هذه صرخة يطلقها معلمو ومعلمات المدارس الخاصة. وهم يوجهونها إلى وزارة التربية والتعليم والشباب كي تتدخل لاتخاذ موقف حازم وصيغة مقبولة ومأمونة تجاه مدارسهم، وتصون قبل هذا كله كرامتهم المهنية المهدورة في أماكن عملهم في ظل ما يتقاضاه المعلم أو المعلمة بالتعليم الخاص من أجر يتساوى بالكاد في بعض الأحيان وفي معظم المدارس مع أجر عامل بسيط. إن الصرخة التي ننقلها هنا بحروف ساخنة تشير إلى حلقة مفقودة في العلاقة بين الوزارة والمدارس الخاصة وقد تكون في غياب الرقابة أو انعدام المتابعة لهذه المؤسسات الخاصة التي أنشئت في الأساس لتؤدي دورا في تعليم أبناء المجتمع والمقيمين فيه لكنها تحولت إلى مشروعات تجارية لا يهمها إلا الربح، ولتذهب التربية والتعليم أدراج الرياح. ومن قلب المعاناة تقول المدرسة «أ.م»: تدفعنا الحاجة وضيق اليد إلى قبول العمل في هذه المدارس براتب ضئيل لا يفي بمتطلبات المعيشة ولا يسد رمق أطفالنا. لكن ما باليد حيلة والظروف صعبة. وتضيف: اننا لا نقصر في عملنا ولا نخالف شرف المهنة ولهذا فاننا نطالب وزارة التربية والتعليم بمزيد من المتابعة للمدارس الخاصة التي يذبح في أروقتها كل يوم عشرات من المدرسين منهم أصحاب خبرات عالية وطويلة ممن أقفلت الدنيا في وجوههم كل السبل فاصطادتهم هذه المدارس التي لا تكتفي بأن تعرض علينا راتبا يخجل الواحد من بيان قيمته بل تتعداه إلى استخدام طريقة دفع أو سداد مهينة لنا جميعا وللمهنة الشريفة التي نمتهنها فبعض المدارس تدفع الراتب الشهري بطريقة التجزئة في وقت لا تتجزأ فيه احتياجاتنا المعيشية من مسكن ومأكل وملبس لنا ولأولادنا. أما «ر.س» فقد ذكرت ان المدرسة التي تعمل فيها قد أجبرتها على توقيع عقد ينص على انها تتقاضى راتبا مقداره ألفا درهم في حين ان الراتب الذي حددته لها شفويا مديرة المدرسة لا يتجاوز الألف درهم وهو مبلغ لا يذكر أمام الجهد الذي تبذله في ساعات الدوام. وتضيف: ان الجميع يعلمون بأن المدارس الخاصة مطالبة من قبل أولياء الأمور بتقديم أفضل أساليب التدريس وأحدثها ولا أدري كيف يمكن لنا أن نعمل ونحن في حالة نفسية يرثى لها، فظروف المعيشة وربما الاحتياج الأسري التي ألقت بنا بين أنياب أصحاب المدارس الذين يتخذون منها وسيلة للكسب المادي ولا يعنيهم مطلقا ان تكون وسيلة الخدمة وتطوير التعليم في المجتمع. وتواصل المعلمة في مرارة: في مدرستي الحالية الأوضاع تكاد تكون واحدة فالمدرسات يعانين من الكآبة الشديدة نظرا للوضع الراهن الذي آلت اليه أحوالهن الوظيفية والمعيشية. وتتساءل قائلة: كيف يمكن لمدرس يبني أجيالا ويقع على عاتقه مستقبل أمة بأكملها أن يعمل في ظل هذه الظروف التي تفقده آدميته واحترامه لذاته، وأين يفرغ شحنات غضبه؟ هل يفرغها على من حوله من تلاميذ أم ينفس عن غضبه في محيط أسرته؟! راتب دون الألف وتؤكد «س.