تلعب هيئة تنمية وتوظيف الموارد البشرية الوطنية «تنمية» دورا بارزا في ترسيخ مفاهيم ومعايير توطين الوظائف في المؤسسات الخاصة بالدولة من خلال استراتيجية اعدت لذلك. وقالت الهيئة في ورقة عمل اعدت حول استراتيجيتها ان مشكلة توظيف المواطنين في دولة الامارات العربية المتحدة (ودول مجلس التعاون لدول الخليج العربية) تعتبر مشكلة فريدة. فالمواطنون يعانون من مشاكل التوظيف رغم انهم يمثلون اقلية في اجمالي العمالة ببلادهم. وهذه المشكلة تتصل بكلى جانبي العرض من القوى العاملة الوطنية والطلب عليها. ويمكن النظر للمشكلة من خلال ثلاثة ابعاد رئيسية وهي: الأول: زيادة الطلب على التوظيف كنتيجة لزيادة السكان وفي معدل المشاركة في قوة العمل، والثاني: المنافشة غير العادلة في سوق العمل (مع القوى العاملة غير المواطنة) والتي ادت الى تفضيل القطاع الحكومي والتركيز على وظائفه في حين ان وظائف القطاع الخاص اكثر واسرع نموا، والثالث: عدم كفاية الخلفية التعليمية ومهارات طالبي الوظائف من المواطنين. واستعرضت الورقة أهم النتائج التي تم التوصل اليها وهي توطين وظائف القطاع العام فان المواضيع التي تحتاج الى بحث واستقصاء من اجل اعداد المواطنين لأخذ المزيد من الوظائف في الخدمة العامة كثيرة. والمطلوب بحثها على اربعة مستويات رئيسية وهي: وضع السياسات والتخطيط وبناء المؤسسات حيث ان توطين الوظائف عملية متعددة المستويات (وفي حالة الامارات، طويلة المدى ايضا). ويمكن تعريفها بأنها: «عملية متعددة المستويات عن طريقها يخفض الاعتماد على القوى العاملة غير الوطنية ويتم اعداد المواطنين لشغل الوظائف التي يقوم بها غير المواطنين. ومثل هذا الاعداد يتطلب تمكين المواطنين، في اقل فترة زمنية ممكنة، من تأدية واجبات الوظائف بنفس مستوى الجودة ـ ان لم يكن افضل ـ التي يعمل بها غير المواطنين». وتعدد مستوى العملية يعني ان مهمة وضع السياسات، التخطيط والتنفيذ ينبغي ان يتم من قبل عدة جهات تعمل في مستويات ومجالات مختلفة. وهي تتطلب احداث و/أو تحسين نظام العمل التنسيقي والمؤسسات التنسيقية. وان انشاء هيئة تنمية وتطوير وتوظيف القوى العاملة الوطنية يعتبر خطوة هامة لتطوير مثل هذا النظام التنسيقي والمساهمة بفاعلية في الموضوعين الاساسيين الثاني والثالث اللذان يتم مناقشتهما ادناه. وقالت «تنمية» ان ارباب العمل في سوق الامارات ان هناك اهمية قصوى لتحسين المهارات الوطنية وبناء القدرات مشيرة الى ان توطين الوظائف يستلزم ليس فقط استبدال غير المواطنين بالمواطنين، ولكن ايضا التأكد من ان بعض الوظائف التي يشغلها «اساسا» غير مواطنين فائضة وليست ضرورية. ويمكن تحقيق ذلك من خلال الاصلاحات التالية: الاصلاح الاقتصادي ويتضمن اختيار التقنية المناسبة «في حالة الامارات يعني التكثيف الرأسمالي والمهاري». والاصلاح الاداري والذي يتطلب اعادة التنظيم، واعادة ترتيب العمل، وتحسين الاداء من خلال التدريب ونظام الحوافز الملائم، واصلاح سوق العمل والذي يعني من بين اشياء اخرى، خلق