تعد مؤسسة محمد بن راشد للأعمال الخيرية والإنسانية أول مؤسسة خيرية تحصل على تصريح خاص ببناء مخيم في الأراضي الأفغانية لاغاثة اللاجئين، حيث نجح الوفد المرسل من قبل المؤسسة في الاتفاق مع الجهات المعنية هناك على تحديد مواقع داخل الأراضي الأفغانية بالقرب من منطقة كويتا الباكستانية الجنوبية، وأنجزت المؤسسة بالفعل اقامة مخيمين بدأتا تستقبل حوالي 20 ألف لاجئ من النساء والأطفال والعجزة، وتم تزويدهما بالخدمات الطبية والانسانية من بطانيات وأغذية وغيرها من المساعدات، حيث يقام كل مخيم على مساحة كيلو ونصف الكليو متر مربع. وقد وصل المخيم العديد من اللاجئين على أسطح تجرها الحمير وجرارات زراعية من كابول التي تبعد نحو ألف كيلومتر، تم استئجار مستودع كبير لتخزين المساعدات والمعونات، كما تم الحصول على بيت قديم بجوار المخيم تم ترميمه واعداده كمستشفى، وتم تزويده بعدد من الأطباء للنساء والأطفال والتغذية، اضافة إلى المعدات الطبية والتجهيز لاقامة مدرسة حاليا داخل المخيم وبيت ضيافة. وإلى جانب ذلك تم فتح حساب مالي في احدى المناطق القريبة من الحدود الأفغانية لتحويل المبالغ المطلوبة. ويعد مخيم مؤسسة محمد بن راشد مخيما شبه نموذجي بالمقارنة بالمخيمات الاخرى القائمة هناك، حيث تمت زيارات من أعضاء الصليب الأحمر الدولي، والهلال السعودي وأشادوا باقامة المخيم، كما ان لجنة الاغاثة الدولية طلبت ان يمثلهم هذا المخيم هناك. ومن أهداف الحملة التي تنظمها مؤسسة محمد بن راشد تزويد اللاجئين بالاحتياجات الضرورية التي يحتاجون إليها هناك في تلك الظروف العصيبة كالخيام والمواد الغذائية والأدوية وحفر الآبار وأغذية الأطفال وأدويتهم. وبدأ سمو الشيخ محمد بن راشد الحملة بنفسه، حيث تبرع بمليوني دولار، وبعد ذلك فتحت المؤسسة أبواب التبرع لمن يرغب من المحسنين وتوالت بعد ذلك التبرعات. ولم يقتصر الأمر فقط على التبرعات المالية، فقد تلقت المؤسسة الكثير من التبرعات العينية، حيث تم تخصيص خيمة كبيرة أمام مقر المؤسسة في دبي لتلقي التبرعات العينية من المحسنين. وتم ارسال وفد تقصي حقائق لمعرفة الاحتياجات الملحة للاجئين وتم ابلاغ مفوضية الامم المتحدة العليا لشئون اللاجئين والمفوضية الباكستانية والمفوضية الأفغانية بموعد زيارة وفد المؤسسة والاتفاق على موعد معهم وذلك بهدف التعرف الى جهود الاغاثة وقياس الفجوة المتبقية ومتطلبات سدها بمواد الاغاثة المطلوبة ومعرفة الشروط الواجب توافرها لاقامة مخيمات الايواء حسب مواصفات مفوضية اللاجئين. وتبين ان الحاجة المبدئية للاجئين تتضمن ضرورة اقامة مئة مخيم تتسع لمليون لاجئ، ويحتوي كل مخيم على 1500 خيمة وعيادة و50 بئرا سطحية و100 مرفق صحي. وقررت المؤسسة تجهيز مخيمين يتسع كل مخيم لنحو عشرة آلاف لاجئ ويتسع المخيمان لثلاثة آلاف خيمة مجهزة بالمرافق والمستلزمات الضرورية، خاصة ان مدة الاغاثة في المخيمين ستمتد الى عام كامل يتم خلاله تقديم المستلزمات الغذائية والصحية والتعليمية للاجئين. وبدأت المؤسسة بالفعل في بناء المخيم الثاني الذي أشرف على الاكمال، بحيث يستوعب بعد اكتماله 30 ألف شخص يتم التكفل بهم ورعايتهم من جميع الجوانب كالأكل والشرب والمسكن والتداوي والتعليم، وتكلفت المؤسسة بالاضافة الى المخيم ببناء مسجد ومدرسة ابتدائية لتعليم القرآن الكريم واللغة العربية، وستقيم ورش عمل لتدريب اللاجئين على الحرف كالحدادة والنجارة، اضافة الى مشروع زراعي ضخم لتأمين الطعام للاجئين في المخيم وتشغيلهم فيه. كما ستتم الاستفادة من الآبار