أن ننطلق بكلمة «طفل» فإن الحديث يكون عن مستقبل مجتمع. وأن نتفوه بعبارة «كتاب الطفل» فإننا بصدد قراءة «عقل» مجتمع والعلاقة بين المستقبل والعقل مرهونة بأناس يقدرون المسئولية حق قدرها، ولا يمارسون ثقافة «رفع العتب». فلم تعد المسألة مجرد انجاب أطفال يتمتعون بقدر معتبر من التعليم والتنشئة والتربية، بل تكمن في كيفية صياغة عقل طفل بمقدوره حراسة المستقبل واضاءة الآني بنور الاطمئنان على جديته المرتقبة .. انه الرهان الوحيد. كتاب الطفل: عبارة تفتح كل النوافذ المغلقة، وتقترح غيرها لولا آراء «البعض» بتهميش المسألة، وتسطيحها. لذلك لا نملك في هذه المقدمة العجولة، إلا ان نطرح أسئلة كثيرة، سنجد أجوبتها المتغايرة في متن السطور الآتية: ما هو المفهوم الحقيقي لكتاب الطفل؟ ما هي آليات الأسرة في اختيار كتاب أطفالها؟ ما مدى احساس دور النشر بتوعية الطفل، وعدم اقحامها بشكل سافر في منظومة الربح؟ وما دور المؤسسات الحكومية، والقطاع الخاص في دعم ثقافة الطفل؟ وما هو الخط الفاصل، وغير المرئي، بين الثقافة والتسلية؟ وقبل أن نقلع إلى فحوى، ومحتوى هذه الهواجس، علينا أن نقدم الشكر لمعرض الكتاب الأخير، الذي لولاه ما استطعنا طرح هذا الموضوع، وما عثرنا على الاجابات التي استهدفناها. مسئولية من ؟ تقول رولا رستم (ناشرة): أنا شخصيا أتدخل في خيارات الطفل القرائية حتى لو كان في صحبة أسرته، خاصة إذا اكتشفت ان الكتاب الذي يريده، أو اختاره لن يفيده في شيء، ولن ينمي وعيه وادراكه، وهذه مسئولية انسانية تقع على عاتق البائع، لكن اذا أصر الطفل، فلا حيلة لدي في هذه الحالة، فأعود إلى دوري كبائعة، لكني أعود وأنصح أسرة الطفل بما لدينا من مطبوعات مثل موسوعة الطفل الميسرة، وكذلك سلسلة القصص الانتقادية وهي تعلم الطفل الطريقة الصحيحة للأكل وآداب الكلام وكذلك توجهه بألا يكون فوضويا، أو عنيفا.. عموما هي سلسلة تربوية وتوعية تفيد كل الأطفال. وعن الأسعار المتفاوتة أو المرتفعة لكتب الاطفال تواصل رولا رستم حديثها قائلة: أنا لا أرى استغلالا من قبل الناشرين اذا ارتفعت ثمن كتبهم عن الاطفال فمن المؤكد هناك اسباب اقتصادية وفنية وراء هذا الارتفاع. لكن الارتفاع الحقيقي موجود في دور النشر التي تطبع كتبا أجنبية، مستغلين بذلك «عقدة الخواجة» عند بعض المشترين، فمازالت بعض كتب الاطفال تلقى رواجا بسبب اسمها الاجنبي، وهي عقدة متوافرة على مستوى كافة السلع ومن ضمنها كتب الاطفال. وترى ان عدم تقدمنا الحضاري يرجع الى عدم تحملنا لمسئولية كتاب الطفل، وأصوله وفنياته، فكتاب الطفل يجب أن يكون مشروعا قوميا عربيا والمسئولية هنا تقع على عاتق أكثر من جهة، منها الاسرة ودورها في تعويد الطفل على القراءة، وتحفيزه عليها، فلقد اكتفى أولياء الامور بأفلام الكرتون، حتى لو وصل الطفل الى سن القراءة. ومن بين الجهات الاخرى التي يجب أن تقع على عاتقها المسئولية وزارة التربية والتعليم والتي أثقلت الطفل بكثرة الواجبات المدرسية التقليدية، حتى لم يعد لديه الوقت للقراءة غير المدرسية، فأنا لم أسمع عن مدرسة عربية خصصت حصة مدرسية لتثقيف الطفل عبر قراءاته في مكتبة المدرسة على سبيل المثال. أما الجهة الثالثة التي تتحمل هذه المسئولية فهي دور النشر المتخصصة في طباعة كتاب الطفل، فالواجب يحتم عليها مراعاة امكانات بعض الاسر التي لديها اكثر من طفل، ولا تملك المال الكافي لشراء كتب لأطفالهم.. حيث يجب أن يدرسوا مسألة تسعيرة كتب الاطفال.. وأنا أرى ان الحل بيد المؤسسات الرسمية والحكومية، ذلك ان بمقدورها دعم كتاب الطفل كما يفعلون مع كتب النخبة، والكتب المترجمة، فهناك ما يسمى بالطباعة الشعبية، وهي كتب مدعومة حكوميا، وفي متناول جميع الطبقات. أنا تاجر! من جانبه يقول محمد ابراهيم العبسي: لا نتدخل اطلاقا في اختيارات الطفل للكتاب، حتى لو أخفق في اختياره.. فأنا تاجر ولا يهمني مدى استفادة الطفل من الكتاب الذي اختاره، وأنا لست مسئولا