ج» المعلمة باحدى مدارس عجمان الخاصة ان رواتب غالبية المعلمين بالمدارس الخاصة ضعيفة وتصل إلى 800 درهم على الأكثر اضافة إلى ان نصاب الحصص كبير، وكثافة الفصول تصل إلى أكثر من ثلاثين طالبا، وهذا كله يشكل ضغطا على المدرسة ويزيد من الأعباء الملقاة عليها. وتضيف: انه وبعد سنة كاملة هي مدة عملي في هذه المدرسة بدأت أشعر بأنني أموت بشكل بطيء وحالتي النفسية تتراجع وتؤثر على أدائي حيث أجد ان تعاملي مع الطلاب في صفي لم يعد كما يجب أن يكون، فقد أصبحت أثور لأتفه سبب وربما بدون سبب، وأعمل بلا رغبة في العمل، وأشعر بأنني أُقاد يوميا إلى فصلي في كل حصة أدخل فيها فصلي، ولم تعد المدرسة رغم انها مكان عملي ومصدر رزقي محببة الى نفسي. مطلوب موقف جماعي وتؤكد «أ.ي» ان قبولها لراتب ضئيل هو نتيجة لضيق الحال وغلاء الأسعار وقلة فرص العمل وتعترف بأنه لو اتخذت المدرسات جميعهن موقفا واحدا وثابتا لا رجعة فيه، وهو رفض الواقع السيئ لبعض المدارس الخاصة لما تجرأت أي مدرسة بعرض هذه الرواتب التي يخجل أن يتقاضاها عامل بسيط. وترى ان هذه المسألة خطرة جدا وتحتاج إلى علاج جذري وفوري لان نفسية المعلمة تؤثر على أدائها الوظيفي فكيف يتوقع الجميع من معلمة راتبها لا يتجاوز الألف درهم أن تعمل بصدق وأمانة وكيف لمعلمة أن تعمل وتبذل جهدها وطاقتها في ايصال المعلومات لتلاميذها بينما فكرها مشوش ومشغول في كيفية توفير احتياجات الحياة اليومية التي لا تنتهي. وبزفرة حارة تقول: حبذا لو نظرت الينا الوزارة بعين الرأفة فنحن مدرسات نحمل شهادات علمية وخبرات تؤهلنا لوظائف تربوية جيدة لكن ضيق الحال أرغمنا على قبول وظائف في القطاع التعليمي الخاص الذي لم نكن نتصور ان يصل تفكير بعض أصحابه الى هذا الدرك من الجشع وحب المال واقتناص كل الفرص للكسب حتى وان جاء بمخالفة لوائح الوزارة. متابعة ورقابة الوزارة وترى المدرسة «م.ن» ان المدارس الخاصة تخضع لاشراف تربوي دقيق فلماذا لا تخضع لاشراف اداري مماثل يضمن للمعلمات حقوقهن ويحفظ كرامتهن لا سيما فيما يتعلق بالاجر الشهري، ويجب أن تكون ادارة التعليم الخاص بالوزارة والاقسام التابعة لها في المناطق على علم تام بما يجري في أروقة المدارس الخاصة من مغالطات وتحايل على القانون باجبار المدرسة بالتوقيع على عقد يفيد بأن راتبها ألفا درهم، وللاسف المعلم والمعلمة يكونان مضطرين لقبول هذه الحال نظرا للحاجة الماسة وهذا يؤثر بطبيعة الحال على العملية التربية لان ما يقدم من جهد يفوق المردود المادي العائد من ورائه. وترى رقية حسن ان مهنة التدريس واحدة من اعظم المهن على الاطلاق وتحتاج الى جهد وطاقة شديدين لاسيما في المدارس الخاصة حيث يطالب المعلمون بتقديم جهود مضاعفة تفوق احيانا ما يقوم به المعلم في المدارس الحكومية ومن هنا يجب معاملة مدرسيها بصورة خاصة لا ان تقوم المدارس بظلمهم وتمنحهم راتبا لايتناسب وجهدهم المبذول وبما ان التلميذ هو التلميذ سواء في المدرسة الخاصة او الحكومية فيجب ان تتساوى النظرة الى المعلم على الاقل في الراتب وان يصبح هناك توازن في رواتب الطرفين في التعليم الحكومي والخاص. التلاميذ اول الخاسرين اما منال رمضان فتقول: ان الرواتب في القطاع الخاص ضعيفة بشكل عام وهي ظاهرة لاتقتصر على مهنة التدريس فقط ولكننا وبحكم عملنا نتعاطف مع العاملين مثلنا بنفس القطاع والذين يواجهون هذه المشكلة التي يمكن ان تلقى بظلالها على الاجيال. عندما يلجأ البعض تحت وطأة الشعور بالظلم الى تقليل عطائه للطلبة عملا بمبدأ سائد بين الناس يقول «على قدر الراتب يكون