عبر السنوات والمراحل يرتقى الانسان علما وفهما وادراكا في مجالات متعددة قد تتباين في نوعياتها او اساليب ممارساتها لكنها تتفق في انها ـ جميعها وبلا استثناء ـ تستند الى قاعدة من العطاء الذي قدمه اناس لا تزال بصماتهم الاولى ذات اثر في حياة المرء مهما تقدم او ارتقى. وحين يتوقف الانسان لتقييم مسيرة حياته وما قطعه من مراحل او بلغه من مواقع فان بوصلة الذهن تتجه دائما نحو اولئك الذين غرسوا في النفس ما انتج اطيب الثمرات ووضعوا اللبنات الاولى على مدارج العمر لتكون للحياة قيمة وللعطاء معنى. وهنا نتوقف كل اسبوع لنقرأ معا رسالة الى هؤلاء فهم اساتذتنا في الحياة. استاذي أيها الراحل عن دنيانا قبل ايام فقط.. فليرحمك الله، اقولها اليوم بعد ان ودعتك الى الدار الباقية كغيري من تلاميذك الذين علمتهم علما وأدبا وخلقا وحبا للخير بعد ان قدمت من اولى القبلتين وثالث الحرمين من ارض المعراج، شابا يافعا قويا جهوري الصوت، طيب القول والفعل، قدمت الى ارض الخليج لتعلم ابناء هذا البلد الطيب من حضر وبدو. بهذه الكلمات يبدأ راشد الكشف مدير الديوان الاميري بأم القيوين حديثه عن استاذه..ويضيف عرفانا بجميله قائلا: لقد قدمت لتعلمنا وتخرج اجيالا من القوم كانوا ضعافا في صحتهم، الفقر يحيط بهم، والجهل كان يلفهم، تركت الاهل في فلسطين وقدمت الينا مع شريكة عمرك بأي وسيلة قدمت الينا.. بالبر بالبحر بالطائرة لا ندري، ولكنك قدمت قدوم خير وعلم ونفع لي ولزملائي في تلك الفترة.. واليوم رحلت دون عودة لست ذاهبا الى المدرسة التي قد تتأخر فيها ثم تأتي في اي وقت تفرغ فيه من عملك، كما كنت تفعل في حياتك، لقد طال بقاؤك بيننا معلما واخا وصاحب خلق كريم وستظل هكذا دائما رغم الرحيل فهذه المرة ذهبت ولن تعود لانك الآن في الدار الباقية، اما نحن فبقيت فينا اخلاقك وعلمك وشمائلك حين زرعت فينا حب الوطن عندما قامت دولة الامارات العربية المتحدة، حب الولاء لهذه الارض والالتزام والانضباط في صفوف وطوابير تحصيل العلم والانطلاق الى العمل، حين علمتنا الجرأة في الحق والكرة على الاعداء وعدم السكوت على الظلم والرياء والكذب. علمتني التواضع وان الانسان مهما كبر لا ينسى الفضل لأهله واليوم اعترف لك بالفضل بعد رحيلك كما اعترفت لك به في حياتك وانت الزميل المسئول الناصح الامين وان غضبت يوما فقد كنت تغضب من اجل الحق وحتى لا ينتشر الظلم، ولذلك فان الجيل الذي علمته قد حمل لك الوفاء والأخوة، ويعترف لك بفضل الاستاذية الكريمة الحانية التي اعطته الكثير، واخذ منها الكثير في زمن عطائك الكبير ايضا، ايام عرق الزمن الحار وغشاوة الطباشير، وما ان جاءنا رمضان الكريم الذي كان يجمعنا على كل خير أجدني غير قادر على أن أزف اليك التهاني بقدومه والتي سأحملها اليوم الى رفيقة دربك وهي المربية الفاضلة ايضا واحتسب عند الله عطاءك الكبير لنا جيلا تربى في احضان الفضيلة والاخوة وسبحانه وتعالى سيعوضك عما قدمت خيرا وابعث لك من دنيانا ارض الشقاء دعاء الى رب الارض والسماء أن يبعثك من النبيين والصديقين والشهداء وحسن اولئك رفيقا، وابشرك بأن محبيك كثر وتلاميذك ينشرون اليوم ما غرسته فيهم من حب الخير