ونحن نعيش مع اطلالة الأيام الأولى من شهرنا المبارك.. تستغرقنا صفحاته ونقف عند بعض مشاهدها لنأخذ العبرة والعظة، ونتساءل: هل بقي رمضان فينا كالأمس مودة ورحمة وصلة رحم؟ ترى هل ارتفعنا في رحابه عن كل الصغائر والهامشيات واجتنبنا كل ما حرمه الله عز وجل.. وهل لا يزال رمضان شهر النقاء الروحي والصفاء القلبي والتعاون الإنساني؟ هل لا تزال ذكرياته وأمسياته القديمة عالقة في مخيلة من عاصروها دون أن تغيب؟ وهل بلغنا من الزمن ما يجعلنا أمام مقارنة بين مظاهر الشهر الكريم في حاضرنا وفيما مضى من عصور؟! عن كل هذه الأسئلة يجيب ضيوفنا في هذه اللقاءات الرمضانية. يقول الدكتور عارف الشيخ مدير إدارة الخدمات التربوية بوزارة التربية والتعليم: رمضان يعني شيئين في نظري، لكل منهما موقف أو محطة أقف فيها لأعبر عن مشاعري وأحاسيسي. المحطة الأولى روحية، حيث أن أسرتي علمتني أن أتعامل مع هذا الشهر من منظور ديني، فهو مكفر لسائر الشهور، وفيه تصفد الشياطين، وتتنزل الرحمات. والمحطة الثانية اجتماعية، حيث ان الأسر والبيوت تتقارب فيه وربما تصالحت فيه الجماعات وتوادت القلوب. وعن عاداته وبرامجه خلال هذا الشهر الفضيل يتابع الدكتور عارف قائلا: أنا ملزم بتأدية عملي الوظيفي في الصباح، وبعد الظهر أتفرغ لقراءة القرآن، وأشرف على تحضير ليلة رمضان، حيث نحرص على عادة فتح المجلس بعد صلاة التراويح مباشرة لاستقبال الأصدقاء والمحبين الذين تعودوا على احياء المجلس كل ليلة، وتكون هناك مائدة رمضانية من اعداد البيت، وبعد ذلك يبدأ مجلس القرآن حيث يجلس أولادي وآخرون من أولاد الأهل وعدد من أئمة المساجد كل ليلة ليقرأوا أجزاء من القرآن. وينتهي ذلك المجلس في الحادية عشرة أو الثانية عشرة وكنت أجلس بنفسي معهم. مضيفا: عندما أنشئت جائزة دبي الدولية للقرآن الكريم صرت مسئولا عن اللجنة الفنية بالجائزة وهذا يفرض علي التواجد في مقر الجائزة من التاسعة حتى الواحدة أو الثانية ليلا لأشرف على سير المسابقة مؤكدا بذلك ان نهار رمضان صيام وعمل، وليل رمضان انشغال بالقرآن في البيت وفي الجائزة والحمد لله. وعن تأثير الصيام على ما يقوم به من جهد أكد مدير الخدمات التربوية بوزارة التربية انه ربما يؤثر في اليوم الأول، ولكن سرعان ما يتحول الى عادة جميلة وينشط فيه الجسم، لكن بما اننا تعودنا على السهر ليلا والافراط في تناول الطعام والشراب ولا سيما الدسم والثقيل منه فإننا نشعر بالكسل نهارا ونشعر بأننا في حاجة إلى النوم. رمضان بين الأمس واليوم وأوضح الدكتور عارف الشيخ ان رمضان اليوم تغير عن رمضان الأمس كثيرا، إذ لم يعد لرمضان تلك الروحانية العالية بين الناس، بل ترى الكثير من مشاهد الإفطار في نهار رمضان من غير المسلمين بل ومن بعض المسلمين أيضا مما يعتبر انتهاكا لحقوق وحرمة هذا الشهر، في حين ان الأوائل رغم التعب والحر والمشقة كانوا يصومون وكان مشهد الافطار في نهار رمضان جريمة في حقه، ثم ان ليالي رمضان كانت عامرة بمجالس القرآن أما الآن فإن المجالس الرمضانية للعب الورق والسهر مع التلفاز أو لمجرد السهر، كما ان اطعام الطعام كان سمة