اكدت دراسة قانونية حديثة ان خطأ الطبيب لا يفترض بل لابد من اثباته ومن ثم لا يسأل الطبيب ما لم ينسب اليه ثمة خطأ وتتوافر علاقة السببية بين سلوكه الطبي المشوب بهذا الخطأ والنتيجة المترتبة على ذلك. وذكرت الدراسة التي اعدها المستشار عادل عبد الحميد بالمحكمة الاتحادية العليا نائب رئيس محكمة النقض بجمهورية مصر العربية حول المسئولية الجنائية والمدنية عن الاخطاء التي تصدر من الاطباء اثناء مزاولتهم لمهنتهم ذكرت ان تقرير عناصر الخطأ مسألة موضوعية يرجع الفصل فيها لمحكمة الموضوع وحدها وتلتزم باثبات توافر الخطأ ليكون حكمها بالادانة صحيحا غير ان اسباب الخطأ على مسلك الطبيب هو تكييف قانوني يخضع قضاء محكمة الموضوع فيه لرقابة النقض التي لها تكييف الافعال الصادرة عن الطبيب بانها خطأ او غير خطأ ويعتمد القاضي في استظهار عناصر الخطأ المستوجب لمسؤولية الطبيب على رأي اهل الخبرة فيستطيع الاستعانة بخبراء واستشاري الطب الشرعي او بلجنة طبية متخصصة من اساتذة كلية الطب طالما ان القانون لم يقيده بجهة بعينها. وقالت الدراسة التي جاءت في العدد الجديد لمجلة العدالة، التي تصدرها وزارة العدل ان ثمة قواعد واصولا مستقرة في علم الطب لايتسامح فيها وخروج الطبيب عليها يصف سلوكه بالخطأ ويرتب مسئوليته ولا عبرة بكون الخطأ جسيما او يسيرا ولا صعوبة تواجه القاضي في الكشف عن هذه القواعد والاصول وفي استطاعته ان يعتمد فيها على رأي أهل الخبرة. واوضحت ان ما تقرره هذه القواعد في مجال تقديري حيث يعترف العلم بما يدور فيها من خلاف ويفترض قدرا من الصحة في الاراء المختلفة التي تنازعها فلا محل عندئذ للقول بثمة خطأ وقع فيه الطبيب وعلى ذلك فلو اخذ الطبيب برأي محل خلاف او برأى مرجح فلا يتوافر الخطأ في حقه طالما ان له في تقدير ما أخذ به السند العلمي القوي مشيرة الى ان الصعوبات التي يمكن ان تثار في العمل يصبح امرها ميسورا اذا اعتمد القاضي على معيار الطبيب المعتاد وقدر مدى تقيده بالقواعد العلمية والفنية في الظروف التي احاطت بالطبيب المسئول ولا محل حينئذ للاخذ بمعيار آخر كمعيار الطبيب الشديد الحرص او اقامة التفرقة بين الخطأ الجسيم والخطأ اليسير ولكن قد تكون لهذه التفرقة اهمية في تقدير العقوبة التي ينزلها القاضي في حدود سلطته التقديرية اذ المنطق يقضي ان يكون عقاب من صدر عنه خطأ جسيم اشد من عقاب من كان خطؤه يسيرا وتقدير جسامه الخطأ هو مسألة موضوعية تخضع لتقدير القاضي مستعينا بالظروف التي احاطت بالخطأ فاذا كانت المحكمة قد قدرت ان الطبيب قد اخطأ باجراء الجراحة في العينين معا، وفي وقت واحد مع عدم الحاجة الى الاسراع في اجراء الجراحة ودون اتخاذ كافة الاحتياطات التامة لتأمين نتيجتها والتزام الحيطة الواجبة التي تتناسب وطبيعة الاسلوب الذي اختاره فعرض المريض بذلك لحدوث المضاعفات السيئة في العينين معا في وقت واحد الامر الذي انتهى الى فقد ابصارهما كلية فان هذا القدر الثابت من الخطأ يكفي وحده لحمل مسئولية الطبيب جنائيا ومدنيا. وذكرت الدراسة ان العمل الطبي هو نشاط يتفق في كيفية وظروف ادائه مع القواعد والاصول المقررة في علم الطب ويتجه في ذاته الى شفاء المريض وهو لا يصدر الا من شخص مرخص له قانونا بمزاولة مهنة الطب ومن اهم ما يتطلبه القانون لاعطاء هذا الترخيص حصول طالبه