خلال السنوات الاخيرة بدأت ظاهرة التعليم الجامعي الخاص، تفرض نفسها كحل وحيد لا مناص منه، امام العشرات بل المئات، ان لم نقل الآلاف من الطلاب حملة الثانوية العامة بنوعيها الادبي والعلمي بعد ان سدت في وجه اكثرهم فرص متابعة تحصيل التعليم العالي، والحصول على شهادات تؤهلهم لمواجهة اعباء الحياة والحصول على فرصة عمل، حيث باتت هذ الفرصة حلماً بعيد المنال لمن لا يحمل مؤهلات ـ مدعمة بالخبرات. وقد كانت المعاهد الخاصة ومكاتب التسويق التي تروج للجامعات الاجنبية هي سيدة الموقف فيما مضى، الى ان جاء الحل الذي يفترض انه اراح بال الاهل وامن المستقبل للشباب...، ولكن مع خوض غمار التجربة، طغت على السطح مئات المشاكل والعقبات.. وكما يقول المثل الشعبي: «رضينا بالهم، والهم ما رضي بينا». اقساط كاوية اقساط كاوية تستنزف امكانات الاسرة وشقى عمر الغربة، وقد تتاح الفرصة امام واحد او اثنين من اولاد الاسرة على حساب باقي افرادها تخصصات محدود.. خبرات معدودة، تكاليف باهظة.. وبعد كل هذا يحصل الطالب على شهادة يرفضها المجتمع ولا يعترف بها، ولا بمكانتها العلمية وسوق العمل يضع شروطا للخبرات فوق المؤهلات والشهادات فمن اين سيأتي شاب تخرج من جامعة خاصة، دفع ما فوقه وما تحته اقساطا لنيل شهاداته العلمية.. غير المؤيدة بخبرات عملية. تساؤلات حائرة تلك اسئلة وتساؤلات حار بها الاهل والابناء حملناها وناقشناها مع عدد من طلاب جامعة عجمان للعلوم والتكنولوجيا على اعتبار انها الجامعة الاسبق في الظهور في الجامعات الخاصة في الدولة استقطب عدداً كبيراً من ابناء الوافدين والمقيمين على ارض الدولة مانحة لهم فرصة متابعة تحصيلهم العلمي وفق خطط وبرامجه ومناهج تسعى الجامعة جاهدة لتكون مواكبة لعصر التكنولوجيا ومتغيرات العصر، حيث قرنت مصطلح العلوم والتكنولوجيا باسم الجامعة. وعد جامعة عجمان.. والى جانبها انتشرت الآن جامعات ومعاهد اخرى، كلها تنطوي تحت شعار الاستثمار في مجال التعليم واتاحة الفرصة امام الراغبين في متابعة التحصيل الدراسي من منطق ان الاهل يقومون بتدريب ابنائهم في هذه الجامعات والمعاهد وهم تحت نظرهم، بدلاً من السفر للخارج ومتاهة الضياع في بلدان اوروبا الى جانب امكانية التوفير المادي. بالطبع كل هذه المعطيات والتوجهات والنوايا الحسنة، لاغبار عليها من حيث التوجه الفطري العام، ولكن ماذا يقول واقع الحال..؟ لنستمع الى آراء عدد من الطلاب ومعاناتهم وقلقهم على مستقبلهم..!! نبدأ حوارنا من خلال طلاب كلية طب الاسنان، فهؤلاء لهم قضية عصية باتت تؤرق مستقبلهم المهني بعد ان امضوا ثلاث سنوات في الدراسة وانتقلوا للسنة الرابعة، وباتوا على ابواب التخرج. حيث النفق المظلم ينتظرهم لعدم وجود اعتراف بشهادتهم. الاعتراف أولاً واخيراَ البعض فكر بالسفر لاتمام ما تبقى من سنوات الدراسة لعله يستدرك الامر ويحصل على شهادة معترف بها، بل البعض سافر فعلا والتحق بجامعات عربية او اجنبية لانه لا يستطيع ان يجازف في بقية سنوات دراسته ويجلس بعدها سنوات بانتظار الحصول على الجامعة حيث تسعى ادارة الجامعة جاهدة للحصول على الاعتراف الرسمي بكلية طب الاسنان. حيث يقول الطالب مصعب عبدالرحمن سنة اولى طب اسنان، لقد اكتشفنا هذه المشكلة بعد ان سمعناها من زملائنا في السنوات الاعلى فنحن الآن قرابة 21 طالبا بالاضافة الى 20 طالبة ننتظر بفارغ الصبر ان نثمر جهود ادارة الجامعة بالحصول على الاعتراف وان لم يحصل ذلك فستكون كارثة علينا وعلى اولياء