الآباء في الماضي في رمضان، لا للمباهاة والفخر بل لسد حاجة المحتاجين وعملا بالسنة مرجعا هذا التغير إلى تقارب الشعوب والدول، فذاك أثر على هذا، وأخذ هذا من عادات ذلك، في حين ان الوازع الديني قل في الناس بموت العلماء الصالحين وانقراض المجالس وانتشار آلات اللهو ووفرة المادة في أيدي الناس، فلم يعد هناك محتاج ولا طالب دين، بل كل يسعى إلى دنياه ويقول: هل من مزيد؟! شهر الصفاء القلبي ويرى فضيلة الشيخ أحمد إسماعيل الواعظ بأوقاف دبي رمضان شهرا معبرا عن الوحدة الإسلامية الحقيقية التي ينشدها ديننا الحنيف في كل زمان ومكان حيث ما عهدناه في رمضان إنما هو المبادئ السامية لتعاليم ديننا من مودة وأخوة وترابط ووصال تطبيقا لقول الله سبحانه وتعالى (إنما المؤمنون اخوة) فالأخوة في رمضان تسمو معانيها وترتفع مبادئها حيث كنا نتجمع في مكان واحد على مأدبة افطار أو في مكان واحد للاستماع إلى آيات الذكر الحكيم التي كانت تتلى في المجالس المتعددة والزيارات المتبادلة التي بها ينبذ المؤمنون ما في قلوبهم من حقد وحسد وكراهية وبغضاء، الكل يستقبل رمضان وهو يعلم هذه الأخوة وهذا الصفاء لاخوانه المسلمين. ويؤكد الواعظ بأوقاف دبي ان رمضان دائما وأبدا منذ أمد طويل يعد شهر النقاء الروحي والصفاء القلبي والاخلاص الجسدي والتعاون المادي والتقارب العائلي وهذا ما جاءنا به سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ونطيعه بهذه الخصال الحميدة. الغاية العظمى من الصيام وهي التقوى، ولو كل واحد من المسلمين اتقى الله في أهله وفي اخوانه وفي مجتمعه وفي أمته المسلمة ما رأينا فرقة ولا تناحرا ولا خصاما ولا جدالا واجتمعت أمة الإسلام على مبدأ واحد وهدف واحد شعارها في كل وقت رفعة الإسلام في كل زمان وفي كل مكان. وعن ذكرياته مع رمضان والتي لا تنسى طوال حياته تابع الشيخ أحمد إسماعيل قائلا: منذ أن يهل شهر رمضان كنا نجوب البلاد مع مجموعة كبيرة من علماء المسلمين الصادقين في دينهم والمخلصين في عقيدتهم بزيارة بلاد شتى من مختلف بلاد مصر الحبيبة قاطعين المسافات الطويلة لالقاء المحاضرات واقامة الندوات وكنا لا نجلس في بيوتنا مع أسرنا إلا في يوم الجمعة فقط، عمل متواصل دؤوب واحتفالات متعددة. وأشار إلى ان من أعظم الذكريات التي لا ينساها تلك الأيام من شهر رمضان والتي قضاها في ولاية تكساس الأمريكية عندما زار أحد المجمعات الإسلامية والتقى بمجموعة كبيرة من أبناء المسلمين الذين يدرسون في هذا المركز فأعجبته مظاهر الوحدة الإسلامية وقوة الصف والترابط بين أبناء المسلمين المغتربين الذين جمعتهم دراسة الدين الإسلامي والعلوم الأخرى. وتابع قائلا: ظللت في محاضرة من بعد صلاة التراويح حتى تناولنا طعام السحور وأدينا صلاة الفجر في هذا المركز الإسلامي مؤكدا الكم الكبير من السعادة التي تغمر قلب أي مسلم عندما يشعر بأن للإسلام مكانة في قلوب أبنائه يعتزون به ويحرصون على رفع رايته خفاقة عالية مطبقين قول رسول الله صلوات الله وسلام عليه: «المؤمن الف مألوف ولا خير فيمن لا يألف ولا يؤلف». الترابط يسود العائلات وتقول رشيدة بدري رئيس