على المؤهل الدراسي الذي يؤهله لهذه المهنة اعتبارا بأن الحاصل على هذا المؤهل هو وحده الذي يستطيع ان يباشر العمل الطبي طبقا للاصول العلمية المتعارف عليها والاصل في العمل الطبي ان يكون علاجيا اي يستهدف بالدرجة الاولى تخليص المريض من مرض الم به او تخفيف حدته او تخفيف الامه. مشيرة الى انه يعد كذلك من قبيل الاعمال الطبية ما يستهدف الكشف عن اسباب سوء الصحة او مجرد الوقاية من مرض وان اباحة عمل الطبيب مشروطة بان يكون مايجريه مطابقا للقواعد والاصول العلمية المقررة ولا يبقى بعد ذلك الا الشفاء فهو من عند الله مصداقا لقوله سبحانه وتعالى: «واذا مرضت فهو يشفين» وعلى ذلك يمكن القول ان العمل الطبي هو عمل مشروع حتى ولو ساءت حالة المريض ولكن اذا اقترن هذا العمل بخطأ ما سئل الطبيب عنه مسئولية غير عمدية. واوضحت الدراسة ان فشل العلاج لا يمكن اعتباره قرينة قاطعة على خطأ الطبيب فقد يفشل العلاج على الرغم من التزام الطبيب بالقواعد والاصول العلمية الثابتة ففي هذه الحالة لا تكون هناك ثمة مسئولية جنائية اما اذا خرج الطبيب عن تلك القواعد والاصول الطبية ولم يلتزم قواعد الحيطة والحذر بان ترك سلاحا في بطن المريض او اجرى العملية الجراحية وهو في حالة سكر فانه يسأل عن هذا الخطأ مسئولية غير عمدية. وتطرقت الدراسة الى تعريف الخطأ الطبي فاشارت الى ان المقصود به هو انحراف الطبيب عن السلوك الطبي العادي والمألوف وما يقتضيه من يقظة وتبصر حتى لايهتم بمريضه وبعبارة اخرى هو اخلال الطبيب بالواجبات الخاصة التي تفرضها عليه مهنته وعدم التزام بمراعاة الحيطة والحذر والحرص على الحقوق والمصالح التي يحميها القانون ويفترض الالتزام بمراعاة الحيطة والحذر واستطاعة الوفاء به لانه لا التزام بغير مستطاع ذلك بان القانون لا يفرض من اساليب الاحتياط والحذر الا ما كان مستطاعا موضحة ان الخطأ الطبي يقوم على توافر عنصرين اساسيين اولهما هو مراعاة الاصول والقواعد العلمية المتعارف عليها في علم الطب والاخلال بواجبات الحيطة والحذر وهو مايعني ان الطبيب قد اغفل العناية التي كانت في استطاعته ومن واجبه بالنظر الى ظروفه وامكاناته الشخصية فلم يتوقع النتيجة التي كان في وسعه توقعها لو بذل العناية المفروضة عليه وثانيهما هو توافر رابطة او علاقة نفسية بين ارادة الطبيب والنتيجة الخاطئة وهو ما يعني اتجاه ارادة الطبيب على غير النحو الذي يفرضه القانون ومن ثم يتعين ان يستغل الطبيب ما يتمتع به من معلومات وامكانات ذهنية كي يدرك الاخطاء المرتبطة بسلوكه ويتوقع النتيجة الخاطئة التي كان في وسعه توقعها لو بذل العناية المفروضة عليه سواء باتخاذ اجراءات الحيطة والحذر الكافية لذلك او بالامتناع عن ذلك السلوك كلية اذا لم تكن هذه الاجراءات في استطاعته. وتابعت الدراسة ان مسئولية الطبيب لاتقوم الا اذا فرط في الاصول والقواعد العلمية المقررة في علم الطب او خالفها بحسب تقصيره وعدم تحرزه في اداء عمله فالمعيار اذن مناطه هو التزام الطبيب ببذل العناية في جميع الاحوال وليس الالتزام بتحقيق نتيجة او غاية هي شفاء المريض الا ان العناية المطلوبة منه تقتضى ان يبذل لمريضه جهودا صادقة يقظة تتفق في غير الظروف الاستثنائية مع الاصول المستقرة في علم الطب وبصرف النظر عن المسائل المختلف عليها والتي تثير جدلا ونقاشا