عبر السنوات والمراحل يرتقى الانسان علما وفهما وادراكا في مجالات متعددة قد تتباين في نوعياتها او اساليب ممارساتها لكنها تتفق في انها ـ جميعها وبلا استثناء ـ تستند الى قاعدة من العطاء الذي قدمه اناس لا تزال بصماتهم الاولى ذات اثر في حياة المرء مهما تقدم او ارتقى. وحين يتوقف الانسان لتقييم مسيرة حياته وما قطعه من مراحل او بلغه من مواقع فان بوصلة الذهن تتجه دائما نحو اولئك الذين غرسوا في النفس ما انتج اطيب الثمرات ووضعوا اللبنات الاولى على مدارج العمر لتكون للحياة قيمة وللعطاء معنى. وهنا نتوقف كل اسبوع لنقرأ معا رسالة الى هؤلاء فهم اساتذتنا في الحياة. بين الأب والمعلم هناك قاسم مشترك يقول لنا جميعا ان الاثنين يشتركان في استاذية الحياة فالاول ـ اي الاب ـ استاذيته في تجاربه واساليب تنشئته لابنائه اما الثاني وهو المعلم فإن استاذيته في تقديم العلم والمعرفة لتلاميذه ليست موضع جدال او شك. وما يقدمه ضيوفنا هذا الاسبوع يصب في هذا الاتجاه لان الاب والمعلم هما عنوان اساسي في رسائل ضيوفنا الثلاثة. يقول عبيد المطروشي مدير مدرسة الراشدية الثانوية للبنين: استاذي في الحياة هو من أكن له كل احترام وتقدير وانه من كان له الفضل في وصولي الى هذا المكان موقع طيب في الحياة، لقد رحل والدي عن هذه الدنيا بعد ان ادى رسالته السامية بكل تضحية واخلاص وايثار وبعد ان اعطاني الحنان والدفء والحب فكان حبه نوراً يشع في جميع مراحل حياتي. واضاف لقد تعلمت منه الكثير ومازالت كلماته هي نبراس حياتي وستبقى عباراته وحكمته نوراً يضيء لي دروب الحياة. وهاآنذا اقطع على نفسي عهدا بأنني اواصل مسيرته فقد علمني فأحسن تعليمي وهذبني فنشأت على مكارم الاخلاق واقول له ان عظمة الرجال لا تقاس بعدد السنوات التي يعيشونها وانما تقاس بما اسدوه للناس من خير، وبما قدموه لامتهم ووطنهم وانت يا والدي من رواد العطاء والبذل وانني أؤكد لك بأنني سأواصل المسيرة الخيرة التي بدأتها وسأحترم كل من له صلة بك، وسأبقى على عهد الرجولة، هذا العهد الذي غرسته في نفوسنا منذ نعومة اظفارنا، فلك يا والدي العزيز، كل تقدير وتعظيم وثناء لانك وانت الراحل عني لا يمكن لي ان انساك ابدا. باني الحضارة اما كمال قدومي مدرس اللغة العربية فيشير في رسالته الى كل مدرس قدم اليه فكرة او معلومة ثاقبة دون ملل او كلل قائلا كيف لا ابعث رسالتي الى معلمي فهو الذي ينشيء الاجيال ويصقل العقول ويستلهم التاريخ ويبني الحضارات وينمي في ابنائه كيف ترفع الهامات، وتصان المقدسات، انه المعلم الذي يربطنا ربطاً وثيقاً بحضارتنا الاسلامية وبأصالتنا العربية وهو الذي يطل بنا على الثقافات الانسانية والمخترعات العلمية والقيم الاخلاقية. ويضيف نعم الرجل انت ايها المدرس العظيم فأنت الامين على ابناء هذه الامة، والحريص على حضارتها وقيمها فيكفيك شرفاً ما قاله سيد البشر عليه الصلاة والسلام «انما بعثت معلما». وأنت القدوة المثلى لكل طالب يعرفك فسيرتك تحتذى وافكارك تحضر في صدورنا، وما تقوله يصان في عقولنا. فكما قال الشاعر ربوا على الانصاف فتيان الحمى تجدوهموا كهف الحقوق كهولا يواصل قدومي سطور رسالته قائلا: ان اول ما اتقدم به اليك هو الدعاء لك بالتوفيق في الدارين، وانه دعاء متوج بالاعتزاز بك وبمكانتك السامية ومنزلتك العالية، وموهبتك الفذة ومعلوماتك العزيزة ليس هذا فقط بل والاقتداء بك وورود مناهلك وانني اجدد العهد لك يا استاذي الفاضل بأن اكون مثلك نعم المدرس المخلص في هذا الميدان التربوي الذي دخلت اليه اقتداء بك وتأثرا بخصالك وافعالك، وهو ميدان يحتاج منا جميعا كل بذل وعطاء وتضحية كي نضطع بامانة العلم والتربية والتعليم، بل امانة تربية ابناء هذه الامة المتعطشة للعلم والباحثة عن كل تقدم حضاري والساعية الى الانفتاح على العالم لتناول كل تقدم وازدهار كي تبقى هذه الامة وكما عهدتها الامم الاخرى مشعل حضارة ومنارة علم ونور هداية. نصائح غالية وثمار طيبة ويبدأ احمد فؤاد سلمان الاخصائي الاجتماعي في مدرسة الراشدية الثانوية رسالته قائلا: ان الحديث عن الشخصيات التي اثرت في حياتنا هو حديث لابد وان يغلب عليه الوفاء والتقدير لهذه الشخصيات لانه والحمد لله ما من شخصية مرت في حياتي إلا وقد استفدت منها ولكن بطبيعة الحال فهناك شخصيات معينة هي التي حددت لنا ملامحنا وشكلت شخصيتنا التي نحن عليها الآن، فمن حسن حظي ان يكون والدي هو معلمي واستاذي في المرحلة الابتدائية الذي صنع مني رجلا يقدر المسئولية والذي جعلني اكسب احترام وتقدير كل من حولي بما زرعه في داخلي من افكار مستمدة من القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة التي تدعو كل مسلم ان يتحلى بأخلاق الاسلام. واضاف: لقد علمني والدي منذ كنت طالبا ان الجد والاجتهاد والاخلاص في العمل هو طريق النجاح وان تحديد الهدف هو اقصر طريق لتحقيقه ولا انسى ذلك اليوم الذي جلس فيه معنا وكنا على ابواب الامتحانات ليحادثنا ويطرح علينا الاسئلة وتبادل معنا النقاشات حولها ويوجهنا ويذكرنا بقوله عز وجل «ان الله لا يضيع اجر من احسن عملا» ويردد على مسامعنا ان النجاح والتفوق مرهون بالاخلاص في العمل ولقد حملت هذه النصائح كتاج فوق رأسي وجعلتها نبراساً لي في حياتي به اهتدى بعد ان وجدت فيها معاني عظيمة وها انا الآن احصد ثمار تلك النصيحة فلقد منّ الله علي بما انا فيه ووهبني حب واحترام وتقدير الآخرين ما يجعلني راضيا عن ذاتي وذلك بفضل الله اولاً ثم بفضل الاخلاص في العمل والاجتهاد فيه والعمل دوماً على تحسين الاداء من خلال الاستفادة من تجارب الآخرين ولقد عاهدت نفسي ان اهدي هذه النصيحة الغالية الى كل انسان حتى يستفيد منها. منال خالد