قسم الإدارة التربوية بمنطقة دبي التعليمية: في رمضان تبقى صور الطفولة والجو الأسري الحميم والحارات القديمة عالقة في الذهن ولا تغيب، فقد كان الجو السائد لقاءات العائلة الكبيرة من خلال برنامج يتم ليلة بعد ليلة في رحاب هذا الشهر الفضيل، مشيرة الى ان تلك اللقاءات كانت تتواصل وفق جدول زمني معين ويتم تنفيذه بواسطة أفراد العائلة الكبيرة مضيفة ان الترابط كان سمة تلك اللقاءات التي سادها جو الألفة والمحبة مما ينم بالفعل على ان الأسرة واحدة ومتكاتفة وهذا الشهر الفضيل كان له فعل السحر في ذلك. وأوضحت بدري ان برنامجها الرمضاني تستهله يوميا بالدوام الوظيفي حيث تطلع خلاله على مستجدات الميدان ومتطلباته وتلبية حاجاته وغير ذلك من أمور تتعلق بالعمل. مضيفة ان أفراد عائلتها يجتمعون يوميا تقريبا على مائدة الافطار مؤكدة ان المطبخ في رمضان مسئوليتها، فهي تقوم بتجهيز أشهى المأكولات قدر المستطاع داعية الجميع عدم الاسراف فيه. وعن قراءاتها خلال الشهر الفضيل، أوضحت انها تقرأ القرآن الكريم على فترتين باليوم، فترة بعد صلاة الظهر وأخرى بعد صلاة العشاء. وعن ذكرياتها في أيامه تابعت قائلة: في فترة المرحلة الثانوية كنت في زيارة للأهل في البحرين، وصادف وجودي الخامس عشر من رمضان، وأهل البحرين في ذلك الشهر يحتفلون بما يسمى بـ «القرقاعون» وهو نفس حق الليلة بالدولة والقرقاعون هذا عبارة عن تجمع أعداد غفيرة من الأطفال وعلى دق الطبول ينتقلون من منزل إلى آخر حيث يقدم أهلوهم الحلويات إليهم مؤكدة انه منظر جميل للغاية لا يمحوه الزمن من ذاكرتها. الأسرة الواحدة وعن رمضان بين الأمس واليوم يقول محمد حسن مدير ثانوية الإمام مالك: في اطار المجتمع المدرسي في رمضان، كانت هناك لقاءات تتم بين المعلمين بعضهم البعض في مختلف المدارس، وكانت تنظم ندوات للشعر والأدب والقصة مع افطار جماعي يضم الأسرة المدرسية الواحدة فيما يقوم المعلمون بزيارات لأعيان البلاد وخلالها يحدث نقاش يتعلق بالعملية التعليمية في مدارسنا. مضيفا ان دورات رياضية كانت تنظم بين معلمي المدارس بعد صلاة التراويح معربا عن أسفه لاندثار تلك الظواهر الايجابية في الوقت الحالي مرجعا ذلك لتكنولوجيا العصر والفضائيات وما تعرضه من مسلسلات أدت إلى اقعاد الناس في بيوتهم مؤكدا انعكاس ذلك سلبا على بيوتنا العربية عامة. ويرى حسين عبيد اللوز منسق الامتحانات بتعليمية دبي ان رمضان زمان مختلف المذاق عن رمضان اليوم مشيرا الى ان التكافل الاجتماعي في رمضان الأمس كان له دور بارز في تلك الفترة حيث نرى الأطباق والحلوى تنتقل في الأزقة بين الناس بعضهم البعض رغم شح الموارد وقلتها حينذاك موضحا ان الفوانيس للصغار كانت رمزا لمقدم هذا الشهر الفضيل مؤكدا انه يقوم خلال هذا الشهر بتلاوة آيات القرآن بشكل مكثف عن بقية أشهر السنة علاوة على الزيارات للأهل والأقارب والأصدقاء آملا لو كانت السنة كلها رمضان. صور لا تُمحى ويؤكد الدكتور هاشم دويدري منسق توجيه اللغة العربية بتعليمية دبي ان رمضان في الذاكرة ليس حدثا عاديا أبدا وله فضائل لا تعد ولا تحصى، فحين قرعت باب الذاكرة