بقدر ما نسعد ونحن نرى المؤسسات بدأت تنفض عن كاهلها غبار التقليدية في الفكر والاداء وتحاول ضخ رؤى ومفاهيم حديثة ومتطورة تخاطب الواقع وتحاكي المستقبل، إلا اننا مازلنا نلاحظ بعض الظواهر غير الايجابية والتي نراها في العقول الجامدة، تلك التي وان كانت ظاهريا تردد بعضا من ابجديات هذا الزمن لدواع واغراض شخصية تهدف لاجتذاب الشهرة والبحث عن مساحة في دائرة الضوء وما الى ذلك من امور قد تكون على سبيل الوجاهة الاجتماعية. ان تلك العقول قد تتخيل انها تصنع المجد في مختبرات التميز.. إلا انها في حقيقة الامر تشكل سداً منيعاً يقف حائلا بين الموهبة والتميز، فهي تحارب كل ابداع وتقتل النبوغ عن عمد وهي لا تدري انها بذلك تقتل المواهب طالما انها لا تمر من نافذتهم. ولقد ابتلى الله سبحانه وتعالى المجتمعات في كل زمان ومكان بفئة لا هم لها إلا العبث بمقدرات الناس.. وكأنها ولدت بتخصص دقيق في نصب شراك الاحباط للمتميزين معتبرين ذلك من باب المهارة واحكام القبضة الحديدية على المتميزين الذين يتحولون لضحايا ممارسة الاوضاع التسلطية. تلك الفئة المناهضة لحلم المتميزين تحركها رغبة بأن يدور اصحاب المواهب في فلكهم غير متجاوزينه مهما كانت الاسباب او النتائج حتى وان كانت المصلحة العامة. وكم من معلم آخر افقدته غطرسة الادارة غير الواعية قدرته على العطاء فأصبح صوت الاجراس كابوسه الوحيد فيصل الى اذنيه كأنه انفجار يدق عظامه.. ويبقى المعلم منتميا للميدان بحكم المهنة والرغبة في «أكل العيش» لا بحكم الالتزام وكيف يلتزم من يشعر بالانهزام؟ وكم من اداري عاش ملتزما محبا لعمله مخلصا له فكان سبيله الى دائرة التميز.. فيقابل بهجوم ضار تشنه عليه فئة مسماها الوحيد «اعداء النجاح» فيكيلون له الاحقاد ولانه المسكين عاش مسالما محبا لعمله كحبه للحياة يتقوقع في شرنقة الابتعاد عن التميز ويقسم على نفسه بالمحاذير الثلاث لا أسمع.. لا أتكلم.. لا أرى. ما ذكرناه بعض من واقع معاش ولدينا عليه الدلائل نقيمها من خلال ميداننا الواسع والممتد. وما نذكره ليس فيه اي تعميم فنحن نتحدث عن ظواهر بغرض التقويم كما اننا نسلم ونجزم بأن ميداننا بخير ونحن نراه يعج بالمخلصين الشرفاء ممن اخذوها رسالة قبل ان تكون مهنة. فاذا كنا في حقلنا التربوي لكونه «رسالة» فيجب ان نتحلى بسماته ونرتقي بفكرنا الى مستوى يتناسب مع المكان، والمكانة، فالمكان تفرضه على الجميع مقتضيات المصلحة العامة التي هي فوق كل الاعتبارات، بينما المكانة هي من نسج اصحاب المهنة الذين جعلوا منها شرف العمر واحبوها قدرا وعاشوها وتعايشوا معها، فالمكانة لا تصنع الرجال بل الرجال هم الذين يصنعون «المكانة» التي لا تأتي حصاد يوم وليلة أو على طبق من ذهب. وما اعظم المكان والمكانة عندما يلتقيان معاً فيتسامى العطاء الذي له جنوده الاوفياء الذين يرفضون الانسحاب او الانهزام، لان حبهم للاوطان فوق كل المصالح والاعتبارات. وهكذا حال ابناء الحقل التربوي العريق ممن لديهم انتماء حقيقي يرفض الجدال فيما هو باطل، ويقبل الحوار على اساس عدم التخلي او التقاعس عن اداء الواجب الذي هو في الحقيقة فرض على كل من ينتمي لوطن وضع بين يديه امانته التي مهما كبر او صغر حجم المسئولية فيها إلا انها امانة الوطن. والى كل المتميزين نقول واصلوا العطاء والعمل الدؤوب ويكفي انكم قد اجتزتم بصمودكم في ميدانكم العريق اهم واصعب اختبار ـ وهو سداد ضريبة التميز بينما بعض الناس مازال لم يبدأ بعد ـ رحلة البحث عن الذات. د. احمد سعد الشريف