اعتادت جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم ان تمهد للمسابقة القرآنية في كل رمضان بفعاليات تتضمن محاضرات للرجال وللنساء. وفي هذا العام 1422 من الهجرة كانت قاعة غرفة تجارة وصناعة دبي على موعد مع مثل تلك المحاضرات. انني في الواقع اشكر كل المحاضرين الذين امتعونا بمحاضراتهم القيمة، لكني اود ان اقف مع المحاضرين الجليلين الشابين: الشيخ محمد العوضي من دولة الكويت، والاستاذ عمرو خالد من مصر. الشيخ محمد العوضي شاب لم يتجاوز عمره الـ 40 بعد، وقد القى محاضرة بعنوان «ثورة على الذات» فامتلأت القاعة بمحبيه حتى النخاع وكان للحديث صلة بشهر رمضان، والصيام الذي يعني الارادة، والارادة هي تعني الانتصار على النفس الامارة بالسوء. الاستاذ عمرو خالد هو الآخر شاب في عمر السادس والثلاثين، القى محاضرته بعنوان «التوبة» فغصت القاعة بمحبيه ايضا، حتى لم تبق رقعة فراغ في القاعة سوى الطاولة الموضوعة امامه. وكان لحديثه صلة بشهر رمضان ايضا حيث انه تحدث عن التوبة ونسيان الذنب، وفتح صفحة جديدة مع الله، وهكذا يفعل الصائم، ولذلك فان رمضان كفارة لما بينهما من الذنوب. انني في الواقع اعجبت باسلوبهما كما اعجب بهما الحاضرون جميعا لما كان لهما من تأثير على النفوس، ووقع في القلوب. فالعوضي اضحكنا كثيرا وأبكانا قليلا من خلال اسلوبه العلمي الجميل الذي كان فيه الكثير من الامل الداعي الى العمل وربط بين النظري المدروس والواقع العملي الممارس واستطاع ان يضرب امثلة حية من الشرق والغرب باسلوب لم يخل من عمق المفكر، ولا من دعابة الداعية المعاصر. انه شاب فتح الله عليه واعطاه قوة الذاكرة وخفة الروح والجسم، ولم يمنعه صغر جسمه من ان يكبر في عيون مشاهديه وسامعيه، وان يحقق الوصول الى قلوبهم وعقولهم وهنا تذكرت قول الشاعر: كنت في القوم الطّوال علوتهم بعارفة حتى يقال طويل اما عمرو خالد فقد ابكانا كثيرا، واضحكنا قليلا من خلال اسلوبه الروحاني الجميل الذي حمل الينا الكثير من الرقائق التي تزخر بها كتب الصالحين الاقدمين وقد سردها باسلوب سهل اخذ مجامع القلوب حتى ذرفت منها العيون. انه شاب يتميز بقوة ذاكرته ايضا وخفة روحه، وهو رغم انه حليق اللحية لم يمنعه ذلك من ان يؤثر في اصحاب اللحى كما اثر في الحالقين. نعم.. لاحظت ذلك عندما رأيت قد هرع الى محاضرته الشباب الملتحون وغير الملتحين مما يدل على ان الاخلاص شيء يكمن في النفس والكلمة متى خرجت من القلب وقعت في القلب، وهنا تذكرت الحديث النبوي «ان الله لاينظر الى صوركم واجسامكم ولكن ينظر الى قلوبكم واعمالكم». ثم انني في الواقع استنتجت من هذا الحضور الكبير للمحاضرين في نفوس الشباب بأن المسألة ليست مسألة علم وعضلات قدر ما هي مسألة اقناع وتأثير. اذن من المهم جدا ان يكون العالم قادرا على توصيل علمه الى الآخرين باسلوب شهي، والداعية قادر على اقناع من حوله بالحب لا بالعصا ولن يكون كذلك اذا لم يستطع ان يتنازل عن الكثير في سبيل تحقيق القليل. وان ينظر الى الناس بعين الاحترام والرضا، لا بعين الازدراء والتحقير. ثم علمت ايضا اننا نظلم المجتمع عندما نحكم عليهم بانهم مجتمع يرفض الاستماع للخير، والحق اننا لم ندعهم الى الخير باسلوب يفهمونه مع العلم بأن ديننا امرنا ان نتبع مع المسلمين اسلوب «ادع الى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة». ونتبع مع غير المسلمين باسلوب: وجادلهم بالتي هي احسن. اذن ما احوجنا الى دعاة شباب كالعوضي، وعمرو خالد. وما احوج المجتمع الى فعاليات مثل فعاليات جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم والتحية كل التحية للفريق اول سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم ولي عهد دبي وزير الدفاع ـ راعي الجائزة، وتحية اخرى للقائمين على اللجنة المنظمة للجائزة.