الارتوازية هناك. ويتم تزويد اللاجئين بكامل ما يحتاجونه من القوت اليومي، فضلا عن المستوصف الذي أقيم هناك ويعالج بالتعاون مع الهلال الأحمر الأفغاني وكل الحالات في المعسكر تأتيهم من الخارج. وتسعى المؤسسة الى اعادة تأهيل اللاجئين وتدريبهم في المراكز والورش التي سيتم انشاؤها أو الأراضي التي ستتم زراعتها فضلا عن ايلاء الجانب التعليمي أهمية خاصة عن طريق تدريسهم اللغة العربية والقرآن الكريم بوساطة أساتذة من هناك. وفي مخيم المؤسسة وحول العيادة الميدانية التي أقيمت في موقع بارز من المخيم اصطفت قائمة طويلة من المرضى في انتظار تلقي العلاج اللازم، من بينهم حالات قدمت من مخيم مؤسسة محمد بن راشد للأعمال الخيرية والانسانية ومراجعون من المخيمات الأخرى، يشكل الاطفال نسبة كبيرة منهم، وتليهم النساء ومن ثم العجائز وكبار السن. بداخل احدى غرف العلاج بالعيادة التقينا الدكتور محمد ضياء الحق الذي كان قد فرغ للتو من فحص رضيعتين تعانيان من الجفاف وسوء التغذية، حيث أكد ان عيادة المخيم تستقبل يوميا نحو 110 حالات، 45% منها أطفال و25% هن أمهات، حيث يعاني الأطفال من الاسهال وأمراض العيون، والأمراض الصدرية، مشيرا الى ان الحالات التي يفوق علاجها امكانيات عيادة المخيم يتم ارسالها في سيارة اسعاف الى كويتا في باكستان. ويذكر محمود الممرض في العيادة الميدانية ان الخدمات الطبية التي تقدمها العيادة لمخيم اللاجئين قد ساهمت في التخفيف من حدة المعاناة الى حد كبير، خصوصا وان معظم الحالات التي تراجع العيادة تجد لها علاجا مناسبا كما ان تنظيم العمل في العيادة ووجود ممرضة افغانية تشرف على السيدات شجع الكثير من الامهات على زيارة الطبيب وأخذ العلاج المناسب. وقال ان الخطوة المقبلة في تطوير الخدمات العلاجية بالمخيم تتمثل في اقامة عيادة دائمة تضم تجهيزات ومعدات طبية وفريق طبي متمرس للتعامل مع كافة الحالات بالاضافة الى مركز للتغذية، وآخر للتطعيم، ومركز للأسنان. احتياجات اللاجئين وفي لقاءات أجريناها مع نزلاء المخيم أشاد نداء محمد المسئول عن بلوك رقم 2 والذي يضم 72 خيمة تقع تحت اشرافه بالاسلوب المنظم في توزيع المساعدات وتوفير الرعاية الصحية والمعيشية اللازمة. وقال ان معظم مطالب لاجئي المخيم تتمحور حول احتياجهم من البطانيات، والطحين والشاي. وأضاف ان المخيم بشكل عام بحاجة الى مسجد اضافي ومزيد من المصاحف، فضلا عن توزيع بعض الاسر على أكثر من خيمة، خصوصا وان عدد بعض الاسر يفوق سعة الخيمة التي يقطنونها، كما دعا الى تخصيص براميل لجمع النفايات. وقال روز خان الذي يعرفه أهالي المخيم بأبو سراج الدين انه رفع امام المسئولين عن الخيم قائمة بالاحتياجات من الارز والطحين، وتوفير مزيد من الخيام والاخشاب. وفيما ينشغل لاجئو المخيم في تحقيق متطلباتهم اليومية من الطعام وتثبيت الخيام باحاطتها بأكوام من الرمال اتقاء الرياح والبرد القارس، يواسي الاطفال أهاليهم بمساعدتهم في تحمل جزء من أعباء الحياة حيث يقومون بجمع بعض القناني الفارغة وتعبئتها بالماء من خزان يتوسط كل مجموعة من الخيام لتلبية احتياجاتهم من الغذاء والشراب. فيما يعد اللهو أمرا ثانويا قد لا يطرأ على بال الكثيرين استوقفنا احدى الفتيات وسألناها كيف تقضي يومها في المخيم فقالت ان اسمها راضو وتواظب على حضور دروس في قواعد النحو يقدمها أحد المتطوعين الأفغان في المخيم، أما عن اللهو فقد أكدت انها لا تجد في كثير من الاحيان رغبة في اللعب غير انها تتسلى بين الحين والآخر بتشكيل الطين. حفظ القرآن أما روز خان وهو