لينفتح باب الاجتهاد فيها فانحراف الطبيب عن اداء هذا الواجب يعد خطأ يستوجب مسئوليته جنائيا ومدنيا. وذكرت ان هناك نوعين من الاخطاء الطبية وهي الخطأ الفني والخطأ المادي والفني هو الخطأ الذي يصدر عن الطبيب والمتعلق بأعمال مهنته ويتحدد هذا الخطأ بالرجوع الى الاصول والقواعد العلمية والفنية التي تحدد اصول مهنة الطب ويتولد هذا الخطأ اما نتيجة الجهل بهذه القواعد او بتطبيقها تطبيقا غير صحيح او سوء التقدير فيما تخوله من مجال تقديري. اما الخطأ المادي فلا شأن له بالقواعد السابقة وانما مرده الاخلال بواجبات الحيطة والحذر العامة التي ينبغي ان يلتزم بها الناس كافة ومنهم الطبيب في نطاق مهنته باعتباره يلتزم بهذه الواجبات العامة قبل ان يلتزم بالقواعد العلمية او الفنية وضربت الدراسة امثلة للتفرقة بين الخطأ الفني والخطأ المادي حيث اشارت الى ان الطبيب الذي يصف دواء اساء الى صحة المريض لحساسية خاصة لم يتبينها او يغفل عن استدعاء طبيب اخصائي لعدم تقديره خطورة حالة المريض او يطبق وسيلة علاج جديدة لم يسبق تجربتها. في كل هذه الامثلة يعتبر الطبيب مقترفا خطأ فنيا اما في حالة ما اذا اجرى الطبيب عملية جراحية وهو في حالة سكر او بادوات جراحية غير معقمة او ترك بعضها في بطن المريض فانه يكون مقترفا خطأ ماديا موضحة ان البعض قد ذهب الى التفرقة بين الاخطاء العادية التي لاتتصل بأصول المهنة ولا يثير تقديرها نقاشا او جدلا علميا مثل الغلط في كتابة الدواء او استعمال اجهزة في حالة سيئة او غير معقمة او ترك مشرط في جسم المريض وقالوا ان هذه الاخطاء يسأل عنها الطبيب مهما كانت يسيرة وبين الاخطاء المهنية التي تقع في فن الطب ذاته كتشخيص المرض او اختيار طريقة العلاج فهذه لايسأل عن الخطأ فيها إلا اذا كان جسيما. وذكرت الدراسة ان هناك ضابطين يقاس عليهما مسلك الطبيب المشخص احدهما شخصي ويقوم على اساس قياس سلوك الشخص في ظروف معينة على اساس سلوكه المعتاد فان كان هذا السلوك اقل حيطة وحذرا من سلوكه الذي اعتاده توافر في حقه الاخلال بواجبات الحيطة والحذر والاخر موضوعى ويقوم على اساس قياس سلوك الشخص الذي يلتزم في سلوكه وتصرفاته قدرا متوسطا مألوفا من الحيطة والحذر فاذا اخل الشخص بواجبات الحيطة والحذر عما يلتزم به الشخص المعتاد توافر في حقه الاخلال بتلك الواجبات مشيرة الى ان الضابط الشخصي هو ضابط تأباه العدالة وليس ثمة انصاف في الاخذ به اذ انه يفرق بين الناس في المسئولية دون سند من القانون فالشخص الذي اعتاد تصرفه الحذر الشديد يسأل اذا نزل او تراجع عن هذا القدر الشديد من الحذر. واكدت الدراسة ان الضابط الصحيح الذي يقاس عليه مسلك الطبيب المخطى هو الضابط الموضوعي الذي قوامه الشخصي المعتاد اي الشخص الذي يلتزم في تصرفاته قدرا متوسطا ومألوفا من الحيطة والحذر بحيث انه اذا التزم الشخص هذا القدر المألوف من الحيطة والحذر فلامحل عندئذ لمؤاخذته اما اذا تحرك دون ذلك فعندئذ ينسب اليه الاخلال بواجبات الحيطة والحذر وتتحقق بذلك مسئوليته ولاشك ان هذا الضابط اكثر عدالة ويتفق مع الصالح العام واعتبارات حسن سير العدالة غير انه يلاحظ ان الضابط الموضوعي لايمكن الاخذ به على اطلاقه وانما ينبغي ان تراعى عند تطبيقه الظروف والملابسات الظاهرة التي صدر فيها التصرف. أبوظبي ـ ممدوح عبد الحميد