حين تقدم المدارس العلم والمعرفة فانها بذلك تصنع التاريخ الذي تنسجه شخصيات كانت ذات يوم فوق مقاعد الدراسة كي تتسلح لمعركة الحياة بعلوم العصر وفنون البشرية. وكالأفراد وحركتهم المعروفة في الازمان والعصور فان للمدارس ايضا دورها فيما تصنعه ـ رغم ثباتها الظاهري ـ في محيطها اذ تلعب دورا مؤثرا فيما وفيمن حولها يجعلها هي الاخرى صاحبة تاريخ لا ينفصل مطلقا عن تاريخ وحركة مجتمعها. حول المدارس ذات التاريخ والاثر والمكانة والدور نلتقي لنطالع تلك الملفات القديمة لـ «مدارس لها تاريخ». مسيرة التعليم في امارة عجمان لا تختلف عنها في بقية الامارات، حيث ان الأمور سارت تقريباً على نفس المنوال وخطت الخطوات ذاتها نحو التقدم، فقد اعتمد التعليم في البداية على نظام المطاوعة ثم تبعه ارسال بعثات تعليمية وانشاء مدارس بمساعدة عدد من الدول العربية ومنها مصر والكويت. وتعود بداية التعليم النظامي في امارة عجمان إلى عام 1958 عندما فكرت دولة الكويت في عهد الشيخ عبدالله السالم الصباح في انشاء مدرسة في الامارة، وكلفت مرشد العصيمي وكيلها المقيم في دبي القيام بهذا العمل. في فريج السوق وكانت النشأة آنذاك بمدرسة أقيمت في منزل مواطن يدعى «أبوخميس» في منطقة «فريج السوق» حالياً، وقد ضمت هذه المدرسة فصلين، وأشرف عليها ابراهيم البرغوثي وهو معلم أعير من الكويت ضمن البعثة الكويتية التي كانت حينذاك تعمل في الامارات. وكان عدد طلابها عشرين طالباً يدرسون بالصفين الأول والثاني الابتدائي، وكانوا جميعهم يجلسون في فصل دراسي واحد، نظراً لظروف انشاء المدرسة. وكان بين المعلمين العاملين بالمدرسة معلم من أبناء الامارات هو محمد الكوس الذي يعد من جيل الرواد في التعليم بامارة عجمان بعد عام، أي في عام 1959 انتقلت المدرسة إلى مبنى خاص بها كان موقعه في منطقة «مصلى العيد» وبقيت فيه حتى سنة 1968م، ومع تحول المدرسة إلى مبناها بمنطقة المصلى زاد عدد الفصول فأصبحت ثلاثة واستقبلت في عامها التالي أي عام 1960 «120» طالباً في الفصول من الأول إلى الرابع الابتدائي، حيث تم دمج الصف الثالث والرابع معاً في فصل واحد ويتم التدريس داخل هذا الفصل بتقسيم التلاميذ إلى مجموعتين كل مجموعة منهما تدرس مادة تختلف عن الأخرى حسب الصف الذي قيدت فيه. وفي تلك الأيام كان نصاب المعلم يصل إلى 34 حصة أسبوعياً، كما كان سائداً فيها حب التعليم والحرص على المواظبة، وكان هم التلاميذ الوحيد هو التحصيل والاستفادة خاصة في ظل حرمانهم من التعليم طوال السنوات التي سبقت افتتاح المدرسة، كما ان الالتزام بالقدوم إلى المدرسة في الوقت المحدد كان شيئاً ظاهراً بالرغم من عدم توفر مواصلات للنقل حينذاك حيث كان معظم التلاميذ يصلون إلى المدرسة سيراً على الأقدام. تميز منذ البداية وفي عام 1959 شهدت المدرسة وصول اثنين من المعلمين أرسلتهما دولة قطر هما جودت البرغوثي ورفيق عبدالملك كما وصل للعمل بالمدرسة عبد السلام السوسي الذي كان ضمن بعثة الكويت. ومن المعروف انه في تلك الفترة ان دولة الكويت كانت ترسل الكتب والقرطاسية والأدوات والملابس الصيفية والشتوية مع تكفلها أيضاً بتقديم الوجبات الخفيفة للطبة وكذلك الأدوات اللازمة لدراستهم والتي تقدم إليهم مجاناً. وفي تلك الفترة كانت المراحل الدراسية تتبع النظام الكويتي والذي انقسمت فيه الدراسة إلى ثلاث مراحل هي المرحلة الابتدائية ومدتها 4 سنوات، ثم المرحلة المتوسطة وهي 4 سنوات واخيرا الثانوية 4 سنوات. وفي عام 1961م شهدت المدرسة توسعا في مبناها حيث اضيف لها فصل دراسي جديد وزاد عدد معلمينا بعد وصول مدرس جديد ضمن بعثة الكويت التعليمية وهو المعلم خضر شعشاعة، وآخر من بعثة قطر التعليمية هو محمد صالح ياسين، وفي هذه الفترة كان ابرز ما شهدته المدرسة وتميزت فيه وانفردت به هو ذلك الحفل الثقافي الذي اقيم نهاية العام الدراسي وكانت المدارس في بقية الامارات الاخرى تختتم عامها الدراسي بحفل رياضي، وتضمن حفل الراشدية الاول عددا من الفقرات المتنوعة التي قدمها الطلبة الى جانب التمثيليات الوطنية الاسلامية عن كفاح الجزائر وفلسطين، اضافة الى اقامة مهرجان «عكاظ» الذي حضره بعض اصحاب السمو حكام الامارات، ونال اعجاب الحاضرين الذين جاؤوا من بقية الامارات الاخرى ليشاركوا في اول احتفال ثقافي تقيمه