والعطاء أيها الاستاذ الكريم.. وليرحمك الله على كل ما قدمت. ليس واحدا ولكن ثلاثة ولا شك ان الانسان خلال رحلته في الحياة تمر عليه نماذج مختلفة من البشر يتعامل معها ويتعلم منها وتترك بصمات واضحة على سلوكه وتفكيره بحيث ترقى في النهاية لتصبح مثله الاعلى في الحياة او القدوة التي يرجع اليها او يسترجع افعالها بين الحين والاخر يحتكم اليها او يستنير بها لاصدار قرار او مفاضلة بين امر وآخر. بهذه الكلمات بدأ حميد صقر السويدي رئيس قسم الرعاية الاجتماعية بوزارة التربية والتعليم والشباب. عندما سألناه عند استاذه الذي يوجه اليه في لحظتنا رسالة واضاف: رصيد من الخيرات المتراكمة أسهم فيها الكثيرون ولكن برزت على السطح منهم قلة وان سمحتم لي سوف أوجه رسالتي الى ثلاثة اساتذة، الأول: صاحب فضل علي في تربيتي ورأيت فيه الشاب المكافح يدرس صباحا ويعمل مساء.. وصاحب هدف واضح وهو الرغبة في الحصول على مستوى تعليمي يؤهله للحصول على وظيفة محترمة، والتزام كامل تجاه والديه واخوته لتوفير الحياة الكريمة من خلال العمل المسائي «عبدالله تريم المطروشي» ابن خالي حيث عشت فترة من حياتي المبكرة في بيت الخال، وكان يتفانى من اجل ارضاء والديه وهذه من انبل الفضائل التي حرص عليها وعرفتها منه، وكان ومازال حتى اليوم.. ومع اقربائه وذويه، ولم يكن طيش الشباب والانانية أمورا مدرجة في برنامجه اليوم ولا مكان لها في علاقاته الاجتماعية، وبذلك ارتقى لدي الى منزلة الاستاذية والقدوة. اما الشخصية الثانية فهي الشيخ هشام بن صقر القاسمي رئيس مجلس ادارة نادي الحمرية الثقافي الرياضي الذي اعطى للعمل في هذا المكان دفعة قوية نحو الرقي بمستوى الاداء الوظيفي حيث امتاز بصفات جعلتنا نعجب بها ونقدرها له اذ كانت الصراحة اساس التعامل مع الجميع، الرأي والرأي الاخر سمة الحوار ومحل التقدير، العمل الناجح هو باسم الفريق او المجموعة وبرغم انني شاركت من خلال عدة مواقع بمجلس الادارة كان آخرها مدير النادي في العمل مع كثيرين، الا ان الشيخ هشام علمنا بأنه توجد حلول أخرى دائما وعلينا البحث عنها، وان لكل معضلة حلاً، وان جميع المقترحات تقبل، والاعتراض على الافكار لا يكون الا بالنقاش الذي قد يظهر صواب هذه الافكار وانه يجب تبنيها وقد تعلمت منه اضافة إلى كل ذلك كيفية ادارة عمل كبير بميزانية متواضعة من خلال وضع خطة محكمة للمصاريف تسير بموجبها تضع البدائل والاحتمالات وتسعى لبلوغ الاهداف دون هدر او اسراف وقد انعكس ذلك على حياتي بشكل خاص. المدير التربوي ويواصل قائلا: استاذي الثاني عملت معه عندما كنت اختصاصيا اجتماعيا لعدة سنوات كان لي المربي القدوة والاخ الناصح الامين. العمل كان في حقيقة الامر معاناة من كل النواحي. ولكن هذه السنوات العجاف كان اكثر تأثيرا ايجابيا في شخصيتي وحياتي بوجودي مع احمد حسن الاتربي (مدير مدرسة المدام الثانوية) الذي عرفت فيه معنى الاستاذ المربي والمدير التربوي بمعنى الكلمة من خلال طريقة ادارته لعمله التي تعطيك انطباعا واحدا هو انك امام انسان منظم، اهدافه واضحة ويسعى إلى تحقيقها بأقصر الطرق التي يسودها الصدق والاقناع وإلى جانب ذلك انسان صبغت تصرفاته