أسألها عن الماضي البعيد®. عن ماض يعود إلى أربعين سنة خلت إلى مخيلتي صور لا تمحى وهي صور جميلة وسعيدة، فالأب الذي كان يكثر الترحال لظروف عمله يحط عصا الترحال في رمضان ويكون إلى جانب أسرته سعيدا بهم وهم سعداء به. وتابع دويدري قائلا: في تلك الأيام كان أبي وأمي يتسارعان في ايقاظنا على السحور، كنا نتدلل وكان النوم يغالب جفوننا ولكن لا فائدة فالمسحر في الخارج وفي الداخل. في الداخل يتناوب الوالد والوالدة على ايقاظنا، وفي الخارج يقرع المسحر طبلة وهو يصيح «فيقوا على سحوركم جاء النبي يزوركم» وكنا نستيقظ فنجد طعام السحور جاهزا وكان يتألف من صنوف شتى من أنواع المربى المتعددة ومن الجبن والشاي والبيض والزيتون الأخضر والأسود. كان كل ما تحويه المائدة شهيا حقا والأشهى منه ان جميع أفراد الأسرة كانوا يلتفون حول المائدة المستديرة ويتجاذبون أطراف الحديث في مشهد يتكرر في رمضان مرتين، مرة في السحور ومرة في الافطار. وأضاف: تبدأ فعاليات اليوم وهي منظمة إلى درجة كبيرة، فبعد السحور كنا نتوضأ ويعكف كل منا دون استثناء على مصحفه يقرأ ويقرأ حتى أذان الفجر وبعد فراغنا من الصلاة كنا نعكف ثانية على دروسنا وكان أبوانا يخلدان إلى نوم قصير سرعان ما يتحولان عنه إلى تهيئة شئوننا واستعداداتنا للمدرسة. ومازلت أذكر انني كنت أشعر بالنشاط عند كل صباح من صباحات رمضان، فقراءة القرآن وصلاة الفجر كانتا تضفيان علي السكينة والاستيقاظ المبكر كان خيرا (بورك لأمتي في بكورها). وفي فترة ما بعد الظهر كانت القيلولة وبعد القيلولة عودة الى متابعة الوظائف والدراسة ثم توقف قبيل الافطار للدعاء ولمتابعة ختم القرآن فقد كان واجبا في ذاك الشهر الفضيل. وقبيل الافطار كان باب بيتنا يقرع من قبل المسحر الذي يعطى من الطعام من خير الله وفضله ثم تخرج بعض أطباق الطعام نحملها لبعض الأقارب صلة للرحم ولبعض المساكين من الأسر الذين كنت أشعر وأنا أوصل لهم الطعام بسرور بالغ يحل بهم وكانت ألسنتهم تلهج بالدعاء. وفي الافطار ومع تنوع طعامه كانت هناك أساسيات منها المعروكة وعصير البرتقال أو منقوع قمر الدين والكبة. وفي الأماسي كنا نحتال لنسهر بعض الوقت نتسامر مع الأهل ونتجاذب أطراف الحديث أو نتابع التلفاز وكان حديث العهد أو نلتقي في بيتنا مع بعض الأقارب فنسامرهم لبعض الوقت ثم نخلد الى فراشنا لننعم بنوم هادئ وهانئ. هذا هو جو رمضان في الذاكرة. بين الأمس واليوم وأكد دويدري ان هناك فارقا كبيرا بين رمضان الأمس ورمضان اليوم، فلرمضان الأمس بريقه وعاداته وصفاته. رمضان في الماضي كان تواصلا بين الصحب وصلة رحم بين الأقرباء. رمضان الأمس كان أحاديث سمر لها نكهة حلوة عجيبة في حلاوتها. رمضان الأمس كان بسيطا وهو في الوقت نفسه جميلا. أما رمضان اليوم فهو عندنا ليس كما كان، فلقد أساءت المدنية الزائفة إلى الكثير من جمالياته، فالتلفاز يأخذ من وقتنا زمنا لا يستهان به، والطقوس أصبحت ضربا من الخيال فلا مسحر ولا طبلة ولا مدفع رمضان ولا أولاد في الحارة أو الحي يغنون أغانيهم الرمضانية الحلوة وأهازيجهم الجميلة فشتان بين الأمس واليوم. يحيى عطية