مدرسة. وفي العام الدراسي 61/62م طلبت امارة عجمان من جمهورية مصر العربية تزويدها ببعض المدرسين فارسلت اليها حسين كامل كمعلم للتربية الرياضية ومحمد وفيق كمعلم للتربية الفنية. الاتجاه الى المتخصصين وبوصول هذين المعلمين كانت البداية لاستقبال المدرسة معلمين متخصصين لتدريس مواد النشاط حيث كان ذلك في السابق من أعمال المدرسين العاملين بالمدرسة، وقد امتدت هذه الخطوة في الاستعانة بالمتخصصين الى بقية المواد الدراسية ولم يعد مدرس اللغة العربية يكلف بتدريس بعض حصص اللغة الانجليزية. وما يجدر ذكره ان مادة اللغة الانجليزية كانت تدرس بدءا من الصف الأول المتوسط، اما مبادئ التاريخ والجغرافيا فان تدريسها كان يبدأ من الصف الثالث الابتدائي. وشهدت مدرسة الراشدية بعجمان خلال العام الدراسي 62/63 ا ضافة اخرى توسع بها مبناها حيث بنيت ثلاثة فصول على نفقة المغفور له الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم. وبهذه الفصول استطاعت المدرسة استيعاب الزيادة الطلابية التي كانت في اطراد كل سنة منذ نشأة المدرسة وحتى نهاية الستينيات كانت دولة الكويت ترسل سجلات رسمية لتسجيل أسماء الطلبة الملتحقين بالمدرسة والتي كان يسجل فيها حضورهم وغيابهم وصفوفهم وشعبهم، كما كانت الامتحانات ترسل من الكويت وكانت اوراق الاجابة عن امتحانات النقل ترسل لدولة الكويت للتصحيح ومن هناك تصدر النتائج. وخلال السنوات من 63 وحتى 1969 حققت نتائج مدرسة الراشدية في مرحلة الرابع المتوسط اعلى نسبة للنجاح اذ بلغت 100% طوال هذه السنوات. وفي عام 65م تقريبا بلغ عدد الفصول الدراسية تسعة فصول وبلغ عدد الطلبة 130 طالبا، وكان عدد المعلمين فيها حوالي 13 مدرسا اضافة الى المدير، ولم يكن للمدرسة ادارة بالشكل المعروف حاليا فقد كانت تفتقر الى وجود الوكيل والسكرتير او اي مساعد في هيكل الادارة. مع بدء العام الدراسي 68/69م انتقلت مدرسة الراشدية الى مبنى جديد يقع في منطقة البطين واضاف لها ثلاثة فصول دراسية بنيت على حساب الكويت. وتزايد عدد الطلبة حتى بلغ عددهم في نهاية عام 68/69 200 طالب وضم الفصل اكثر من 40 طالبا وليصل احيانا. الى 50 طالبا وذلك نظرا لتزايد اقبال الاهالي على تعليم ابنائهم مع قلة عدد المدارس وقلة عدد الفصول آنذاك. وبعد دولة الاتحاد عام 1971 شهدت البلاد نهضة تعليمية واسعة فانتشرت المدارس في الامارة وتحولت مدرسة الراشدية فيما بعد من نظام دولة الكويت الى نظام وطني تم اعداده داخل الدولة واصبحت المناهج تدريجيا خاضعة لمناهج الدولة وتوفرت المواصلات وزادت الفصول الدراسية بشكل كبير وتم تعيين الالاف من المدرسين العرب والمواطنين للتدريس في المدارس الجديدة. وفي عام 74/75 استقلت مدرسة الراشدية بتعليم طلاب المرحلة الثانوية فقط في ظل انشاء مدارس للمراحل الاخرى. مدراء المدرسة تعاقب على ادارة المدرسة عدد من المدراء بلغ عددهم حتى اليوم خمسة، ففي عام 1958 تولى ابراهيم البرغوثي ادارة المدرسة وفي عام 1963م تولى مجد الدين شاهين الادارة وبقي فيها اربعة عشر عاماً حتى عام 1977 عندما استلم عبدالسميع احمد الذيب ادارة المدرسة ليظل مديرا لها حتى عام 1985م ليعين بعدها صالح المرزوقي مديرا للمدرسة حيث بقي فيها 21 عاما 1991 ومنذ ذلك التاريخ والى يومنا هذا فان عبيد المطروشي يواصل ادارتها باستخدام النظم الحديثة التي تواكب تقدم التعليم في المنطقة. ابرز خريجيها تخرجت في مدرسة الراشدية شخصيات عدة من داخل امارة عجمان وخارجها ومن هؤلاء الشيخ سلطان بن علي النعيمي الذي كان سفيرا في الخارجية، والشيخ محمد بن علي النعيمي رئيس دائرة العدل بامارة عجمان، والعميد شرطة حميد علي سيف، وعبدالله عبيد مدير منطقة عجمان التعليمية، خليفة المويجعي مدير الديوان، والعميد طيار دكتور خليفة الشعالي، الذي كان مديرا لشرطة عجمان ومن قبلها قائد الجناح الجوي بالشارقة وهو واحد من الرواد الاوائل في طيران الشرطة بالدولة. مدرسة الراشدية حاليا تعتبر مدرسة الراشدية حاليا من اهم المدارس الثانوية الموجودة في منطقة عجمان التعليمية لاسباب عديدة اولها انها مدرسة تعج بالكفاءات التدريسية المرموقة والادارة الجيدة اضافة الى ان كل طالب فيها على يقين تام بأنه في مدرسة لها تاريخ وماض عريق لابد من احترامه وتقديره. منال خالد