العطاء»!! ورغم انه هذا المبدأ خطأ الا ان الانسان يلجأ اليه مرغما وربما دون ان يدري. وتؤكد رولا البراوي معلمة لغة انجليزية ان الحالة النفسية هي العامل الرئيسي في سير العملية التربوية، وتضيف: هناك عدا الراتب الضعيف نصاب المعلمة من الحصص ففي الاسبوع الواحد يتجاوز نصابها كل قدراتها على الاداء، وهذا كله ناتج عن الجشع الذي يصيب اصحاب المدارس الخاصة، وهنا فانني ألاحظ ان افتقاد هذه المدارس الى الرقابة يدفعها اى التمادي في غيها وبدون رقابة حازمة من الوزارة فان الاحوال لن تنصلح. وتوضح المعلمة غصون مصطفى ان المردود المادي الذي يحصل عليه العاملون في المدارس الخاصة لايؤمن الاستقرار واذا لم يشعر المدرس بالامان فلن يستطيع ان يعمل بالصورة المطلوبة فيشعر بالسخط على كل من حوله وعلينا ان نتبع قوله عليه الصلاة والسلام، اعطوا الاجير اجره قبل ان يجف عرقه». وأوضحت س.ج المعلمة باحدى هذه المدارس ان المدارس الخاصة تمتنع عن دفع رواتب المدرسين في فترة العطلة الصيفية في حين تمنح المدارس الحكومية معلميها رواتبهم قبل العطلة. قرار وزاري ولائحة تفسيرية احمد محمد حبيب رئيس قسم التعليم الخاص في الشارقة تحدث عن معاناة المعلمين بالمدارس الخاصة وخص في حديثه مشكلة المردود المادي بقوله: ان معالى الدكتور علي عبدالعزيز الشرهان وزير التربية والتعليم والشباب اصدر اللائحة التنفيذية لقانون التعليم الخاص والتي حددت المادة 74 منها الحد الادبي لراتب المعلم او المعلمة بهذه المدارس بما لايقل عن الفي درهم، وبالرغم من ذلك فان هناك مخالفات كثيرة من قبل بعض المدارس الخاصة قد يكون مردها الحاجة الى وقت قبل التكييف مع القرار الجديد او جشع كامن في القائمين على هذه المدارس وهذا ناتج عن اعتبارها لدى البعض مشاريع تجارية يجب ان تدر ارباحا بأي شكل كان. ويضيف: انه في حالة اكتشاف مخالفة من هذا النوع يتم تنبيه المدرسة قبل فرض غرامات مالية مرتفعة تصل في بعض الاحيان الى عشرة آلاف درهم، واذا لم ترتدع المدرسة بذلك وأصرت على انتهاك القوانين وارتكاب نفس المخالفة فانها تتعرض لقرار باغلاقها نهائيا. واكد رئيس قسم التعليم الخاص بالشارقة ان اي قوانين جديدة تحتاج الى وقت والى تضافر الجهود لتنفيذها حفاظا على سمعة المنشأة التعليمية وضمانا لحقوق العاملين فيها. اهمية المردود المالي للعمل وفي تحليل لما ورد بالصرخة حول معاناة معلمي ومعلمات المدارس الخاصة تقول سناء عبدالعظيم فرغلي ـ اختصاصية نفسية في منطقة دبي التعليمية ان الانسان في سعيه الدائم نحو العيش الافضل ونحو حياة كريمة لائقة فانه يسعى لتحقيق هذا الهدف من خلال العمل فيبحث عنه ليحقق له دخلا ماديا مناسبا حيث يؤثر الدخل المادي بدرجة كبيرة على نمط او اسلوب معيشته وبالتالي على مدى ما يمكن ان تتمتع به حياته من استقرار وامان. وتضيف: لايختلف اثنان على ان الانسان في اي مجتمع من المجتمعات انما يتوقع ان يحصل على المردود المادي الذي يتناسب مع طبيعة العمل الذي يقوم به لذا فانه اذا لم يحصل على ما يتوقعه او يستحقه من اجر فانه يصبح فريسة للكثير من المشاعر السلبية كالاحباط والقلق وبالتالي عدم الاستقرار النفسي والمعلم بالطبع كفرد عامل في المجتمع