نظام حوافز يتيح توجيه المهارات الى حيث تكثر الحاجة لها، وازالة الدعم غير المباشر لاجور غير المواطنين. وبينما تؤدي الاجراءات المذكورة اعلاه الى خفض كبير وملموس في القوى العاملة غير الوطنية، فانها ايضا تفتح مجالات عمل جديدة للقوى العاملة الوطنية. وفيما يتعلق بالاصلاح الاجتماعي قالت «تنمية» ان التطور والتغيير الاقتصادي كان اسرع من قدرة المستويات الاجتماعية (الهياكل، المفاهيم، والاتجاهات) على المواكبة، النظرة السلبية تجاه بعض بيئات العمل، وتجاه وظائف/ مهن بعينها، وكذلك السعي للحصول على وظائف عالية المستوى من وجهة نظر المكانة الاجتماعية، وليس من ناحية المسئولية، كل ذلك كان من بين ما ذكره اصحاب العمل كعوامل مقيدة لعملية شغل الوظائف بالمواطنين، وان الاتجاهات الاجتماعية السلبية يمكن تغييرها باجراءات محددة مثل رفع الوعي من خلال التعليم والعمل الاجتماعي وكذلك عن طريق الحوافز الاقتصادية ونظام الحوافز السلبية. ورغم اهمية المستوى الاجتماعي، الا ان نطاق هذه الدراسة لا يسمح بسبر اغوار ابعاده «ومن ثم تطوير حزمة اجراءات تدخل حكومي بشأنها» في هذه الورقة، ويظل ذلك المجال مفتوحا للبحث والتقصي «واتخاذ الاجراءات» مستقبلا. واوضحت «تنمية» ان هناك حاجة لاستراتيجية شاملة من اجل ايقاف الاتجاه السائد حاليا والمتسم بتناقص مشاركة المواطنين في اجمالي القوى العاملة في القطاع الخاص، ومثل هذه الاستراتيجية يجب ان تقوم على عدد من الاعمدة، واهمها ما يلي: الارادة السياسية فواضعو السياسات يحتاجون الى الوعي بهذه المشكلة ونتائجها ومن ثم يجب ان يكونوا مستعدين لاعداد وتنفيذ حزمة اجراءات التدخل لاصلاح الوضع الراهن. وبدون هذا لا يمكن تغيير الوضع الحالي. وقالت «تنمية» ان التحرير الاقتصادي لا يعني ترك القطاع الخاص الذي يهيمن عليه غير المواطنين لتحديد انماط نمو غير مرغوب فيها ولا تخدم مصلحة الاقتصاد الوطني على المدى الطويل، وعلى العكس من ذلك، فان التحديد الواضح للقطاعات الاقتصادية التي كون نموها متماشياً مع المصالح الاقتصادية بعيدة المدى هو المطلوب. وهذه ستكون القطاعات التي تعتمد بصورة متزايدة على التقنية المتقدمة ذات الكثافة الرأسمالية لا العمالية، حيث ان الامارات من الدول ذات فائض في رأس المال «وليس العمالة» بل وتعاني من ندرة العمالة. وقالت «تنمية» انه ينبغي تنمية المهارات المناسبة للقوى العاملة الوطنية من خلال توجيه التعليم والتدريب من خلال التحليل الصحيح لاحتياجات سوق العمل الخاص والاستجابة لها. وللقطاع الخاص دور هام في تأمين التدريب للمواطنين، اضافة لدعم توظيف النساء فان بعض العوامل الثقافية والمحاذير والادوار الاجتماعية قد تعيق توظيف النساء في بعض القطاعات والاماكن. ومع ذلك، فان استغلال الموارد البشرية للنساء ذو اهمية كبيرة للتنمية الاقتصادية لسياسات التوطين في بلد رجاله اقل تعليما من النساء «خصوصا في المستويات العليا» و40% منهم يعملون في الجيش، والمطلوب حقيقة انظمة للتدخل لتحسين فرص توظيف النساء في القطاع الخاص، وفي هذا الصدد لابد من مراعاة ان يكون العمل قريبا من مواقع السكن بالنسبة للكثير من النساء، ويجب مراعاة هذا الاعتبار عند التخطيط لمواقع الوحدات الحكومية المختلفة «وكذلك ايضا فيما يتعلق بمنشآت القطاع الخاص». واوضحت «تنمية» ان هناك حاجة لنظام الدعم المؤسسي لمساعي دخول عالم الاعمال من قبل المواطنين فبدون التدخل لمساعدتهم، فان المواطنين الشباب الراغبين «والقادرين» في دخول القطاع الخاص سيجدون صعوبات كبيرة نسبة للظروف السائدة الناتجة عن المنافسة غير المتكافئة مع غير المواطنين. وهذه المنافسة غير المتكافئة تأتي نتيجة. ضمن اسباب اخرى. لشبكات العمل القوية القائمة بين غير المواطنين وبينهم وبين الموردين من خارج البلاد، الى جانب عدم تنظيم الدخول في مجال الاعمال الى الحد الذي يؤدي الى خفض الارباح الى حدود تناسب الحفاظ على مستوى من المعيشة غير مقبول سوى لغير المواطنين القادمين من بلاد مستوى المعيشة فيها اقل. والدعم الذي يقدم للاعمال الصغيرة الوطنية يمكن ان يأخذ عدة اشكال، كما هو مفصل في الفصل الخامس. وأكدت أهمية التدخل لتأمين وظائف المواطنين ففي بعض القطاعات والانشطة المهمة للاقتصاد الوطني، وعندما تتوفر امكانية تدريب مواطنين للعمل في هذه القطاعات/ الانشطة، فان الحكومة قد تحتاج للتدخل لتأمين وظائف للمواطنين. وقطاع البنوك مثال جيد حيث تدخلت الحكومة بخطة محددة لزيادة مشاركة المواطنين في وظائف هذا القطاع. واضافت ان هناك اهمية للقدرات المؤسسية للتنسيق والتخطيط والتنفيذ والمتابعة فان انشاء هيئة تنمية وتطوير وتوظيف القوى العاملة الوطنية يعتبر خطوة اولى لاحداث التكوين المؤسسي. ومن الأهمية بمكان ان تمنح الهيئة الصلاحيات التي تمكنها من القيام بدورها في التخطيط والتنسيق والتنفيذ لكافة ما يتصل بتوطين الوظائف، ودعم المواطنين بالمهارات وانواع المساندة الاخرى التي يحتاجونها لدخول القطاع الخاص. واكدت اهمية ملاءمة احتياجات المهارات فان المهام الناشئة عن سياسات التدخل المطلوبة لتحسين وتعزيز فرص توظيف المواطنين في الخدمة العامة والقطاع الخاص تشير بشدة الى الحاجة الماسة الى التدخل في عملية تنمية المهارات، ومن هنا فان الاجراءات التالية لها اولوية عالية: تقييم الطلب المحتمل للمهارات الوطنية يكشف عن اهمية بعض التخصصات اكثر من غيرها «وذلك من المعلومات المتوفرة ومسح الاراء. هذه التخصصات تتطلب التدريب في مجالات محددة مثل: الهندسة، والتخصصات في المجال الصحي والادارة والمجالات العلمية والفنية ذات الصلة. اتجاه البلاد لتخفيف الاعتماد على العمالة الاجنبية سيؤدي الى استخدام المزيد من التقنية، لاستبدال التقنيات التي تعتمد على الكثافة العمالية واساليب العمل باخرى تعتمد على المهارات العالية. واذا كانت الموارد البشرية الوطنية غير مهيأة للتقنيات والاساليب الجديدة، فان كل ما يمكن للبلاد عمله هو ان تستبدل الاعتماد على العمالة غير الماهرة بالاعتماد على العمالة الماهرة والتقنيات المستوردة.