بمخافة الله عز وجل والعمل بما جاء في حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم «إن الله يحب اذا عمل أحدكم عملا فليتقنه» ولذلك كنت أرى فيه الانسان الأب الذي يحرص على مصلحة ابنه الطالب يشجعه ويعامله باحترام لايمانه بأن هذا الطريق هو ما تريده تربية الرجال، ومن ثم كنا نجد بين طلابنا كثرة متفوقة ومتميزة. من هذا الرجل الاستاذ امد الله في عمره تعلمنا الصبر وان نتيجة العمل المخلص تسجل في ميزان الانسان عند الله عز وجل. تربية على الطموح والمثابرة زمزم عبدالعزيز النجار رئيسة قسم التطوير الاداري والدراسات التنظيمية بوزارة التربية والتعليم والشباب، لم تر الاستاذية الا في والدها رغم كثرة من تعلمت على ايديهم ومن فكرهم. اذ تقول مازلت استرجع القصص والروايات التي كان يسردها لنا الوالد ـ رحمة الله عليه ـ كل ليلة قبل النوم واردد في نفسي الان اي مرب واع كنت في منهجك التربوي المستمد من خيوط التقوى واهداب الفضيلة. يا صاحب القلب الحنون الذي سأظل افتقده في كل لحظات عمري يا من غرست الحب في اعماقي ورعيته باهتمام وحنان بالغين حيث علمتنا ان الحياة لا قيمة لها ان غاب عنها الحب وان المعادلة لا تتزن بدونه. ذكراك ماثلة امامي استلهم منها العبر واسباب النجاح يوما بعد يوم. يا من نشأتنا على الطموح وربيتنا على المثابرة وزعت فينا روح التحدي والصمود وعمقت فينا السعي نحو طلب العلم وعدم الاكتفاء منه والتجديد الدائم لمعلوماتنا والحرص على الاستزادة وتذكرنا دائما بقول الشاعر ومن لا يحب صعود الجبال يعش أبد الدهر بين الحفر والدي يا من ربيتنا على التسامح والتجاوز عن اخطاء الآخرين وهفواتهم، في عالم يزخر بالوان من مزيج المشاعر، لقد حرصت على تدريبنا على حمل المسئولية منذ نعومة اظفارنا مستخدما اساليب ووسائل شتى واذكر على سبيل المثال لا الحصر اليوم الذي حملتني به مسئولية التصرف في ميزانية البيت ومازلت في المرحلة الاعدادية. غرست فينا روح المشاركة والاخذ بمبدأ الشورى، فما كنت تقدم على عمل الا وجمعتنا حولك تستشيرنا وتسمع رأينا سواء اعملت به ام لم تعمل؟؟ لقد اخترت لنا اما رائعة معطاءة قاسمتك هموم تربيتنا والصبر على مشاق الحياة، ثم اخترت لي زوجا اكمل معه مشوار حياتي بكفاءة واقتدار، ذلك الانسان المتميز الذي يتسم بكل معاني العطاء، البعيد عن ذاتية الرجل وانانيته، انسانا اعزو إلى دعمه وتشجيعه اياي معظم صور نجاحي في حياتي الشخصية والعملية، حيث كان ومازال يدعم كل خطواتي ويسندني في اتخاذ قراراتي ويمنحني الثقة الكبيرة التي امتن لها ايما امتنان. وكذلك كنت في تربية اشقائي وشقيقاتي هؤلاء الذين يملأون مساحة واسعة ومشرقة في مشوار حياتي، الذي يضيق هنا المجال عن التحدث عنهم. ف. ع فيا ايها الراحل المقيم في اعماق نفسي وعقلي ومشاعري ستظل انت المنارة التي تسير في هديها وسيبقى صوتك حادي الركب اينما سرنا وحيثما اتجهنا، وستظل تلك القيم والمبادئ التي غرستها راسخة لا تمحى على مدى الايام، وستظل صورتك بعد صلاة كل فجر وانت تتلو القرآن محفورة في ذهني®. وسنظل ندعو لروحك الطاهرة ان ترفرف في جنات الخلد إلى ان تستقر في الفردوس الاعلى بإذن الله!!!