صبي في العاشرة من العمر فقال انه اشترك في مسابقة لتلاوة وحفظ القرآن الكريم تنظمها ادارة المخيم مؤكدا حرصه على نيل الدرجات الأولى بالمسابقة في مجال حفظ القرآن الكريم. وأضاف انه يقصد في الاوقات المتبقية مساعدة أسرته على تخطي هذه المحنة من خلال جلب الماء وجمع الحطب. أما تاج محمد فبمجرد سؤاله عن متطلباته من ادارة المخيم رفع يديه مبتهلا ان يجعل الله هذا العمل الخير في ميزان حسنات من أمر به والقائمين عليه، مؤكدا انه لولاهم لفقد الامل في الحياة. وفي ختام الجولة حملنا ما جمعناه من ملاحظات من نزلاء المخيم الى عبدالرحمن بن صبيح رئيس لجنة المساعدات والتطوير في مؤسسة محمد بن راشد للأعمال الخيرية والانسانية، الذي أكد انه قد تم انجاز المخيم الاول الذي يضم ألفا و200 خيمة بالمرافق الصحية والتعليمية وخدمات الايواء والتغذية في ظرف مدة زمنية قياسية تم خلالها استيعاب عشرة آلاف لاجئ. كما أقامت المؤسسة مخيما آخر لايواء البدو الرحل من قبائل «كوتشيان» قوامه 500 خيمة كمرحلة أولى تبرع بها ائتلاف من جمعيات خيرية أوروبية هي «آيتاس» من ألمانيا و«هكس» من سويسرا، وجمعية «الأناضول» التركية، إلى جانب جمعية «جوينت» للاغاثة في افغانستان. وقال ان المؤسسة تمكنت كذلك من انجاز أول بئر ارتوازي في موقع المخيم جار العمل على تزويده بمضخة وربطه بشبكة من نقاط التوزيع تضمن توافر الماء باستمرار في المخيم بدلا من الطريقة التقليدية المتبعة في الحصول على الماء عن طريق استئجار الصهاريج، مشيرا الى ان الاغاثة العاجلة تتقدم بشكل سريع في المخيم بعد ان باشرت المؤسسة العمل بمجرد حصولها على ترخيص اقامة المخيم داخل الأراضي الافغانية. وأضاف انه من الطبيعي في ظل الظروف الراهنة، والاعداد المهولة من اللاجئين الذين يتوافدون يوميا على موقع المخيم، وما يخدمه من نزلاء يفوق عددهم حجم الامكانيات، وفي ظل العمر الزمني القصير للمخيم ان يتمكن من تغطية كافة احتياجات النزلاء، خصوصا وانه روعي في اقامته النواحي التنظيمية من تسجيل وتشغيل وبناء، مشيرا الى ان تشكيل مدينة وتوفير كافة متطلبات البنية التحتية من ماء وحمامات وغذاء بأي عدد من العمالة كان يستلزم وقتا. وأضاف ان ثمة معوقات عدة واجهت فريق العمل خلال اقامة المخيم منها معوقات طبيعية واخرى بدت في احتلال البدو الرحل جزءا كبيرا من ساحة المخيم الأمر الذي أجل العمل في المخيم الى ان فرجت الأزمة بتدخل الشرطة. وقال ان العمل في المخيم يقوم على أساس المعالجة الجذرية للمشكلات القائمة، وهو أمر وقتي. وأضاف ان معاناة الجفاف قد تكون أقسى من معاناة الحرب ولولا الحرب لما نزح هؤلاء إلى المخيمات، فالمعاناة من الجفاف ظلت كما هي، أما فيما يتعلق بأزمة الحطب فقد لا تجدها عند قبائل «الكوتشيان» البدو الرحل غير ان نزلاء المخيم يعقدون آمالهم على ان يتم توفرها من قبل ادارة المخيم دون أن يبذلوا أدنى جهد في البحث عنها. وقال بن صبيح ان مخيم مؤسسة محمد بن راشد للأعمال الخيرية والانسانية يعد الافضل من بين المخيمات المقامة بالمنطقة، والهدف منه هو التخفيف من وطأة الجلل لا سد كافة الاحتياجات. وأضاف ان محدودية الوقت أفرزت بعض السلبيات الا انه يمكن تفاديها مع مرور الزمن وستكون الاحوال أفضل مما هي عليه الآن. وأضاف ان نمط الحياة التي فرضت على اللاجئين بعد ان كانوا يقيمون في منازلهم صاروا في مخيم بالعراء لم تمكنهم من ادراك مهارات الحياة في الصحراء، وهي المهارات التي يتقنها البدوي الراحل لذا فان شكواه تكاد تكون معدومة. كتب خالد درويش:

