فان من أراد أن يتفقه وجب عليه أن يدرس أصول الفقه. ومن أراد أن يتبحر في اللغة وجب عليه أن يدرس علوم الدين. ومن أراد أن يتعمق في علم الحديث وجب عليه أن يدرس علم مصطلح الحديث. ومن أراد أن يفهم القرآن وجب عليه أن يدرس علم أصول التفسير. ولا يليق بالمسلم أبدا أن يعتلي المنبر وهو يلحن في اللغة. ولا أن يتصدر للفتوى وهو جاهل بالقرآن والحديث. من هنا فان لقب الشيخ أو لقب العالم يجب ألا يعطى للمتطفل على العلم فالشيخ اما أن يكون شيخ حكم، واما ان يكون شيخ سن، واما ان يكون شيخ علم. وشيخ العلم هو العالم الذي يدرس العلم على أصوله أي من ألفه إلى يائه لا الذي يدخل بين العلماء متأبطا بضعة آيات أو بضعة أحاديث حفظها في الكبر من خلال حضور المحاضرات لا التلقي من أفواه المشايخ في حلقات الدروس. كانت محاضرة الدكتور القرني تذكيرا بعلم أولئك العلماء، وكانت كلماته عناوين لكثير من المسائل الخلافية التي أشبعها أسلافنا رحمهم الله بحثا ونقاشا. لذا فان المذاهب الفقهية التي اشتهرت في العالم الاسلامي لم تنتشر عبثا، بل تقديرا لجهود أولئك المخلصين الذين كانوا يتورعون عن القول من غير علم، فمما يروى عن الامام أبي حنيفة قوله: اذا أتتنا الآية أو الحديث فعلى الرأس والعين، واذا أتانا من الصحابة فانه كذلك، واذا أتانا من التابعين فهم رجال ونحن رجال. وكان الامام مالك يقول: كل منا راد ومردود إلا صاحب هذا القبر مشيرا الى الرسول صلى الله عليه وسلم. وكان الشافعي يقول: اذا خالف قولي الآية والحديث فاضرب بقولي عرض الحائط. وكان أحمد بن حنبل يقول: ما وافق الحديث فهو مذهبي. أقول هكذا كان سلفنا الصالح فلماذا اذن أصبحنا نخاف ان نقول ان مذهبنا الفقهي مذهب فلان، وقد صدق الامام الزمخشري صاحب الكشاف رحمه الله حيث يقول: إذا سألوا عن مذهبي لم أبُح به وأكتمه كتمانه لي أسلمُ فإنْ حَنفياً قلتُ قالوا بأنني أبيح الطلا وهو الشراب المحرّم وإنْ مالكياً قلت قالوا بأنني أبيح لهم لحم الكلاب وهم هُمُ وإنْ شافعيا قلت قالوا بأنني أبيح نكاح البنت والبنت تحرم وإن حنبليا قلت قالوا بأنني ثقيل حلو لي بغيض مجسم وان قل من أهل الحديث وحزبه يقولون تيس ليس يدري ويفهم تعجبت من هذا الزمان وأهله فما أحد من ألسن الناس يسلم أٍول ان واجبنا مثل ما قاله الدكتور القرني وهو ان نلتف حول كتاب الله وسنة رسوله، ثم ندرس اجتهادات العلماء الأعلام الذين فتحوا باب المعرفة أمامنا، ونستفيد من هذه القواعد التي وضعوها، ولا ندعي علما ولسنا بعلماء، بل نسارع الى مائدة العلم، ونرفع الملام عن الأئمة الأعلام كما قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: وندرس خلافاتهم واختلافاتهم متذكرين قول الله تعالى (وداوود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين ففهمناها سليمان ... الآية). يقول الدكتور عوض القرني: هذه الآية تدل على ان وقوع الخلاف والاختلاف بين العلماء في فهم النصوص ظاهرة طبيعية، لكن المهم ان يحتكم الانسان في النهاية الى قول الله وقول الرسول لا الى هواه، فلنكن نحن كذلك.