واجهت التعديلات المقترحة على قانون العمل انتقادات شديدة من قبل عدد كبير من نخبة من الاستشاريين والخبراء القانونيين في ندوة نظمتها كلية ادارة الاعمال بالجامعة الامريكية بدبي بالتعاون مع مكتب حبيب الملا للاستشارات القانونية وحضرها ممثلون عن وزارة العمل. وقد انتقد المشاركون بالندوة اهم تلك التعديلات واشاروا الى عدم اتساقها مع الهدف من تنظيم قانون العمل وتناولوا اهم ما ورد من تعديلات بشأن الاجازة السنوية واجازة الحج وعدد ساعات العمل الاسبوعية والبدل النقدي للاجازة وكذلك ما يتعلق بمكافأة نهاية الخدمة بالاضافة الى ما يتعلق من تعديلات بشأن مصادرة حق العامل في العمل ومدة الحرمان للمستقيل. كما تناولت الانتقادات ما اشار اليه التعديل الخاص بالمادة 112 من قانون العمل بشأن اعادة العامل الذي ثبتت براءته من تهمة تسببت في ايقافه عن العمل الى عمله اذ ان القانون الحالي يلزم صاحب العمل باعادته لعملة وجاء التعديل ليجيز لصاحب العمل عودة العامل وفقا لرغبته. وتابعت «البيان» وقائع الندوة وما استعرضته من مناقشات بشأن التعديلات المقترحة وبيان مدى اتفاقها واتساقها مع ما تستهدفه قوانين العمل من حماية مصالح العامل بصفته الطرف الضعيف في علاقة العمل فأشار الدكتور حبيب الملا المستشار القانوني وعضو جمعية التحكيم الدولي الى ان الاجازة السنوية وطبقا للمادة 75 من قانون العمل المعمول به حاليا تشير الى ان العامل الذي اكمل في الخدمة سنة كاملة يستحق ثلاثين يوما اجازة والعامل الذي اكمل ستة اشهر ولم يكمل السنة يستحق اجازة بواقع يومين عن كل شهر مشيرا الى ان التعديل المقترح ذهب الى تخفيض مدة الاجازة لمن أكمل سنة كاملة لتكون 21 بدلا من 30 يوما ومن لا يكمل السنة تصبح «يوما واحدا» عن كل شهر بدلا من يومين وساق اصحاب التعديل مبررهم الى ان الاجازة السنوية الحالية طويلة وان العامل يتعمد طلب الاجازة بعد مرور سنتين حتى يحصل على 60 يوما وهي اجازة طويلة في واقع الحال. تبرير ليس ذا سند وأكد الدكتور حبيب على ان هذا التبرير قاصر ولا يصلح سندا لحرمان العامل من هذا الحق الاساسي مشيرا الى عدة اسباب منها ان الاجازة السنوية فرصة للعامل لكي يستيرح من عناء عام كامل ويستعيد حيويته ويجدد نشاطه ويتواصل مع الحياة الاجتماعية والترفيهية التي انقطع عنها سنة كاملة كذلك فمن خصائص قانون العمل انه واقع والواقع بالدولة ان سوق العمالة يتكون في غالبيته العظمى من الوافدين الذين تركوا عائلاتهم وذويهم في اوطانهم وهم بلا شك في أمس الحاجة لرعايتهم والعناية بهم دوما. واشار الى ان مدة ثلاثين يوما كل عام تمثل الحد الادنى الذي يحتاجه العامل للتعايش سنويا مع اسرته وذويه خاصة اذا كان له زوجة واطفال مشيرا الى ان تخفيض فترة الاجازة السنوية تتضمن انتقاص كبير من حقوق العامل ومن شأنها ان تقلل من قدرته على العطاء والانتاج. وقال انه يمكن معالجة تعمد بعض العمال طلب اجازتهم كل عامين بحظر جمع الاجازة المستحقة ووجوب استنفاذ كل عامل لاجازته السنوية اما عينيا أونقدا حسب الاتفاق بين العامل وصاحب العمل. اقتراح محق دون افراط وفيما يتعلق باجازة الحج فقد ذهب الاقتراح بالتعديل الى خفض مدتها من 30 يوما الى 20 استنادا الى توفر وسائل الانتقال المختلفة لاداء هذه الفريضة التي يحصل عليها العامل مرة واحدة طوال مدة خدمته دون أجر ولاقى هذا التعديل التأييد الذي جاء في محله اذ ان 20 يوما كافية تماما لاداء مناسك الحج دون أي تفريط. كما تناول التعديل عدد ساعات العمل العادية اليومية اذ ان القانون الحالي في المادة «65» ينص على ان الحد الاقصى لها 8 ساعات في اليوم الواحد أو 48 ساعة بالاسبوع يجوز زيادتها الى 9 ساعات في اليوم الواحد للاعمال التجارية والفنادق ولكن التعديل اقترح زيادتها لبعض الفئات الى 56 ساعة اسبوعيا