تنطبق عليه نفس القاعدة فاذا حدث وانخفض العائد المادي «الراتب» الذي يأخذه معلم في مؤسسة ما عن زميله في مؤسسة اخرى فانه عرضة للمعاناة النفسية من جراء مقارنته لوضعه بأوضاع زملائه الآخرين لان العمل واحد في الحالتين. تحسين الاوضاع ضرورة للارتقاء وتستطرد عبدالعظيم قائلة: ان المعاناة قد تكون اكثر في حالة زيادة عدد الحصص او زيادة الكثافة الطلابية في الفصول وغيرها من العوامل التي تزيد من الالم النفسي الذي قد يعانيه المعلم مما ينعكس بالتأكيد سلبا على عطائه لتلاميذه وعلي رغبته في الابداع والتميز واذا كانت معظم نظريات التطوير للنظم التربوية في العالم تنادي بضرورة تحسين اوضاع المعلمين في المقام الاول كموصل اساسي ومهم للارتقاء بهذه النظم التعليمية فاننا نضيف الى هذا ان تقارب المعلمين في مستويات الدخل المادي في النظام التعليمي الواحد هو ايضا من الاسس الهامة التي ينبغي وضعها في الاعتبار. يقول المدرس «ف.ش» بدأ شبح البطالة يخيم على عائلتي عندما فقدت عملي في احدى المدارس الكبرى وجئت لامارة الشارقة أملا في فرصة عمل تعوضني عن سنوات العمر التي خسرتها ولأبني مستقبلا جديدا فتوجهت الى احدى المدارس الخاصة التي اشادت بخبراتي الكثيرة لا سيما أنني احمل درجة الماجستير في اللغة الانجليزية وتصورت بعد ان وافقوا على تعييني وباركوا وجودي بينهم ان الحظ عاد وابتسم لي لكنني سرعان ما أفقت من الصدمة عندما علمت ان الراتب هو 1500 درهم فقط ومن هول الصدمة لم أستطع النطق بالرفض أو القبول وبعد تفكير طويل لم أجد أمامي خيارا آخر فإما القبول بالوضع الراهن أو البقاء بلا عمل وترك زوجتي تعمل وحدها وتتحمل مسئولية الاسرة. لذا وجدت نفسي «أُطحن» يوميا من الساعة السابعة صباحا وحتى الثالثة بعد الظهر في عمل لا يسد رمق أولادي. ويؤكد «م.ص» مدرس بمدرسة خاصة ان ما يحدث في المدارس الخاصة هو امتهان لكرامة العاملين بمهنة التدريس. هذه المهنة التي تغنى بها الشعراء وكتب عنها المؤلفون قصصا وروايات خلدها التاريخ فهل يعقل في زمن التطور والتقدم التكنولوجي ان يُعامل باني الأجيال ورافع شأن الأمة بهذا الشكل». وأين هي مساحة الحرية التي تمنح للمدرسة ليعبر فيها عن عذاباته وآلامه ومعاناته». وأين هو ميزان العدل فكيف نعمل بذات المهنة وبعضنا يتقاضى أجراً خيالياً في حين يُرمى لنا بالفُتات؟. وأكد علي الشعالي رئيس قسم التعليم الخاص في عجمان عدم التزام بعض المدارس الخاصة بتنفيذ قانون التعليم الخاص الذي اقرته الوزارة وحددت بموجبه رواتب العاملين بسلك التدريس بما لا يقل عن ألفي درهم في الشهر الا ان المدارس لم تتقيد بتنفيذ هذه المادة. رغم علمها بأن المدرسة التي تخالف القانون سوف تعاقب بغرامة مالية باهظة، رغم ذلك جاءتنا قوائم الموظفين في بعض المدارس وفوجئنا بأن راتب المدرس فيها لا يزيد على 850 درهما فيما تمنح السائق 1200 درهم الامر الذي يضطر بعض المدرسين الى هجر العمل والبحث عن وظائف اخرى للعيش بكرامة. ووجه الشعالي دعوة لجميع المدارس بالالتزام والا فان المنطقة ستضطر لاتخاذ عقوبات صارمة تتراوح بين دفع غرامة مالية وتوجيه انذارات واغلاق المدرسة اذا لم تمتثل ادارتها للقوانين واللوائح. نورا الأمير