عن تشكيل وعيه وعقله، طالما ان اسرته موجودة، لانها تعرف ماذا تريد لطفلها وثقافته، بالاضافة الى ان بعض الناس يتشككون في اقتراحاتنا وترشيحاتنا بخصوص كتاب ما، أو سلسلة معينة، على اساس اننا نريد البيع فقط، او الحصول على أكبر قدر ممكن من المال.. لذلك نحن نفضل ان نكون تجارا، وبائعين فقط، منعا لسوء الظن. وعن اسعار كتب الطفل يواصل العبسي قائلا: من الطبيعي ان يكون كتاب الطفل مرتفع الثمن، لانه مليء بالألوان وهي مكلفة، فلا يمكن طباعة كتاب للطفل دون ألوان، خاصة انها يجب ان تكون لامعة وطبيعية جدا، الى جانب اسعار ورق هذه الكتب التي تكون من النوع المقوى وهو من أغلى أنواع الورق، أيضا هناك نقطة فنية يجب أن تراعى وهو ان غلاف الكتاب الواحد يطبع أربع مرات أصلية وهو ما يكلفنا المزيد من الألوان والورق المقوى كما قلت سابقا. ويواصل حديثه قائلا: هذا لا يمنع من وجود تفاوت في أسعار كتب الأطفال، ويمكن أن يكون هذا التفاوت كبيرا لدرجة التساؤل.. لكن هناك أيضا أسباب لا يعلمها المشترون لكتب الأطفال منها عدم وجود دعم حكومي لكتاب الطفل، خاصة في حالة ارتفاع سعر الورق بكل أنواعه، والدليل على ذلك ان أسعار كتب الأطفال في بلد ما أرخص بكثير مقارنة ببلد آخر والسبب يرجع الى عاملين أحدهما متعلق بوجود دعم حكومي كبير يخفض من أعباء طباعة كتاب الطفل، والآخر متعلق بعدم وجود جمارك أو ضرائب على الورق، وبعض ماكينات الطباعة وكل هذه الأمور تساعد على انعاش صناعة الكتاب، وتسعيره بأسعار مناسبة. أسباب الغلاء ويستطرد العبسي قائلا: أما من ناحية تفاوت الاسعار بين كتاب وآخر فهو يعود إلى ما يسمى بحقوق المؤلف، وعدد الطبعات وعلاقتها بنجاح الكتاب من عدمه.. أما بالنسبة لحقوق المؤلف فكلما كان اسم الكاتب كبيرا ومشهورا، ومشهودا له بالكتابة الابداعية، كان سعر كتاباته مرتفعا، والغريب في هذه المسألة، ان الكتاب كلما كان ناجحا ومنتشرا، ومتعدد الطبعات، كلما زاد ذلك من حقوق المؤلف المادية وهذا يعتبر احد أسباب ارتفاع تكلفة الكتاب، على العكس تماما من الكتاب المبدعين الجدد، فالتعامل معه غير مرهق ماديا بالنسبة لدار النشر، ذلك ان الكاتب الجديد يحتاج الى صناعة اسمه وترويجه، فهو غير مشغول بحقوق المؤلف المبالغ فيها أحيانا، بل هو مشغول بالشهرة والقاء الضوء على أعماله فقط، وحتى لو لمع اسمه فانه لن يصل الى درجة المساومة التي يمارسها كبار الكتاب. الامكانات محدودة أما غادة محمد ـ ربة بيت ـ فتقول: أسعار كتب الأطفال معقولة بالنسبة لي لانني أشتري كتب تعليم القراءة، فقد لاحظت ان هذه النوعية من الكتب رخيصة الثمن، أما الكتب ذات الألوان الكثيرة والورق الممتاز فهي غالية وغير مناسبة لامكاناتي المادية، فأنا أشتري لأولادي ما ينفعهم بقدر الامكان ويناسب قدراتي المالية. وتواصل غادة: لا أتحمس كثيرا للكتب الأجنبية، طبعا المترجم منها، لانني لا أريد أن يفرح أولادي بأسماء الشخصيات الأجنبية، فأنا أحاول أن أعلمهم الأسماء العربية، لذلك أشتري لهم الكتب العربية والإسلامية.. ولقد وجدت كتبا لا تليق بأخلاقيات مجتمعنا وأطفالنا. والغريب ان هذه الكتب غالية الثمن وربما ان الناشر يريد إيهام المشترين بأهمية هذه الكتب. عقلية تجار ومن جانبه يقول الشاعر هاشم المعلم: بالتأكيد أصحاب دور النشر تجار بالدرجة الأولى، ولا يهمهم إذا كان الطفل يستطيع شراء هذا الكتاب، أم لا فكل تفكيرهم في الربح، خاصة في وجود ركود في البيع، فيقومون برفع الأسعار لتعويض هذا الركود على حساب الطفل وأسرته، وما رأيناه يؤكد هذا الكلام. ورغم انني غير متزوج، فأنا المسئول الأول عن اختيارات اخواني الصغار، وأولاد أخي، لان العائلة تثق في زوجتي، وفي قدرتي على اختيار الأفضل والمناسب لكل مرحلة عمرية.. لكني في أول الأمر أترك الأطفال يختارون ما يحلو لهم، فإذا اكتشفت سوء الكتاب، أو عدم فائدته، أتدخل فورا وبشكل ودي حتى لا أستفز عناد الطفل. تحقيق: مجدي أبو زيد