بواقع اكثر من 9 ساعات يوميا مما يزيد العبء على العامل. وجاء رد القانونيين ان هناك تشريعات «كالتشريع الفرنسي» خفضت عدد ساعات العمل بالمحال التجارية والصناعية الى ست ساعات وأربعين دقيقة كما ان اعمال الفنادق والمقاصف والحراسة في أمس الحاجة لتخفيض ساعات عملهم عن الحد المحدد في المادة «65» وليس زيادتها نظرا لأن طبيعة عملهم تقتضي فيهم العمل ليلا لساعات متأخرة. ميزة لصاحب العمل وحول التعديل المقترح بشأن البدل النقدي للاجازة فقد نص القانون الحالي في المادة «80» على انه على صاحب العمل أن يؤدي للعامل قبل قيامه باجازته السنوية كامل الاجر المستحق له مضافا اليه اجر الاجازة المستحق له بيد أن التعديل جاء باقتراح مؤداه ان على صاحب العمل ان يدفع البدل النقدي المستحق للعامل في حال عدم قيامه باجازته السنوية دون الزام صاحب العمل بسداد هذا البدل النقدي في وقت معين. وانتقد القانونيون من الحضور هذا الاقتراح الذي يمنح ميزة لصاحب العمل على حساب العامل دون أي مبرر او مقتضى وقالوا اذا كان العامل لا يرغب في الاستفادة من اجازته فمن حقه ان يستلم على الفور بدل الاجازة النقدي دون أي تأخير مشيرين الى انه من الخطأ ان يترك هذا الامر بيد صاحب العمل دون قيد أو شرط. كما كان من أهم ما وجه من انتقادات للتعديلات المقترحة ما جاء بمكافأة نهاية الخدمة من تعديل بتخفيضها للعامل الذي اكمل في الخدمة سنة كاملة لتصبح 15 يوما عن كل سنة خدمة وبشرطة الا تزيد في مجموعها على 6 اشهر. واوضح طوني معلولي المستشار القانوني ان ما اتفق عليه بين كافة الخبراء القانونيين ان نظام مكافأة نهاية الخدمة يقوم على اعتبارات العدالة الاجتماعية مشيرا الى ان العامل عندما يصل الى سن الشيخوخة أو يفقد القدرة على العمل والعطاء يكون في أمس الحاجة للرعاية والعناية وغالبا لا يستطيع العامل ان يدخر من أجره ما يواجه به مثل هذه الحالات. وقال ان مكافأة نهاية الخدمة تعد هنا خير وسيلة يواجه بها العامل مثل هذه الظروف مشيرا الى ان ما جاء بالتعديل المقترح من شأنه ان ينقص كثيرا من قدرة العامل على مواجهة صعوبات الحياة بعد ان افنى قوته وطاقته وشبابه في العمل والعطاء. والامر نفسه بالنسبة لتخفيض الحد الاقصى لمكافأة نهاية الخدمة من عامين في القانون الحالي الى 6 اشهر في التعديلات المقترحة. واكد كافة الحضور بالندوة من استشاريين قانونيين ان هذا المقترح من شأن ان ينتقص كثيرا من حقوق العامل دون مقتضى أو مبرر اذ ان العامل الذي يستمر في عمله لأكثر من 12 عاما تمتع فيها بالكفاءة والقدرة على العطاء ليس هناك ما يبرر ان يحرم من مكافأة نهاية الخدمة عن المدة التي تزيد عن 12 سنة رغم ان صاحب العمل يستفيد منه اكثر من ذي قبل على اعتبار زيادة كفاءة العامل وعطائه بزيادة خبراته. وذكروا ان اقرار مثل هذا التعديل من شأنه ان يدفع العامل الى ترك عمله عند اكماله لمدة خدمة قدرها 12 سنة لينتقل الى صاحب عمل اخر حتى يستطيع ان يستفيد من مكافأة نهاية الخدمة مشيرين الى ان القانون الحالي كان موفقا اذ رفع مكافأة نهاية الخدمة من 21 يوما الى 30 يوما عن كل سنة خدمة زيادة على الخمس سنوات الاولى. وأكدوا على ان التعديل المقترح غير موفق ومن شأن تطبيقه إلحاق اضرار لكل من العامل وصاحب العمل. وفيما يخص حق العامل في العمل والتعديل المقترح بالغاء مدة الثلاث سنوات المعمول بها بالقانون الحالي بالمادة «127» والتي تمنع العامل من الانتقال للعمل لدى جهة منافسة او الاشتراك في مشروع منافس لتترك المدة في التعديلات مفتوحة او ان يترك تحديدها لقرار يصدره معالي وزير العمل، اشار طوني معلولي المستشار القانوني الى ان الحق في العمل حق دستوري ومن ثم لا يجوز تقييده وللعامل الحق في اختيار العمل الذي يباشره بما يحقق مصالحه ولا يجوز ان يفرض عليه ان