امورنا الذين صرفوا علينا على امل ان يرونا اطباء في المستقبل. وحبذا لو ان الجامعات الخاصة قبل ان تفتح باب القبول للطلاب ان تحسم كل القضايا الادارية والاكاديمية نحن لا نشكك في المستوى الاكاديمي فالمدرسون والمحاضرون من خيرة الاساتذة لكن ما الفائدة اذا كانت شهاداتنا العلمية في المستقبل، حبر على ورق. الملاذ الوحيد الطالب محمد بشار ايضا طالب في السنة الاولى، طب اسنان، يرى ان الجامعات الخاصة كانت الملاذ الوحيد، بعد ان تعذر عليه وعلى اهله تأمين فرصة متابعة التحصيل العلمي العالي بعد حصوله على الثانوية، فالسفر الى الخارج متعب مادياً ومعنوياً ولم يكن امامنا خيار آخر، بل كانت الخيارات صعبة. لقد اخترت الدراسة بفرع طب الاسنان لما لهذا الفرع من مستقبل مهني جيد وسوق العمل تتطلب المزيد من هذا الاختصاص العلمي الطبي، وبالفعل لم اجد صعوبة في دراسة المنهاج، فالاساتذة على سوية جيدة والمناهج الاكاديمية اختارتها الجامعة ومن احدث ما توصلت اليه تكنولوجيا المعلومات في الجامعات الاوروبية. إلا ان المشكلة التي باتت تعلقنا الآن هو الاعتراف بهذا الاختصاص من قبل الجهات المعنية، فادارة الجامعة ومنذ فترة تسعى للحصول على الاعتراف. مما وضع عدد من زملائنا في السنوات العليا بموقف محرج ونطلب ان يقطعوا دراستهم هناك ويلتحقوا بجامعات عربية او اوروبية لاتمام دراساتهم مما سيضيع عليهم بعض السنوات ويحمهلم اعباء نفقات كثيرة لم تكن في الحسبان، فلا ندري لماذا لا توفر الجامعات الخاصة الاعتراف بكلياتها قبل ان تبدأ بتدريس طلبتها وفلو لم تستطع الجامعة لا سمح الله الحصول على الاعتراف، ماذا سيكون مصيرنا بعد قضاء 5 سنوات على مقاعد الدراسة والبحث اضعنا فيها الجهد والمال ولم نحقق الآمال. منافسة سوق العمل الطالب عامر الطيان، سنة رابعة هندسة الكترونية، يقول عن مشكلتنا من نوع آخر، هي منافسة سوق العمل بين خريجوا الجامعات الخاصة والجامعات الرسمية، وما يطلبه سوق العمل من مؤهلات مدعمة بعدد سنوات الخبرة، فمن اين يأتي طالب تخرج حديثا من الجامعة بشهادة خبرة عملية لاسيما وان فرص التدريب في المؤسسات الحكومية والدوائر المحلية متاحة امام طلاب الجامعات الرسمية اكثر من طلاب الجامعات الخاصة، اضف الى ذلك السمعة والتقيم الاجتماعي الى خريجي الجامعات الخاصة، لاشك ان طلاب الجامعات الخاصة لاسيما كليات التقنية العليا، تفتح امامهم كل الافاق وفرص العمل في معظم الدوائر والمؤسسات فيما يقضي خريجوا الجامعات الخاصة سنوات طويلة وهم يراجعون المؤسسات والدوائر يقدمون طلبات توظيفهم التي تنام سنين طويلة في الادراج نظراً لعدم وجود الخبرة الميدانية والعملية، مما يدفعنا الى ان نقبل العمل في تخصصات لا تتناسب ومؤهلاتنا وشهادات العملية، علما بأن محصلة المعلومات والدراسة الاكاديمية لطلاب الجامعات الخاصة لا تقل عن مناهج الجامعات الرسمية، ما لم تتفوق عليها في بعض الجوانب، لكن كما يقول الصيت والسمعة تسبق الشهادة والخبرة؟ ويضيف عامر الطيان ان تخصص الهندسة الالكترونية هو من اقدم تخصصات الجامعة وتم الاعتراف بالاختصاص فقط منذ سنة واحدة، والآن وبعد الانتهاء من الدراسة النظرية والاكاديمية بدأنا بالتركيز على التدريبات العملية لانها هي المدخل الرئيسي للانخراط في سوق العمل. تمايز وامتياز وعن الفرق بين خريج الجامعات الخاصة والجامعة الحكومية، يرى عامر ان الجامعات الحكومية والرسمية لديها امكانات كبيرة، ولكن الجامعات الخاصة ايضا تسعى للتميز من خلال مخرجات التعليم التي تسعى الى تحقيقها للطالب ولابد لها ايضا من ان تحقق شيئا من الجانب الربحي إلا ان المنافسة في سوق العمل بعد التخرج وان كانت رسميا لصالح خريج الجامعة الرسمية، إلا انه عمليا فإن خريج الجامعة الخاصة استطاع ان يفرض نفسه على الساحة. يقول علي رحال، سنة رابعة هندسة معدات طبية، وزميلة سعود عيسى ايضاً في نفس الاختصاص: لقد وجدنا في هذا الاختصاص ملاذاً وتعويضاً عن متابعة التحصيل الجامعي. فهذا الاختصاص مطلوب نظراً للتطور الكبير والمستمر في مجال المعدات الطبية وصيانتها والحاجة الملحة لمواكبتها لكل جديد. يقول علي رحال: مشكلتنا ليست في دراسة المناهج، فما نحصل عليه من معلومات نظرية اكاديمية لا يقل اهمية ان لم يزد عن المعلومات التي بتلقاها طلاب الجامعات الرسمية، الا ان مشكلتنا تكمن في ثقة سوق العمل في خريج الجامعات الخاصة، فعندما يذهب خريج الجامعة الى اية مؤسسة او شركة او دائرة، فإنه سوف يواجه عقبات كثيرة، فسوق العمل لدينا حالياً ليس لديه ثقة بامكانات الخريجين من الجامعات الخاصة وهذه للاسف نظرة قاصرة وخاطئة. فالطالب الذي دفع، دم قلبه، وبذل اهله جهداً كبيراً لتوفير الدراسة، فهو يبذل قصارى جهده لتحقيق افضل النتائج على امل ان يكون على قدر عال من المسئولية وتحقيق نجاحه وذلك على عكس عدد كبير من خريجي الجامعات الرسمية الذين اتيحت لهم سبل متابعة تحصيلهم العلمي دون عناء بل قدم لهم كل انواع الرعاية والدعم المادي والمعنوي. وبالنسبة لاكتساب الخبرة، تسعى الجامعة حالياً للاتفاق مع عدد من الشركات والمؤسسات على ارسال عدد من الطلاب الى الخارج على نفقتها لاتباع بعض الدراسات التدريبية والتأهيلية وسوف تكون هذه فرصة كبيرة امام الطلاب لتعويض النقص وبالتالي تحقيق طموحاتهم وآمالهم. منافسة المعاهد الخاصة وعلى الطرف الاخر، اشتكى طلاب قسم الكمبيوتر، من منافسة المعاهد المتوسطة الخاصة لخريجي الجامعات من طلاب تقنية الكمبيوتر، نظراً لقصر مدة الدراسة، والتكاليف وحاجة سوق العمل المتزايد لمهارات تقنية تسدد العجز والنقص وتلبي الحاجة بأقل الامكانيات. الطالبان محمد عايد ومحمود العمري، طالبان في السنة الاولى اختصاص كمبيوتر، يقولان: لا شك ان العصر، هو عصر الكمبيوتر، عصر سرعة المعلومات والتقنيات، ولان كل شيء بات خاضعاً للعرض والطلب، فإن مسألة الكمبيوتر واستخدامه باتت تفرض نفسها على كل الدوائر والمؤسسات فالشخص العادي بات مطالباً بالتعامل مع هذه التقنية الحضارية، ولكن المشكلة بدأت تفرض نفسها على سوق العمل، من خلال تلبية حاجته من خريجي المعاهد المتوسطة، والدورات التدريبية، فخريج المعهد يقضي من سنة الى سنتين في معهد متوسط يتلقى فيه معلومات عملية مكثفة ينطلق بعدها الى سوق العمل حيث يكتسب بالممارسة والخبرة الميدانية ما نقصه من معلومات في الوقت الذي يقضي فيه طالب الجامعة في مراحله الدراسية 14 سنة يتخرج بعدها لينافس خريج المعهد او دورة تدريبية للعمل في نفس المجال وبنفس الراتب، ويبقى صاحب الخبرة الميدانية والعملية له الاولوية على حملة الشهادات الجامعية، انه قانون العرض والطلب. اسئلة حائرة تلك هي رؤية معظم طلاب الجامعات الخاصة حائرون بين الحصول على شهادات علمية نظرية والانتظار سنوات لاكتساب الخبرة العملية واعتراف المجتمع وسوق العمل بشهاداتهم وامكاناتهم وخبرات. أموال تهدر، وجهد ضائع.. ومصير حائر.. واحلام تبنى وتصطدم بارض الواقع..!! ابوظبي ـ داوود محمد: