كنزول الغيث على الارض العطشى ينزل رمضان ضيفا عزيزا على القلوب والارواح ليسكب فيها الطمأنينة والامان، ويمنحها الشعور بالقدرة على المواصلة في الحياة بخطوات اكثرة قوة واعظم اثراً، ويزرع فيها الشعور بالتميز والفخر بالانتماء الى هذا الدين الذي كرم الانسان، وسن له من الشعائر ما يزكيه، ويطهره، ويؤهله ليكون ذلك العبد الصالح الجدير بشرف الانتماء اليه. وشأن الصيام ان يكون احد مصادر الطاقة الروحية والنفسية والخلقية للمسلم الذي يحتاج الى ذخيرة من الطاقة الداخلية كي تعينه على الوفاء بالتزاماته تجاه هذا الدين والاستمرار في ممارسة العبادة بمفهومها الواسع الذي يشمل المعاملات والاخلاق الى جانب اشتماله على العبادات. وتتمثل الطاقة الروحية في ذلك الفيض الغامر من المشاعر الايمانية التي تغمر روح الصائم وتجعله باحثا عن ابواب العبادة وانواع العمل الصالح ليمارسه حبا وامتثالا، ولأن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها فإن النتيجة الطبيعية للصوم الصحيح مضاعفة رصيد الحسنات من خلال الاغتراف من معين الطاعات التي تتنوع لتشمل جميع ابواب الخير. وتتمثل الطاقة النفسية في ذلك الصبر، وتلك الارادة التي يشعر بها الصائم وهو يمارس هذه العبادة السنوية المتجددة، تلك الارادة التي يسمو من خلالها الانسان على رغبات نفسه وحظوظها العاجلة فيترفع عن الانتصار لنفسه في مواقف الغضب، ويتحرر من مشاعر الانانية الضيقة ليبادر في تقديم العون والمساعدة لاخوانه المسلمين شعوراً منه بالتضامن والانتماء الى كل مسلم في الارض يشاركه هذه الشعيرة المهمة ويعيش معه هذه الاجواء العابقة بنور الذكر والقي الطاعة. وتتمثل الطاقة الخلقية في الزام الانسان نفسه بآداب الاسلام في المعاملة مع الآخرين حيث ان من شروط قبول صومه ان لا يرفث ولا يصخب ولا يفسق وان سابه احد او شاتمه فليقل اني صائم اني صائم كما روى عن المعصوم عليه الصلاة والسلام. الصوم الصحيح اذن هو ذلك الصوم الذي يعيد صياغة الانسان من جديد وفق النظرة الاسلامية للمسلم. هذه الصياغة الجديدة تعزز في المسلم الصفات الايجابية التي يتحلى بها، كما تهييء له فرصة المراجعة للذات والتعرف على الاخطاء من اجل تداركها واصلاحها وعدم التمادي فيها. وحيث ان اهمال محاسبة النفس يعتبر تقصيرا من المسلم فإن رمضان بحلته المتجددة التي تغشانا في كل عام يفتح المجال لهذه الوقفة الصريحة مع النفس لمراجعة الذات واكتشاف مظاهر التقصير واسبابه، حيث يعتبر رمضان فرصة حقيقية لمن يريد ان يستدرك ما فاته من خير فيما مضى من الايام. وفي زمن كثرت فيه مصادر التأثير على عقل المسلم، وتباينت فيه مناهج التربية وتعددت فيه الافكار فاختلط الاصيل بالدخيل، والغث بالثمين وباتت العودة الى تعاليم العقيدة الاسلامية الخالصة امراً ملحاً حتى يستعيد المسلم توازنه ولا يسقط في دوامة التغريب وتغييب الهوية. والفرح بالصيام والسرور بقدوم الشهر الكريم هو أول علامة على الايمان وهو احد معاني الوصل والتواصل مع تعاليم الدين الحنيف. هنيئا لنا جميعا قدوم الشهر الكريم وكل عام وامتنا بخير. مريم عبدالله النعيمي