يظل تابعا لصاحب عمل واحد او ان يحرم من الاستقلالية والعمل منفردا والا فاننا بذلك نحرمه من الاستفادة من الخبرات التي اكتسبها عبر سنوات طوال. كما انه في المقابل هناك صاحب العمل الذي منح العامل من الثقة القدر الكبير وفتح له الباب ليطلع على اسرار عمله وبسببه اكتسب العامل الخبرات وتراكمت لديه المعرفة ولذلك فما اشار اليه التعديل من ترك تحديد المدة والقواعد والاجراءات لقرار يصدره معالي وزير العمل هو خير وهو الانسب. اما ضبط مسألة المنافسة غير المشروعة فهي غاية في الصعوبة وتتضمن قدرا كبيرا من الغموض فلا يعني انتقال عامل من جهة الى اخرى تعمل بنفس النشاط انه سيسلك درب المنافسة غير المشروعة أو حتى اذا استقل بمشروع بنفس النشاط اذ ان المنافسة قائمة خاصة في عالمنا الذي زاد فيه المعروض بكافة المجالات واصبح الجميع داخل المنافسة. واشار الى ان القضاء بالدولة كان مدركا لتلك الحقائق فتوافرت احكامه على ان شرط اعمال المادة «127» من قانون العمل ان يثبت صاحب العمل ان تصرف العامل الحق به ضررا ما. فرضان لهما ما يبررهما ويتم بعد ذلك تناول التعديل المقترح بالمادة «112» من قانون العمل الذي يجيز لصاحب العمل وتقديره أمر اعادة العامل الذي اتهم بجريمة وثبتت براءته بعد ان كانت هذه المادة بالقانون المعمول به حاليا تلزم صاحب العمل بوجوب اعادته. ويشير القانونيون الى ان هذا التعديل رجح جانب صاحب العمل وأهمل تماما جانب العامل الذي ثبتت براءته وبدلا من أن نأخذ بيده لتعويض ما فاته اذ بنا نشجع صاحب العمل على ان يصدر حكما بادانة العامل رغم صدور حكم ببراءته. وافترضوا فرضين الأول ان يكون اتهام العامل من قبل صاحب العمل وصدر حكم ببراءته فهنا من غير المنطقي ان يتم الزام صاحب العمل باعادته الى العمل ويكون التعديل المقترح محقاً في هذه الجزئية ولكن بتعويض العامل الذي ثبتت براءته ويرفض صاحب العمل اعادته وليكن التعويض اجره لمدة تتراوح ما بين 3 الى 6 اشهر بخلاف التعويض عن الفصل التعسفي. اما الفرض الثاني وهو اتهام العامل من جهة اخرى غير صاحب العمل فهنا يكون رفض صاحب العمل اعادته الى عمله لا مبرر له خاصة بعد ان ثبتت براءته ويستحق العامل هنا تعويضا طبقا لاحكام القانون الحالي. اضرار بسوق العمل واجمع الحضور من خبراء واستشاريين قانونيين على ان من شأن تطبيق التعديلات المقترحة التي كانت محل انتقادات ان تفرز نتائج سلبية على سوق العمل بالدولة واستقرار التعامل بين العمال واصحاب العمل ومنها على سبيل المثال لا الحصر عزوف المواطنين عن الالتحاق بالعمل بالقطاع الخاص اذ ان هذه التعديلات المقترحة من شأنها ان تخلق فارقا كبيرا بين حقوق العامل الذي يلتحق بالعمل لدى الجهات الحكومية والعامل الذي ينخرط بالعمل بالقطاع الخاص اذ ان المميزات والحقوق التي يتمتع بها العاملون بالجهة الاولى تفوق بكثير تلك التي يتمتع بها العاملون بالمقارنة بالجهة الثانية وبذلك يفقد العنصر المواطن حماسة وقبوله للعمل بالقطاع الخاص كذلك هروب الكفاءات المميزة من سوق العمل والاستجابة لعروض عمل اخرى في أماكن اخرى. كما ان اقرار هذه التعديلات سيفتح الباب لمفاوضات واتفاقيات بين اصحاب العمل والعمال مما سيؤدي الى وجود ازدواجية وعدم استقرار مشيرين الى ان المفاوضات الجانبية بين العامل وصاحب العمل ستأخذ طريقا جانبيا ليحصل العامل على الحقوق المقررة الآن في قانون العمل الحالي وقد يتجاوزها كذلك بالاضافة الى امكانية ظهور ووجود اكثر من نموذج لعقد العمل وفوارق كبيرة بين العمال فيما بينهم وهو ما سيؤدي في النهاية لعدم استقرار سوق العمل ومحاولة كل طرف الحصول على اكبر قدر ممكن من الحقوق والمزايا. كتب محسن راشد:
ندوة تتناول بالمناقشة والتحليل مشروع قانون العمل الجديد، خفض مكافأة نهاية الخدمة يضر بالعامل وصاحب العمل
